حكم وحكومة بلا كرامة

خضر سلامة

هل تعني الكرامة الوطنية شيئاً للحكومات اللبنانية المتعاقبة؟ بأطرافها المختلفة، وبقطبيها السياسيين، وبطوائفها اللعينة؟ لعقود خلت، قبيل الطائف، كانت الحكومات اللبنانية، في ظل المارونية السياسية المنقرضة، تصم آذانها عن قنابل اسرائيل فوق أرض الجنوب، وصولاتها وجولاتها ذبحاً وقصفاً لكل شيء، وكانت إذا خرجت الحكومات عن صمتها، تخرج لتصفق وتحمل المسؤولية للمقاومين أو للأشباح.

بعد الطائف، لم تنجح الهدنة بين الطوائف في ادخال مفهوم الكرامة الوطنية الى الدستور، بل، استعضنا عن الذل اليومي السابق، بذل أكثر بريقاً، سلم الملف الأمني الى الأحزاب والشخصيات، وأصبح في جسد الوطن ذل آخر، ذل اقتصاد التسول الحريري القائم على استجداء العطائات من كل دول العالم، وتحويلنا الى شعب خدماتي مستهلك لا أكثر.

على كلٍ، إلى صلب الموضوع، دخل الحراك السوري اليوم في منعطف خطير بتحوله إلى أزمة سياسية كبيرة، قد تشغل بال المنطقة في الفترة المقبلة، مع هذا التحول، استمرت الحكومة اللبنانية، ومن ورائها أجهزة المخابرات بفرعيها العسكري والأمني، بالتماهي مع سياسات القمع السورية، عبر السكوت عن تجاوزات بعثية واضحة، تمتد من قلب بيروت، إلى الحدود، مروراً بأجزاء واسعة من الوطن المنكوب بحكومة بلا كرامة، وأمنٍ مستزلم للجزمة السورية البائدة.

__29

بات من الطبيعي السماع عن خبر التشبيح، أي الزعرنة الميليشياوية الحزبية المنظمة، في شارع الحمرا، بعد التعرض للناشطين السياسيين في اعتصام سابق قبل أشهر، بالضرب بالآلات الحادة والأسلحة البيضاء، وتكالب اجهزة الأمن بشكل مباشر، مخفر حبيش، بالتهجم على الضحايا انفسهم، واقفال المحاضر غصباً، وطرد المتشكين، وعبر اغفال الجيش اثناء الاعتصامات للتهجم المستمر من قبل الشبيحة المدعومين من موظفين معروفين في السفارة السورية، وأجهزة حزبية أخرى، بل ومسايرتهم أحياناً، وبعد حادثة الهجوم المؤسف على المعارض السوري الكردي كادار وأولاده وضربهم ضرباً مبرحاً من قبل مرتزقة سفلة، سعر الواحد فيهم أقل من عشرة دولارات في اليوم (هكذا يفهم الممانعون الكرامة الانسانية)، بعد هذا كله، أصبح من الطبيعي أيضاً، السماع عن دخول جنود سوريين للحدود اللبنانية، لاعتقال من يريدون، أو تدمير ما يريدون، وأصبح من العادي السماع عن اختطاف معارضين سوريين أو الاعتداء عليهم في أحداث “غامضة”، تذكرنا بأشباح الحكومات السابقة، وبات من الطبيعي أن نسمع عن اعتداء على عمال سوريين من قبل شبيحة النظام في مناطق متفرقة لأنهم أبدوا تعاطفهم مع الحراك، دون أن يحرك الأمن اللبناني ساكناً.

كل هذا يحدث، في حكومة يديرها من تحدثوا لعقود ماضية عن السيادة والانتماء والقتال من أجل الوطن، ليبين في نهار الحقيقة، زيف ادعائاتهم، كما سبق أن تبين زيف من سبقهم من أهل العدالة والحرية والسيادة أيضاً، وفي ظل قوى أمنية، يستطيع المراقب تقسيمها بين مخابرات عسكرية تعرف جيداً كيف تضرب المواطن العادي الغير مسنود سياسياً بيد من حديد، وتصفق بيد من كرتون لأصغر مخبر بعثي يمر من أمامها، وبين قوى أمن داخلي، وجودها يكفي لنقتنع أن الأمن مهدد من قبل أهله نفسهم، لكونهم آخر الواصلين وأول الهاربين، في أي اشكال صغير.

ماذا يحدث إذاً؟ سفارة سورية في قلب العاصمة، تدير أعمال تشبيح وخطف وضرب في الشوارع المحيطة، مشكلة مربعاً أمنياً واضح المعالم، قوى عسكرية تتجول عبر الحدود، لاجئون محاصرون من قبل الدولة المضيفة، معارضون يختفون في بلد منهوب مسلوب ذليل.

وبين هذا الخراب كله، حكومة مشغولة بعنتريات وزير داخليتها الاعلامية، وصياح جنرال تستيقظ فيه النخوة في صفقات صهره فقط، ومطرقة أستاذ يتاجر بكل شيء ويبيع الكلام، وبقايا بيك، أضاعته رياح المنطقة فما عاد يعرف من أين تؤكل الكتف، ومعارضة، نكلت بالمواطن السوري لخمس سنوات تحريضاً وعنصرية، وشرعت في حرب تموز الأعراض للاسرائيلي، لتأتي اليوم وتدعي حرصها على الدم السوري، والكيان الوطني.

الموالاة في هذا البلد، صورة فوتوغرافية للمعارضة، نفس القباحة والسفالة، وبينهما، رجل أمن يخرّب الكرامات ويصفق للذل.

لا وطن بدون كرامة وطنية: جنوباً وشرقاً وشمالاً وعاصمةً.. والأهم: عقلاً وانساناً.

Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

3 تعليقات to “حكم وحكومة بلا كرامة”

  1. joint4free Says:

    ممتاز جداً….يسعدني أن أرى من يزين بكلامه الموضوعية من دون التطرف لفريق دون آخر وحزب دون سواه….جميعهم فاسدون…تذكرت ما كتبته أنت يوماً :
    “نظام الطوائف: المعارضة؟ كأن الموالاة تنظر في المرآة”

  2. Malek Says:

    عزيزي خضر
    لأن الإنسان بالنهاية قضية كما تقول أنت أريد منك الإجابة على هذه النقاط معتبراً كل ما قلته صحيحاً 100بالمائة:
    1- كما ترى قمع النظام السوري للمعارضة ألم تر مجازر “المعارضة” بحق الجيش وقوى الأمن والشعب؟؟؟؟
    2- إذا كان كل من في هذا البلد بلا كرامة فعلاً ألم تتلمس في فعل المقاومة عملاً لاسترداد كرامتنا جميعاً/ بعيداً عن التعاطي مع الملف الداخلي الشائك؟؟؟
    3- ما هو موقعك من ملفين قائمين اليوم في المنطقة/ ولا تقل لي أنه بالإمكان العمل بمعزل عنهما معاً لأن في ذلك فعل “النعامة”/ الملف الأميركي الأوروبي المدعوم بالمستعربين من
    المحيط إلى الخليج ؟
    4- وأخيراً/ ومجدداً لأن الإنسان بالنهاية قضية/ أنا مثلك قضيتي الأولى والأخيرة في الملف الداخلي اللبناني هو ملف إلغاء الطائفية من جذورها/ وفي الملف العربي استعادة فلسطين كل فلسطين وعاصمتها القدس / وأبعد من ذلك قضيتي المركزية دائماً وأبداً كرامة الإنسان في كل زمان ومكان / فما هي قضيتك أنت؟؟؟؟

  3. Bashar Sh'eaib Says:

    الموالاة في هذا البلد، صورة فوتوغرافية للمعارضة، نفس القباحة والسفالة، وبينهما، رجل أمن يخرّب الكرامات ويصفق للذل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: