رباعية الوطن

خضر سلامة

اشتاق الى دمشق، المسافة اليها ليست بعيدة، ولكنها تشبه المستحيل، فيها من لا يعجبه فعل حب الآخرين للمدينة، لأنه يرى فيها دميته الخاصة، لا فرق، أشتاق لدمشق، وأتعبني خروج العرب منها للمرة الألف وتركها لعبث الفاشست بوجهها الجميل، إلام يا وطني ستبق تُسقط كل يومٍ أندلس جديدة من جيبك؟ خذ يا وطني بيد هؤلاء الخارجين لزرع الأمل، اغسلهم من رجس راكبي الأمواج وسارقي الثورات والراقصين على جثث الشهداء، خذهم بعدها إلى كل زاوية من زوايا العتمة فيك، أعط بهم درساً للخليج وللمحيط، كيف يكون الغضب، نافذةً على عالم لا خوف فيه، إلا من أسئلة الشهداء عن جديد الحرية.

أشتاق لدمشق، حسناً، دمشق هي كل طبل مسحر خارج في رمضان للغناء رغم أنف الصحابة الجدد، دمشق هي كل عودٍ يدق بالوتر على قبر المغني ليبعث حنجرةً تدك الحصون، دمشق هي أن أميز بين دبابة الجيش القاتل، ودبابة الجيش المحتل: أن أكون مع فرسٍ بيضاء أصيلة، يُقال لها في كتب التاريخ: شعبي.

قلت في مقال سابق، أن قلبي في التحرير، لكني اليوم، أكتشف أكثر من ذلك، حتى نفسي، محكوم بمشهد أو هتاف في مصر، من أين لهذه الجميلة بهذه القدرة على خطف الوقت من عنق الرئة؟ يخنقني مشهد ثائر يستفرد به وحوش الجيش المهزوم أمام العالم، والمنتصر على “صدرية” امرأة! يحزنني، مشهد رفيقة تقف وحدها، بعد أن تخلّى عنها ثمانون مليوناً، وثلاثمئة آخرين فضلوا مراقبتها عبر التلفاز، تقف وحدها، لتُسقط حكم العسكر ولو لدقيقة! مصر شقية، طفلة تخرّب أثاث اليوم العربي العادي، تحب أن تعيد ترتيب رمال هذه الصحراء الكبيرة التي لا تنتهي، وتحب أن تغير مسار دجلة كلما ملت من شكله، وتحب أن تغير مكان جبال أطلس لو أرادت ذلك، طفلة شقية مصر، ونحن ألعابها.

في التحرير يا فندم، هناك نسيت هويتي التي تثبت أنني رجلٌ كامل الأنوثة، لا فرق بين الأولى والثانية في التحرير، تسقط الحواجز، أنت ثائر، لا أكثر من ذلك ولا أقل، وأنت حين تغضب، تخيف جيشاً بأكمله، محميٌ من سفارات العالم كله.

wh-banksy-baloon-girl

حيفا، قصة لم أقرأها بعد، بل دعوني أقول، هي الرواية التي تكتفي بقراءة ملخصها على الغلاف الأخير، ثم لا يسعفك الوقت في أكثر من ذلك، يستفزك العنوان، ورسمة الغلاف، وأنثى كانت تنصحك بقرائتها، قبل أن تجمع اشيائها الحزينة، وتطلب منك الرحيل لأن لها حبيباً سيعود بعد قليل إلى المنزل، حيفا هي كل هذه النكسات، ونكسة أخرى: البحر أمامك، وأنت لا تعرف السباحة.

ما نفع الخريطة بلا حيفا؟ لا نفع أقول، الخريطة بلا حيفا، محاولة رسم فاشلة لرسام مغمور، والخريطة بحيفا، هي محاولته الناجحة الأولى، الوطن بلا حيفا، مخصي، وبها، هو إله الخصب الذي يقوم من غدر السكاكين في أول الربيع، ليعلن دولته على الرماح، حيفا درسٌ في الحب من الفكرة الأولى، من الأغنية الوطنية الأولى، هي أن تعرف أن لك فيها قلبٌ مسروق، حق مهدور، أنثى مسبية.

أما بيروت، فغضبي عليها كبير وعتبي أكبر، تلقيت العشرات من رسائل الشتم، حين شتمت هذه المدينة، وسأشتمها، يريدون أن يقنعوني أن بيروت بملاهيها وشوارعها المزدحمة بالمتاجر الجديدة والمطاعم الأميركية، جميلة، ويريدون أن يقنعوني، أن بيروت بلا ثورة، وبلا فدائيين، وبلا مكتبات ولا مطابع ولا مقاه ثقافية، أهدأ وأقرب للقلب! هي أقرب للقبر، هذه المدينة لقيطة. لا تشبه بيروت التي تربينا على أخبارها، وسطها للأغنياء، وفقراءها لا مكان لمدافنهم حتى! وتدافعون؟ خيرها لمليونير منتفع، وشرّها لسائق أجرة يحصد ما زرعه الثري من فوضى ونهب! وتدافعون؟ أكثر الكتب مبيعا فيها، كتب الابراج والطبخ، وأكثر المقالات المطبوعة فيها، تقارير المخبرين، وأكثر الاختصاصات الجامعية اقبالاً، ادارة الاعمال والتجارة! وتدافعون؟

تباً لهذه المدينة، للمرة الألف، أريد بيروتي الحقيقية، أعيدوها أو اخرسوا!.

هذه رباعيّتي: كصوفيّ.. أدوخ بلغتي

Advertisements

الأوسمة: , , ,

4 تعليقات to “رباعية الوطن”

  1. حدود Says:

    بيروت طفلة مدللة جرتها كوفية الخليجي وعقاله الى البغاء، ولا تعود الباغية الى براءة طفولتها

  2. manar Says:

    كصوفي عم بت دوخنا معك !!!! رائعة خضر !!

  3. janbein Says:

    جميل جدا

  4. ريفانا Says:

    المدونه لذيذه مووووووووووووووت
    اتمني لك النجاح والتوفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: