Archive for 29 سبتمبر, 2011

علاج الخوف المسيحي

29/09/2011

خضر سلامة

في مسرحية زياد الرحباني الشهيرة “فيلم أميركي طويل” (ولا زال)، يردد أحد المرضى النفسيين في مستشفى الأمراض العقلية، معقل القصة المسرحية، جملة “المسيحيي خايفين”، في سخرية من الحديث الدائم – النفاق، عن “خوف” مسيحيي الشرق، وهاجس الأقليات، الذي يخرج إلى العلن مع كل محاولة تغيير في المنطقة ليدمر أي حلم بقيام مواطنية حقيقية، يبدأ الحديث عن الأقليات، وذوبانها، وضرورة حمايتها، وتحالفها، إلى آخره، من الأفكار المزروعة من قبل الدولة الداخلة إلى المنطقة مستعمرة تحت غطاء حماية الأقليات منذ قرون، إلى اليوم.

المسيحيي خايفين، عبارة تخفي فيها مصالح الكنيسة ومصالح الزعماء الشخصية، محملين المواطن المسيحي هاجس لا وجود له، ليضعوه في واجهة التصدي لأي اصلاح وطني، ومن باب السخرية بهذا الشعار، لا الأشخاص، سنقوم بإعطاء نصائح لبكركي، لمواجهة الخوف المسيحي، المصحوب بعوارض إحباط مسيحي (لم يستعمل أحد هذه الكلمة منذ فترة، خير انشالله؟)

fear_is_our_life_partner_888385

– ننصح البطريرك الراعي باستبدال المناولة الكنسية للرعية، بمناولة المسيحيين الخبز والنبيذ في “طاسة الرعبة”، واستبدال جمل المباركة بكلمة “تقبرني”.

– نوجه مناشدة انسانية إلى شركة الكهرباء، بعدم قطع الكهرباء ليلاً في المناطق المسيحية، خصوصاً “الخيفانة”، خائفين، ولا ينقصنا أن ننام في العتمة أيضاً!

– يتطلب الأمر أيضاً توقف وليد بيك جنبلاط عن الظهور الاعلامي، أو مراجعة أقرب حكيم تجميل في المنطقة.

– العماد ميشال عون يجب أن يوقف بهدلته الصباحية لنا في مؤتمراته الصحفية، وخفض صوته وممارسة اليوغا بشكل دوري، وعدم “تنقيز” المجتمع كل يوم، واعتبارنا مثل أولاده، يعني خدنا ع قد عقلاتنا يا أبو الميش.

– على السيد وئام وهاب عدم التلويح بسرمايته على الشاشة عند كل مقابلة تلفزيونية، حفاظاً على مشاعر شعوب المشرق ككل، خصوصا الشعب اللبناني المعني مباشرة بسرماية الأستاذ وهاب.

– عملية زرع شعر سريعة للقائد التاريخي سمير جعجع، ومطالبته بالخروج من دور مار بطرس، وتسليم مفاتيح الجنة التي صادرها لأقرب مخفر درك وتأميمها من قبل الدولة.

– تركيب صفارات إنذار في المناطق المسيحية للإنذار في حالة “مد” شيعي، ودورات عوم وغوص لكل مواطن من قبل الكنيسة، ووضع دشم للتصدي لل”اجتياح” السني، وتوزيع كوندومات مجاناً على المسلمين.

– “المسيحيي خائفين”، على جزء منهم أن يختبأ في حارة حريك، وجزء آخر في قريطم، وليصل الباقون في بكركي، علّ الرب يجد حلاً لهذا الوطن.

أخيراً، يا أصدقائي، ورفاقي، المسيحيون خائفون، والمسلمون خائفون، وأتباع يهوذا وأبو لهب خائفون أيضاً، نسبة البطالة ترتفع، ونسبة الكهرباء تنخفض، والأمل ينقرض، والخزينة تنتحب، والبيئة تكتئب… أما هذه الدولة، فلتحترق بزعمائها ومزابلها.

مفتاح العقل العربي

24/09/2011

خضر سلامة

طوال أربعين عاماً، دخل العقل العربي في كوما فكرية، برعاية رسمية من هاجس الخوف من السلطة، كانت فشل تجارب الحركات اليسارية، بالنار والدم في بلاد، وبالغدر من أهل اليسار والحلفاء في بلاد أخرى، نافذة روح الهزيمة التي حكمت سلوك كل مواطن منا، لثلاثة أجيال، توارثت أصناماً عديدة، منها صنم النظام المقدّس، الذي لا خروج عن طاعته إلا إلى المنفى، أو المشنقة، وصنم الراية الوطنية التي غسلت وعي الفرد وجعلت أولوية الواحد منا، هي سلامة الوطن كجغرافيا ونشيد وطني وعشيرة، متناسين سلامته الضرورية كوطن سليم بمجتمع سليم وثقافة صحيحة ودولة حقوق وواجبات واضحة، توارثنا الهزيمة التي انعكست في مرآة السلوك الفردي اليومي في كل تفصيل، أصبح المواطن مهزوماً في خروجه صباحاً من المنزل أمام شرطي السير المرتش المتقاعس عن واجبه، وأمام جابي الكهرباء الذي يمثل مؤسسة فاسدة، وأمام مديره في العمل الذي يمثل نظاماً اقتصادياً ممزقاً هشاً محكوماً بالعلاقات الشخصية لا المهنية، ومن ثم، عكس هزيمته سلوكاً مرضياً في أسرته، عنفاً للمرأة من جهة، وهوةً واسعة مع أبنائه من جهة أخرى… كان هذا السقوط المريع لمجتمعاتنا، نتيجة ضرورية لصعود دويلات الأنظمة العسكرية الحزبية الشخصية على حساب الأحلام والآمال والشعارات الصدئة.

إذاً، لأربعين عاماً، هُزمنا أمام كل شيء، وأمام أنفسنا قبل أي شيء، توقفت حركة الانتاج الفكرية بفعل اتحاد عصا الجلاد الحكومي، بسيف رجل الدين المشرّع للتسلط، وبأقلام البلاط التي مجّدت الرماد وصنعت منه واقعاً لا خلاص منه، حلت أخبار المجازر مكان أخبار ارتفاع الأسعار، في عقل المشاهد، بكيّ وعيٍ مدروس من قبل الأنظمة التي وازنت بين الخوف من بندقيتين: بندقية الشرطي الحارس للنظام، وبندقية العدو المفترض أنها، كذباً، تهدد النظام والوطن من خلفه، لتصبح الضرورات الانسانية، كالحياة الكريمة، من كرامة وحرية وحق بالعيش السليم، كماليات لا وقت لها، في زحمة الطائفية والعشائرية والوطنية الشوفينية، التي زرعها الحاكم نفسه، في نفوس المواطنين.

3akl

وبعد هذا، دخلنا في مرحلة فاجئت الجميع، مرحلة سقوط هذه الأنظمة بفعل انكسار حاجز الخوف عند المواطن العاديّ، كان من المحتم على الأنظمة أن تلعب الورقة الأخيرة في يدها على طاولة الإعلام الموجه: المؤامرة على وحدة الشعب والوطن! لتخرج أشباح المذهبية والقبلية ناضجة نضرة، ليحصد الحاكم ما زرع، وهنا بيت القصيد: إن هشاشة الوطن اليوم، ليست مسؤولية الخارجين إلى الشارع، بل مسؤولية القصر، هذا القصر الحكومي الواحد منذ أربعين عاماً، هو المسؤول اليوم عن هذه الهواجس، وهشاشة الوطن ليست إلا إدانة للأنظمة التي عينت نفسها حارسة على الوطن خلال السنوات الفائتة، يحق لنا أن نسأل، لماذا لم تفلح “الجماهيرية” القذافية، في وأد القبلية الليبية؟ ثم لماذا لم تفلح الوحدة والاشتراكية البعثية في العراق وسورية، في تفادي لعبة الطائفية النذلة؟ ولماذا لم تنفع جزمة العسكر اليمني في الثلاثين عاما الماضية، في انهاء انقسامات اليمن الأليمة؟ وأيضاً، أين الملكية الرحيمة والعادلة، من معضلة الطائفية في البحرين؟ إن هذه الأسئلة، والمشاكل إن ثبت وجودها، ليست إلا إدانة للأنظمة نفسها، وإعلاناً عالمياً بضرورة إحالتها إلى التقاعد، إحالة يجب أن تكون لمرة، بنفس مسؤول من قبل فلول هذه الأنظمة، تضمن انتاج نظام جديد، أو لمرة واحدة، بنخب تلعب دورها في المعارضة عبر النزول الى الشارع والاختلاط بالناس وقيادتهم، لا بالتنظير من خلف المنابر والمكاتب.

بغض النظر عن الرأي الشخصي، لقد استطاعت الثورة الفرنسية، والثورة الأميركية، وغيرها، انتاج  أنظمة سياسية جديدة عملياً، على العقل البشري، لم تستنسخ، ولم تهجن، أي أنظمة  وهنا ضرورة التعقل قليلاً في حصاد ربيعنا العربي المستمر، إلى حين، لماذا لا نعمل على انتاج نظام اجتماعي جديد دون أن نستنسخ نسخاً كربونية من الماضي او الحاضر، نظام جديد يجب أن يعلن بوضوح انتهاء العسكريات التي عسكرت كل شيء، الوظيفة والعائلة والمدرسة، وانتاج مدنية توازي بين حتمية الحداثة، في الجامعة والجامع والجماعة (السياسية والأسرية والتربوية على حد سواء)، والعدالة الانسانية قبل أي شيء، ليس المطلوب استنساخ أي تجربة، ولا العودة إلى أي خلافة بأي حجة، بل المطلوب اليوم، برأيي الشخصي، الصعود إلى مرحلة الانتاج الفكري السوسيواجتماعي، بما يمكن أن ينبت في اتصال دائرة وحدة الأوطان، والشعوب، بدائرة الحقوق الفردية البديهية التنموية على جميع الأصعدة.

إلى أن يحين وقت قطاف عنب الحراكات الشعبية، لا يمكننا إلا أن نعلن بوضوح، لا معسكرات اعتدال وممانعة بعد اليوم، بل اليوم معركة واضحة بين معسكرين، تداخل فيها الخصوم والحلفاء، معسكر الجيل الصاعد الحالم بانسان كامل المواطنة، ومعسكر الجيل القديم، بحرسه العجوز (نفوساً لا أعماراً) المؤمن بأن الوطن، كهيكل، لا يحتاج إلى مواطنين.. بل إلى بنادق وأصنام فقط.. وبين المعسكرين، أجهزة مخابرات شرقية وغربية ومحلية، تسعى لتفتيت الأحلام وسرقتها، في تحدٍّ جدي هو الأول من نوعه، يواجهه الجيل العربي الجديد، ونخبه المخضرمة التي حان لها، أن تخرج من انكساراتها الطويلة، لتصنع التغيير الحقيقي السلمي الحداثوي.

وأخيراً، طوبى للأحرار، أحياء وشهداء، في عالمنا الواقف على باب الحرية.

أمير في بلدي

21/09/2011

خضر سلامة

إذاً، تمهلت في الحديث عن موضوع الأمير السعودي الذي ذل النظام اللبناني المعاق، حين قام شرطيٌ “عاق”، بكتابة محضر مخالفة سير بحق سيارة الأمير الحقير، الذي قام بالاعتداء على الشرطي، ممثل الدولة المزرعة، موزعاً شتائم عنصرية بحقه، ما أثار حفيظة شباب سارعوا إلى التصدي للأمير ومرافقه… قبل أن يقوم النظام اللبناني المتسوّل، ممثلاً بقيادة القوى الأمنية في المنطقة، بمعاقبة الشرطي واعتقال الشباب والاعتذار من الأمير والغاء المحضر!

لماذا؟

ببساطة ووضوح واختصار، لأننا نعيش في دولة متسولة، يحكمها زعماء لصوص، وقيادات أمنية مستزلمة مرتهنة للمال، ولرضا الزعماء المعينين موظفين لدى السفارات الممولة للطوائف. هذا حالنا باختصار، ضابط أمني يذل الشعب بموكبه وعنجهيته وجزمته العسكرية ويستكبر على الفقراء الضعفاء البسطاء، بينما يذله أمير صغير تافه حقير، بحفنة دولاراته، قادر على جعل أكبر ضابط لبناني، خادماً لديه، عقدة النقص التي تحكم ضباطنا الكبار المسؤولين، والموروثة من نظام مريض نفسياً، بموالاته ومعارضته، قائم على أحزاب وطوائف، تنتظر المنحة الشهرية من الخارج الذي يسيرها، في ظل اقتصاد، تحالف المتخاصمون اليوم سياسياً، ولا زالوا يتحالفون، على تحويله الى اقتصاد خدمات يستجدي رضا الأغنياء، ويستحقر دموع الفقراء وآمالهم، وحياتهم.

©Dessin d’Ares, Cuba

من؟

قلنا، هرم الدولة اللبناني هو الفاسد، الرأس ينخره السوس، ويحرسه ثعابين الأمن الذين يهون عليهم، كسر خاطر وكرامة شرطي قام باستثناء في جهاز الأمن الفاسد وهو القيام بواجبه اليومي، وثعابين الأمن بوضوح، هم الجميع: مسؤولو المناطق الأمنيون، ومديرو الدوائر، وموظفو القطاع الأمني العام الكبار، هؤلاء ليسوا خارج الثقافة اللبنانية التسولية، هؤلاء هم الصورة الأوضح للنظام اللبناني، الرشاوي التي يديرونها بأنفسهم، الوسائط التي يشرفون على توزيعها في الدخول والخروج إلى الأمن وإلى السجن، لا بد لهم أن يكونوا دمى جيدة التماهي مع الأيدي التي تحركهم، والتي تمتد إلى جيب المواطن لتسرقه، وجيب السيد الأجنبي، لتشحذ منه.

ثم؟

الحل هو بالتصويب على مكامن الخلل، ومكامن الخلل هي التالية في هذه الأزمة التي نام وزير الداخلية العنتر عن الحديث عنها، وغابت كرامات 8 آذار الوطنية وعنجهيتها عن إثارتها، وتناست 14 آذار حريتها وسيادتها أمامها، استهداف السفارة السعودية بتحرك مباشر، أو بانتقاد لاذع، تحت شعار كفّ أموالها ونفوذها وتحريضها عن بلادنا بالدرجة الأولى، ومن ثم، استهداف الإدارات الأمنية التي تثير الغبار الكثير حول بطولاتها الخرافية أمام المدنيين العاديين غير المسنودين، ومن ثم، تركع أمام السيارات الحديثة، والبذلات الغالية، والبترودولار، وتتحول من نجمات مكللة، إلى قامات محنية تعتذر وتعاقب الفقير البسيط، وفي المدى البعيد، فهم مكمن الخلل الأساسي: هذا الاقتصاد اللعين القائم على التسول، لحساب زعماء في الحكومة وفي المعارضة على حد سواء…

أزمتنا، هي الكرامة الوطنية، المؤجلة إلى حين، والمستعاض عنها بمهرجان ذل وطني، يقام منذ قرن، برعاية طاقم سياسي مريض، وطاقم أمني مستزلم مرتهن، ولا أستثن أحداً.

دعوه يطير – نور مرعب

17/09/2011

خضر سلامة
إلى روح الرفيق نور.

نور مرعب، اسمٌ سيشغل بال الناشطين السياسيين والحقوقيين لأسبوع بعد وفاته، قبل أن ننساه جميعاً.. اختار نور أن يطفئ حياته بيده دون دين يكبله، ودون قائد يلهمه، ودون ضابطٍ يحكمه، علّه ينير بوصيته، قليلاً من الظلمة التي تحكم عالمنا، لم يقبل أن يطفئها تهديد من حزبٍ فاشي يخاف من الحرية، أو مطرقة محكمة عسكرية غير شرعية لعسكر فاشل يحتكر الشرعية، ويعبر عن عقده النفسية بمعارك وهمية مع مدنيين أبرياء، أقفل نور أعوامه الستة والعشرين، أظنه، بابتسامة هادئة كعادته، أو ربما كلمات أخيرة لن نعرفها، إلا حين نلتقي، على كأسٍ وعالمٍ آخر، لا قضايا فيه، إلا أخبار الأحياء التي فاتته.

نور، صديقي، المشغول بفكفكة روايات الأنظمة، وتعرية نفاق المجتمع المدني اللبناني، وفساد أحزابه السياسية الوطنية والطائفية على حد سواء، المريض بالحرية المطلقة، بحق الجميع في شتمه، وحقه في أن يرد بهدوء، المتصل في آخر الليل، ليعرف رأي الرفاق في استراتيجية نضال لا عنفي جديدة، والمتأبط لهاتف لا يهدأ، ليطمئن على حال القضية الجديدة، والحامل عبء ألف صفحة وصفحة، يشرحها لنا، ليعرفنا إلى حق من حقوقنا القانونية، أو واجب علينا، علّه يجد في هذه المزرعة الكبيرة، مواطناً واحداً.

اكتشفته يوماً، حين كان يزعج الدكتور السوداني عبد المنعم موسى ابراهيم، المضرب عن الطعام احتجاجا على العنصرية اللبنانية، بنصائحه الكثيرة وأفكاره الجديدة لتحرك الدكتور، وبعدها صار حاضراً في كل حدث لبناني جديد، في كل ثورة عربية جديدة، يعارض ويوافق، يكثر الكلام، ويوزع الابتسامات، كان حدثاً متنقلاً، وحديثاً مستمراً، يؤمن بأن لا حدود للعقل الانساني، ويكفر بكل سياج فكري، ديني أو سياسي أو فئوي، وحين نشرت الصحف خبر “انتحاره”، لم تحتج إلى نقاشاته الطويلة، ومداخلاته المستفيضة، اكتفت بسطرين، عن جثة شاب، وشريط فيديو، وحزن كبير.

لا أريد أن أرثيك، لأني أعرف أن الأموات لا يحبون الثرثرة، ولا أريد أن أبكيك، لأني أعرف أن المناضلين لا وقت لديهم لكفكفة الدموع وشرح الرحيل، أريد فقط أن أتهمك، بالخيانة، وأن أشتمك للمرة الأخيرة، أيها اللعين، الكافر، القبيح، المغرور حدّ جرح السماء، وسرقة الوقت: هذا الأنبوب المعد للتفجير، المسمى مجازاً لبنان، كان صغيراً عليك، لماذا لم تحمل حقيبتك وتهرب كغيرك؟ لماذا لم تختر الصمت والانهزام إلى زاوية اليأس كغيرك؟ لماذا كان لزاماً عليك أن تحرجنا بموتك؟ لماذا اخترت بين كل الاحتمالات الكثيرة أن تقتلنا نحن، وتجعلنا نعود إلى دفاترنا لنحصي عدد الباقين في محطة انتظار التغيير الذي لا يأت؟drapeau___ND_NM2

قتلك النظام الطائفي، أتهمه.

قتلك الحكم العسكري، أتهمه.

قتلك الظلام العربي، أتهمه.

قتلك الساكتون والمرتهنون والمستزلمون والعبيد، أتهمهم.

يا ابن أرضي، ومرضي، هذا الحمل ثقيلٌ على القلب، ماذا أصنع بشهادة وفاتك؟ أعلقها خبراً في صفحة الوفيات اليومية؟ أو نعياً على حائط كنيسة تسرقك وتسرقني وتتاجر بموتك وحياتي؟ أتلفها لئلا تصبح منبراً لنائب يحصي عدد الأصوات في قريتك يوم دفنك؟ أخبئها كي لا تراها العين، فتغار وتطلب حرية كحريتك حيث أنت الآن؟ يا صديقي، ألم تقرأ فيما قرأت، أن الميت هو متهم دائم؟ هو الوحيد الذي لن يدافع عن نفسه بعد اليوم، كالملايين التي، ولو مت ألف مرة، لن تعي لحقها بالدفاع عن لقمة عيشها، وعن حريتها، ألم تقرأ فيما قرأت، أن الميت سينساه الأقارب والخصوم، ويلتهون بحب جديد، أو عدو جديد؟ ألم تقرأ فيما قرأت، أن حريتك تقف عند أحزان الآخرين.

لا مكان يتسع لقبر جديد في القلب.. احمل جثتك وابحث عن أرض تقبلها، هنا، السماسرة لم يتركوا لك قبراً، والزعماء لم يتركوا لك ناراً، ورجال الدين لم يتركوا لك رحمة، وأصحاب البنوك لم يتركوا لك منبراً، والعسكر لم يتركوا لك صوتاً. لا مكان في القلب لجرح جديد، وما عاد في البال عشٌ لعصفور مثلك، مثلك لا يحطّ.. مثلك يحلّق، وحين يتعب، يضع رأسه على كتف جهنّم، علّ هذا العالم المرتهن للمال وللطوائف، يحترق بمن فيه.

تباً لك نور مرعب، يا صديقي الخائن.

مزبلة الاتحاد العمالي

15/09/2011

خضر سلامة

للمرة الثانية على التوالي، تقرر تعليق الإضراب المفترض ضد غلاء الأسعار وتطبيق قرارات الحكومة، للمرة الثانية، يقوم الاتحاد العمالي باعلان نفسه مخصياً، ويقوم أعضائه بالاعتراف بأنهم مرتزقة لا أكثر، وموظفون مأمورون من أسيادٍ يفصّلون أرزاق العمّال، على مقاس أحذيتهم.

الاتحاد العمّالي، الذي كان يشغل البلد وويعطل الشارع بمظاهراته الصاخبة في التسعينات، من المعلوم أن أمراء الطوائف، خصوصاً تحالف رفيق الحريري ونبيه بري، وبرعاية مخابراتية سورية، قاموا بنهشه وتقسيمه وتوزيعه على الطوائف مطلع الألفية الجديدة، عبر اقصاء الشخصيات النظيفة صاحبة الكاريزما والصدقية، وعبر استحضار دمى كاريكاتورية، كغسان غصن مثلاً، وفاسدين مرتشين، كبسام طليس، بطل معركة حي السلم التي أودت بخمس شهداء أثناء إضراب عام 2004، والتي تبين أنها لعبة رخيصة لحساب سيده، رئيس المجلس، وهو نفسه، طليس، صاحب مبادرة وأد الاضرابين بمجهوده الخاص وعلاقاته الخاصة، وهو أيضاً، بطل الصفقات المشبوهة في مطار بيروت وغيرها.

ouarsenis-e2db2c833e

على كلٍ، نعود للمهم، الاتحاد العمالي اليوم يقوم بالتضحية بآخر نقاباته، التي إلى جانب نقابة المعلمين ربما، التي لا تزال صامدة ولو شكلياً، خارج الطوائف، نقابة السائقين العموميين، بنفس لعبة اسقاط النقابات الأخرى، عبر كسر حاجز الثقة بينها وبين أعضائها، عبر الاستهانة بالتحركات وتمييعها وثقبها، إلى أن يخرج المنتسبون ويمل المنتظرون، فتفرغ عندها، فلا يبق للعمال عندها، سوى البكاء على أطلال نقابة جديدة، واتحاد أكله السوس، هذا الاتحاد الذي لم يسبق لي شخصياً، أن اطلعت على اتحاد عمالي مثيل له في أي بلد أو حقبة في التاريخ، كان متآمرا على عمال الوطن إلى هذه الدرجة، إذا استثنينا أيضاً، ارتهانه المطلق للطوائف وأمرائها، الذين قاموا، عبر وزارة العمل بمختلف عهودها منذ أن كانت بعهدة البعث، ومن ثم حركة أمل، إلى وزراء القومي السوري، ومن ثم وزراء حزب الله، باستهداف جسد الاتحاد العمالي مباشرة عبر ترخيص نقابات وهمية، وائتلافات طائفية عمالية، وسن قوانين مجحفة، كانت كفيلة بافراغ الاتحاد نهائياً.

إن سيطرة قوى الثامن من آذار بالدرجة الأولى، والرابع عشر من آذار، على الاتحاد العمالي، أوصلنا إلى مكاننا اليوم، اتحاد هو نسخة كربونية عن الحكومة، متفق إلا في بيانات شكلية، مع سياساتها الافقارية والتجويعية، ومن ورائه أيضاً، أحزاب يسار كرتونية تزيد على البيانات بيانات، دون أي خطة اصلاحية، ودون أي ارادة بفضح هذا الاتحاد، ضمن قناعة يجب علينا جميعا الاعتراف بها: لا اقتصاد سليم، دون اتحاد عمالي سليم، ولا رقابة شعبية نيابية حكومية، إلا بوجود جهاز الرقابة الأصدق والأقرب إلى الجمهور والعامل اليومي: الاتحاد العمالي.

هذا نداء استغاثة، أغيثونا من اتحادنا العمالي الذي يغتال عماله، ويسلم جثثهم لوحش رأس المال المستوطن في الحكومات المتعاقبة، أسقطوا الاتحاد العمالي الحالي، الذي تآمرت عليها وزارات العمل المتلاحقة، ونظام الطائف، وعهد الوصاية، أسقطوا هذا الاتحاد عبر كشف عوراته والتزامات قياداته الطائفية والارتهانية. وليبدأ الاصلاح، من اصلاح حال العامل النقابي، وصوته الضروري.

دولة أيـ – لول

05/09/2011

خضر سلامة

دولة في أي Lol !

ماذا نصنع بخُمس الوطن، ورُبع الشعب، ونصف السلطة؟ نصنع منها دولة؟ هذا لسان حال أبو مازن، الرجل الذي أعيى الإمبريالية بقدرته على اجتراح المؤامرات ضد شعبه، وأعيى الاسرائيليين بقدرته على التنازل عن كل شيء، وأعيى السماسرة بقدرته على بيع القضايا والأغاني والشهداء والتاريخ والجغرافيا، سيذهب الرجل، ومعه الجامعة العربية العرجاء، إلى الأمم المتحدة الشمطاء، لطلب الاعتراف بشبه دولة فلسطين على قرابة العشرين بالمئة من أرض فلسطين التاريخية، وبمواطنين هم المقيمين في الداخل، تاركاً فلسطينيي حق العودة، في مربع المجهول، عالقين وسط البنود الغامضة، تبعاً لمزاج الرئيس الأقل من عادي، في لحظة فوق العادة

الأزمة الكبرى، هي أن هذه الدولة، مشروع اغتيال لمنظمة التحرير الفلسطينية بكل بعدها النضالي والدوليّ، والأهم، مشروع اغتيال للقضية المركزية، وهي تحرير فلسطين (تحريرها الانساني بالدرجة الأولى)، وإقامة الدولة الديمقراطية العادلة لجميع أبنائها، على الأرض التاريخية، بالاسم التاريخي، وأخيراً، إدخال ديموغرافيا هائلة، في حائط دولة غير قابلة للحياة، اقتصادياً بالدرجة الأولى، ومن ثم غير قابلة للحياة في إطار الموارد المائية والحياتية، وغير قادرة على أن تكون ذات سيادة كونها ممزقة بخنجر أراض ستصبح مشرّعةً اسرائيلية، بما يرفد ذلك من تبعية أكيدة لسلطة الاحتلال أو في أحسن الحالات، للدول المحيطة كالأردن ومصر.

c14_2707

موقعنا الطبيعي، هو في رفض هذا المشروع المشبوه، سواء عبَر استحقاق الأمم المتحدة أو لم يعبره، لأن في ذلك إخراجٌ لفيلم سياديّ سيء النص ورديء الحبكة، وولادة لجنين قبل موعد ولادته، فلسطين لا يمكن أن تقوم، بكل المعايير، الاقتصادية والاجتماعية والانسانية والحياتية، إلا على كامل التراب، وإلا بكامل العديد الديموغرافي، وضمن سلة اصلاحات سياسية ومصالحات تاريخية، عدا ذلك، فإن التنازل الضخم لا يوازي في بلاهته إلا التطرف الضخم، والخشبية في السياسة توازي الخشبية في الشعارات، لذا، هذا ما نراه، استحقاق أيلول هو نكتة سمجة، من سلطةٍ مخصية تفرّغت للعب دور الكومبارس بعد أن هرمت، وتخلّى عنها عشاقها… لا دولة لمن لم يعمل لأجل إنشاء الدولة، لا دولة لفتح، وهي لم تستطع بعد أن تنفض عنها العث الذي يأكل من تاريخها، ولم تخرج بعد من أمجادها لتدخل في ضرورة الحديث عن المستقبل، ولا دولة لحماس، وهي تسمسر المقاومة وتسعّر الشهداء وتبيع الخنادق والسلاح للغات العالم كله، ولا دولة للمخيمات، وهي لم تجد بعد الطريق إلى الخروج من الهامش والعودة إلى الحدث، وغرز الشوكة في عين الأنظمة الحاقدة، ولا دولة للأطفال، لأنهم أطفال، ويستطيعون غداً، حين يكبروا، أن يصنعوا دولةً أجمل، ووطناً أكمل، يتكامل.

في أيلول، لا دولة إلا لأبي مازن، وحاشيته، وللمتحاربين الأخوة، المتقاتلين على كسرة خبز، وخلفهم بساتين يافا وحقول الجليل وبحر حيفا.. لا دولة في أيلول، دولة فلسطين، مشروع مؤجل إلى حين… إلى أن ينتهي هذا الزمن البذيء ربما.


%d مدونون معجبون بهذه: