لبنان يقتل زاهد

خضر سلامة

بعد انتحار والده فقرا وعوزا العام الماضي، قرر زاهد أيضاً الانتحار..

يقف على كورنيش البحر، في بيروت المغتصبة كل يوم، هنا صادر ضابط شرطة نذل عربته لبيع القهوة، وسجنه شهراً لمخالفته قرار بلدية المدينة التي لا تعترف الا باغنيائها، بمنع البسطاء من العمل على الكورنيش: هذا الشاطئ لمطاعم المنتفخين مالاً فقط، هذا الشاطئ لمسابح خدم الحريرية السياسية فقط، هذا الشاطئ للمثقوبين من أسفل في صالونات رئيس الحكومة المعتكف عن واجباته وعن حقوق عمال البلد، يقف زاهد، آخر المواطنين في هذا الوطن، يقف زاهد كي يريح رأسه المثقل بالهموم، بصخرة في أسفل البحر.

من يتهمه اليوم؟ أخرجوا كل ما في جعبتكم من سكاكين كي تطعنوا بها جسد المحتضر، كما طعنتم كل منتحر تعباً من قبله، قتل الميت مرة أخرى، أسهل عندكم من قول كلمة حق في محضر سلاطينكم الجائرين، حكم الاعدام على جثة، أهون عند القضاء اللبناني الجبان من سؤال مصرف عن أمواله، أو وزير عن نفوذه، أو نائب عن رشاويه، أهون عند القضاء اللبناني الجبان من محاسبة الأزلام الذين ينهبون الخزينة، ومحاسبة الميليشيات التي تجول وتصول فوق جثث قتلانا.

الانتحار خطيئة يا حمقى، أما طرد موظف من عمله بلا حقوق، فخبر طبيعي؟

الانتحار إثم يا قرود السياسة، أما مصادرة الشاطئ الوطني والكورنيش الشعبي ووظائف الدولة وحقوق المعوقين ووزارات الخدمات، فمسألة فيها نظر؟

الانتحار! هذا ما سيضج به الاعلام، أما أسباب محاولة زاهد الانتحار، واسباب انتحار والده قبل عام، واسباب وجود ألف زاهد زغيب فينا، فخبر اعلامي لا يستحضر الكثير من المشاهدين، ولا يستهوي الساقط فكرياً والمعلق على خاصرة هيفا، أو على إصبع زعيم، أو على ذكرى رئيسٍ لصٍ قتيل.

يا وطني السافل، ذكرى نبيل زغيب لن تكون عطلة رسمية، واذا مات ولده المنتحر غداً، لن يعلن أحد حداده، سيكمل الجميع لعبة الغميضة الوطنية، سيغمض كثيرون أعينهم، وآخرون آذانهم، والبقية فمهم، كثلاثة مليون ممثلٍ فاشل، سيعيدون انتخاب القتلة، وسيعودون لشتمهم في السر، سيهتمون للخبر العاجل عن بلاد وراء البحار، ولن يهتموا بجثة طازجة وقعت في بحرهم.

حاول أن لا تموت يا زاهد، اصمد قليلا في غيبوبتك، أبوك مات وبصقت الطوائف على قبره، وانتخبت رئيس حكومة حقير جديد، وانت ستموت دون أن تكون ولي عهد سعودي كي نهتم، أو رئيساً أجنبيا يزورنا لتهرع قطعان الأمن المخصي لتقطع الطرقات احتراما له، لست إلا مواطناً فقيراً حقيراً وسخاً.

زاهد زغيب ليس أبيضاً بما يكفي عنصرية الاعلام، ليس غنياً بما يكفي ذل الحكومات، ليس طائفياً كفاية كي يستفز النواب، ليس ابن جاه كي يتحرك الجيش والشرطة لحمايته، هو مجرد صعلوك يملك عزة نفس. وانتحر، في صورة طبق الأصل عن لبنانكم، ليس موسم تزلج وليس موسم اصطياف وليس موسم سياحة، لبنان هو موسم القتل المستمر للفقراء.

بلاد بلا كرامة، وحكومة بلا كرامة، ومجلس نيابي بلا كرامة، وقطعان طائفية بلا كرامة، يهينها الشرطي ثم يهين المدير الشرطي، ثم يهين الوزير المدير، ثم يهين المصرفي الوزير، ثم يهين السفير المصرفي، لا مكان للكرامة في امبراطورية الذل هذه.

ريبورتاج اعددته العام الماضي عن نبيل زغيب مع ابنه المنتحر حديثا ، زاهد.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

4 تعليقات to “لبنان يقتل زاهد”

  1. malak Says:

    Reblogged this on Lebanese Chronicles;.

  2. عدنان هورو Says:

    لبنان ألم يكفوا عن اغتصابك يوميا”
    لبنان ألم يكفوا عن نحرك يوميا”
    الى متى سيبقى قبائل الفايكينغ العربية تقتل أبنائها

  3. مدونة تريلا – خبريات لبنانية متصالحة مع ماضيها » - » إعدام نبيل وزاهد زغيب Says:

    […] مرور الكرام لولا صحافي في جريدة السفير، وخضر سلامة (جوعان) اللذان حملا مأساة الرجل على صفحاتهما وحاولوا ايصالها […]

  4. 20 things more terrifying than the fear for a new civil war in Lebanon « the interrogations of shamshouma Says:

    […] the suicide of Jaafar AlAttar, and his father before him Share this:TwitterFacebookRedditEmailTumblrLike this:LikeBe the first to […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: