مفتاح العقل العربي

خضر سلامة

طوال أربعين عاماً، دخل العقل العربي في كوما فكرية، برعاية رسمية من هاجس الخوف من السلطة، كانت فشل تجارب الحركات اليسارية، بالنار والدم في بلاد، وبالغدر من أهل اليسار والحلفاء في بلاد أخرى، نافذة روح الهزيمة التي حكمت سلوك كل مواطن منا، لثلاثة أجيال، توارثت أصناماً عديدة، منها صنم النظام المقدّس، الذي لا خروج عن طاعته إلا إلى المنفى، أو المشنقة، وصنم الراية الوطنية التي غسلت وعي الفرد وجعلت أولوية الواحد منا، هي سلامة الوطن كجغرافيا ونشيد وطني وعشيرة، متناسين سلامته الضرورية كوطن سليم بمجتمع سليم وثقافة صحيحة ودولة حقوق وواجبات واضحة، توارثنا الهزيمة التي انعكست في مرآة السلوك الفردي اليومي في كل تفصيل، أصبح المواطن مهزوماً في خروجه صباحاً من المنزل أمام شرطي السير المرتش المتقاعس عن واجبه، وأمام جابي الكهرباء الذي يمثل مؤسسة فاسدة، وأمام مديره في العمل الذي يمثل نظاماً اقتصادياً ممزقاً هشاً محكوماً بالعلاقات الشخصية لا المهنية، ومن ثم، عكس هزيمته سلوكاً مرضياً في أسرته، عنفاً للمرأة من جهة، وهوةً واسعة مع أبنائه من جهة أخرى… كان هذا السقوط المريع لمجتمعاتنا، نتيجة ضرورية لصعود دويلات الأنظمة العسكرية الحزبية الشخصية على حساب الأحلام والآمال والشعارات الصدئة.

إذاً، لأربعين عاماً، هُزمنا أمام كل شيء، وأمام أنفسنا قبل أي شيء، توقفت حركة الانتاج الفكرية بفعل اتحاد عصا الجلاد الحكومي، بسيف رجل الدين المشرّع للتسلط، وبأقلام البلاط التي مجّدت الرماد وصنعت منه واقعاً لا خلاص منه، حلت أخبار المجازر مكان أخبار ارتفاع الأسعار، في عقل المشاهد، بكيّ وعيٍ مدروس من قبل الأنظمة التي وازنت بين الخوف من بندقيتين: بندقية الشرطي الحارس للنظام، وبندقية العدو المفترض أنها، كذباً، تهدد النظام والوطن من خلفه، لتصبح الضرورات الانسانية، كالحياة الكريمة، من كرامة وحرية وحق بالعيش السليم، كماليات لا وقت لها، في زحمة الطائفية والعشائرية والوطنية الشوفينية، التي زرعها الحاكم نفسه، في نفوس المواطنين.

3akl

وبعد هذا، دخلنا في مرحلة فاجئت الجميع، مرحلة سقوط هذه الأنظمة بفعل انكسار حاجز الخوف عند المواطن العاديّ، كان من المحتم على الأنظمة أن تلعب الورقة الأخيرة في يدها على طاولة الإعلام الموجه: المؤامرة على وحدة الشعب والوطن! لتخرج أشباح المذهبية والقبلية ناضجة نضرة، ليحصد الحاكم ما زرع، وهنا بيت القصيد: إن هشاشة الوطن اليوم، ليست مسؤولية الخارجين إلى الشارع، بل مسؤولية القصر، هذا القصر الحكومي الواحد منذ أربعين عاماً، هو المسؤول اليوم عن هذه الهواجس، وهشاشة الوطن ليست إلا إدانة للأنظمة التي عينت نفسها حارسة على الوطن خلال السنوات الفائتة، يحق لنا أن نسأل، لماذا لم تفلح “الجماهيرية” القذافية، في وأد القبلية الليبية؟ ثم لماذا لم تفلح الوحدة والاشتراكية البعثية في العراق وسورية، في تفادي لعبة الطائفية النذلة؟ ولماذا لم تنفع جزمة العسكر اليمني في الثلاثين عاما الماضية، في انهاء انقسامات اليمن الأليمة؟ وأيضاً، أين الملكية الرحيمة والعادلة، من معضلة الطائفية في البحرين؟ إن هذه الأسئلة، والمشاكل إن ثبت وجودها، ليست إلا إدانة للأنظمة نفسها، وإعلاناً عالمياً بضرورة إحالتها إلى التقاعد، إحالة يجب أن تكون لمرة، بنفس مسؤول من قبل فلول هذه الأنظمة، تضمن انتاج نظام جديد، أو لمرة واحدة، بنخب تلعب دورها في المعارضة عبر النزول الى الشارع والاختلاط بالناس وقيادتهم، لا بالتنظير من خلف المنابر والمكاتب.

بغض النظر عن الرأي الشخصي، لقد استطاعت الثورة الفرنسية، والثورة الأميركية، وغيرها، انتاج  أنظمة سياسية جديدة عملياً، على العقل البشري، لم تستنسخ، ولم تهجن، أي أنظمة  وهنا ضرورة التعقل قليلاً في حصاد ربيعنا العربي المستمر، إلى حين، لماذا لا نعمل على انتاج نظام اجتماعي جديد دون أن نستنسخ نسخاً كربونية من الماضي او الحاضر، نظام جديد يجب أن يعلن بوضوح انتهاء العسكريات التي عسكرت كل شيء، الوظيفة والعائلة والمدرسة، وانتاج مدنية توازي بين حتمية الحداثة، في الجامعة والجامع والجماعة (السياسية والأسرية والتربوية على حد سواء)، والعدالة الانسانية قبل أي شيء، ليس المطلوب استنساخ أي تجربة، ولا العودة إلى أي خلافة بأي حجة، بل المطلوب اليوم، برأيي الشخصي، الصعود إلى مرحلة الانتاج الفكري السوسيواجتماعي، بما يمكن أن ينبت في اتصال دائرة وحدة الأوطان، والشعوب، بدائرة الحقوق الفردية البديهية التنموية على جميع الأصعدة.

إلى أن يحين وقت قطاف عنب الحراكات الشعبية، لا يمكننا إلا أن نعلن بوضوح، لا معسكرات اعتدال وممانعة بعد اليوم، بل اليوم معركة واضحة بين معسكرين، تداخل فيها الخصوم والحلفاء، معسكر الجيل الصاعد الحالم بانسان كامل المواطنة، ومعسكر الجيل القديم، بحرسه العجوز (نفوساً لا أعماراً) المؤمن بأن الوطن، كهيكل، لا يحتاج إلى مواطنين.. بل إلى بنادق وأصنام فقط.. وبين المعسكرين، أجهزة مخابرات شرقية وغربية ومحلية، تسعى لتفتيت الأحلام وسرقتها، في تحدٍّ جدي هو الأول من نوعه، يواجهه الجيل العربي الجديد، ونخبه المخضرمة التي حان لها، أن تخرج من انكساراتها الطويلة، لتصنع التغيير الحقيقي السلمي الحداثوي.

وأخيراً، طوبى للأحرار، أحياء وشهداء، في عالمنا الواقف على باب الحرية.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

6 تعليقات to “مفتاح العقل العربي”

  1. Asad AbuKhalil Says:

    فيه مخاطر للتعميم عن امراض العقل العربي. فيه مخاطر لإستعمال مصطلح العقل العربي أيضاً. بعدين الجيل الصاعد ليس كتلة متراصّة: هناك في الجيل الصاعد من هو في تيار الحريري أو في تيارات منافسة ومناقضة. هذا رايي

  2. جوعان Says:

    العزيز أسعد،
    التعميم هو عن حالة عامة، كالانتاج الثقافي والعلمي، الذي لا شك أنه توقف وأصبح هامشيا او عالقا في دائرة السفسطائية وشعارات الأنظمة، منذ خمسينات القرن المنصرم، وبشكل أعم، منذ سقوط الدولة العباسية! إذا أردنا توسيع دائرة النقد، ولكن، نعم، التعميم هنا جائز عن حالة انتاجية معدومة ثقافيا واقتصاديا وعلمياً. وهذا الانعدام مرده الى الجمود السياسي، وهو ما أعالجه.
    الجيل الصاعد، ليس العمري، بل الصاعد التغييري، أي المختلف عن السائد، وهو ما يعنيني، وعلى ذلك أن يحوي تناقضاً، يجب علينا، علي وعليك وعلى الجميع، أن يكونوا قادرين على مواجهة الآحرين المغايرين، ليبراليا او غيرهم، والا ستأخذ الديمقراطية الشعبية طريقها في السنوات القادمة.
    هذا رأيي، وتحياتي لرأيك ولشخصك يا رفيقي!

  3. Bachar Cheaib Says:

    أستاذ خضر أو رفيق خضر. الأسئلة التي تطرحها كبيرة و السرد الذي قدمته للوصول إلى طرح هذه السئلة الصعبة لا يوفي ولا يتناغم مع البديل الذى ترنو إليه. كيف تصور بتعميم قاتل أن العقل العربي هو مزيج من الطائفية و العصبية و النفسيات الإنهزامية انتجتها الأنظمة الدكتاتورية العربية و كيف فجأة تريد إنتاج حضارة من هذه العقول المريضة ؟ هل من قام بالثورات العربية هي النخبة ؟ المثقفون النرجسيون ؟ هناك دور ملحق للنخبة ولا تستطيع أن تعول على نخبة حقيقية لأنها غائبة تماماً ومذنبة كما الأنظمة أو أكثر … وهي من أخرت إنطلاق الربيع العربي بستثناء من شنق وقتل و هم قلة ….-المثقفون وراء المنابر ساهموا في غيابهم أو تواطئهم في إنتاج ما وصفته بالعقل العربي على طريقة المفكر جورج طرابيشي …. لنسهل النقاش علينا أن نبحث عن طرق إنتاج الحضارة وحث الناس على القراءة … هل تستطيع أن تعرف كم من اصدقاءك قرأ مقالتك هذه ؟ يعد على الأصابع … وللأسف عندما يطز احدهم نظرية أو يضع صورة على الفسبوك ترى وابل من التعليقات الفارغة (برأيي) … هذا مثل صغير جداً عن الشباب النخبوي الذي تدعوه على الأرض إلى إنتاج حضارة وإنتاج فكري … وعذراً على الإطالة وركاكة كتابتي لأني اكتب علىyamli من الغربة لأنني من الذين حملوا حقائبهم وهربو

  4. جوعان Says:

    السيد بشار، تحية وبعد.
    أنا لم أقل أن العقل العربي، هو عقل طائفي عشائري عصبي، كما اتهمتني بتعميم ذلك، بل قلت حرفيا إنها ما زرعه الحاكم في نفوس المحكومين، ولم أقل أنه انتشر واحتل العقل، بل جل ما أقصد، أن الطائفية والعشائرية، أصبحت ثقباً يدخل منه الحاكم إلى المجتمع ليضمن استمراره، وزرع هذه الآفات لا تعني تحكمها في العقل العربي، لأنها آفات طارئة على السلوك المدني لا مستمرة، كالثقافة والعلم والطبقية الاقتصادية السليمة المنتجة لصراعٍ تصاعدي يلائم تطوير المجتمع.
    أما كيف أراهن على العقل العربي؟ فلأن ببساطة أقول في النص أني أراهن على كاسري السائد، الجديدون الخارجون لتغيير الجمود الواقع في العقل العربي (المجتمعي لا الفردي! وهنا الفارق الكبير بين عقل الجماعة، الذي يكون واجهته الاعلام والناتج السنوي والموسمي للثقافة والاقتصاد، وبين العقول الفردية التي قد تكون سليمة وجاهزة للمبادرة وتحتاج شعلة فقط).
    لم يقم بالثورات العربية النخبة، ولكن الأكيد أن لا خلاص الا اذا تحركت هذه النخب لتكمل الثورات، سأعطيك مثالين تاريخيين، الثورة الفرنسية حين قامت، قامت في مجتمع شبه بدائي محكوم اقطاعياً، وقامت على الذبح وقطع الاعناق، الا ان قيام نخبة ثقافية أدبية اقتصادية، بالمبادرة بعد سنوات الى تنظيم الشكل الرسمي للدولة وقطاعاتها واهدافها، أنجحت الثورة.
    ومن ثم، الثورة الايرانية، قامت على قطاعات عامة من الشعب، الا ان مبادرة النخبة الدينية في لحظة تاريخية الى مصادرة الثورة، أسست لشكل آخر من الحكم ومن نتائج الثورة.
    اذا هو صراع نخب، بعد انتصار الثورات، او الحراكات الشعبية، من اجل وضع الشكل الأخير، وفي مقالي، أناشدهم، أن يتحركوا لمرة واحدة!
    جزء كبير مما حتمت به، أوافقك فيه الرأي.. ولكن أفضل البقاء على أفق التفاؤل!

  5. Bachar Cheaib Says:

    سيد خضر. شكرا لاجابتك المفصلة ،المهم أن النقاش يبقى نقاش .لا ننقد لمجرد النقد أو بهدف الإقناع بفكرة ما ، لا بل يفقد النقاش معناه عندما نحاول المبارزة بالأراء .واسمح لي أن اطرح وجهة نظري، أنا أرى أن المشكلة تكمن في صراع النخب … وفي الوقت بدكتاتوريات البروليتاريات( وليس البروليتارية الواحدة لأنها غير واضحة). وهذا يردنا إلى الحقبة اللينينية و- بداية التجربة الاشتراكيه التى قضى على نهايتها وبدايتها الستالينية … ولا أريد أن أدخل في دهاليز هذا النقاش. أنت تخاطب الأفراد المبادرين … عمل الأفراد لا يغني إلا فكريا ونظرياً وإذا شكل خطر على سلطة ما يقضى عليه ويصفى. وهنا بالطبع لا بد أن نعول على عمل الأحزاب الطليعية … ولكن أي احزاب يا ترى ؟؟ المحكومة من النخب ؟؟؟… بالغنى عن ذكرها يا سيد سلامة … هل تستطيع جمع النخب على برنامج عمل في حزب أو أي تيار يساري ؟؟ المشكلة يا صديقي لا استطيع تبسيطها بأمثال بسيطة أو بنظرة سذاجة … ألنخبة الفكرية اليسارية بالتحديد غير متصالحة مع نفسها وعندها إنفصام بالشخصية وة ضعف بقراءة التاريخ وتحليله. أنا لا أتهم أو أعمم هذه حقيقة والأمثال كثيرة وافترض أنك على علم وأدرى بها. لا تتهمني بالتشاؤم أو حالات نفسية أخرى .. أنا أرى أن الحل يبدأ بمحو الأمية وتثقيف وتدريب خلايا عمل قادرة على تجديد نفسها بنفسها دون الرجوع إلى ما نسميه نخب. هذا نقاش طويل واتمنى أن تكون قد وصلتك فكرتي. أرى مشاقة في الكتابة على YAMLI واعلمني من فضلك بتعليقاتك على العنوان التالي : bachar_82@hotmail.com

  6. القط Says:

    مأزق الوطن العربي أعمق من مجرد جزمة العسكر و إنعدام الحريات الأدبية أو الإجتماعية.
    المازق، بنظري، هو غياب الفكر العلمي و وضع كل المسلّمات أمام خانة النقد و الإمتحان العلمي.
    الثورة العربية اليوم تطالب بالحرية.. الحرية من الحاكم القمعي. قبل خمسين عام (و قبل مئة عام أيضًا)، الثورة العربية طالبت بالحرية، هذه المرة من الإحتلال الأجنبي و من الملكيات القمعية أيضًا.
    المشكلة في كل مرة، أن الحرية إختُصرت في السياسة، و ندرت في الأدب، و تم تجاهلها تمامًا في الحياة الإجتماعية.
    اليوم، زميلي خضر، علينا أن نسعى، قبل فوات الأوان، أن تكون الحرية المنشودة حرية كاملة. حريات شخصية، إجتماعية، فكرية… و علمية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: