الطريق إلى سورية

خضر سلامة

لا حاجة للسؤال عن الطريق أو الطريقة، أمشي إلى سورية بقلبٍ حافٍ، أو أحبو على رئة مجروحة بدخان سجائر الجنود العائدين مهزومين من انتصاراتهم على أنفسهم، لي في سورية ما ليس لهؤلاء جميعهم، وجه امرأةٍ تظلّل الكوكب بما اشتهيه في قميص نومها، وما يشتهيني في عينيها حين تقرأ ما أكتب فيها، سورية هي امرأتي، تعد القهوة لآخر أباطرة روما الذي سيخرج من رحمها يوماً، كي يحرق العالم الذي لم يعاقبه على طيشه أحد منذ زمن.

لا حاجة بي لنشرات الأخبار، أنا أعرف سورية، جليلة كالله حين يكسر حاجز الخوف ويأكل من تفاح الشهوة الممنوع على البشر، سورية طفلتي، تمد لسانها للبنادق وتركض في البراري، تخبرنا آخر ما ابتدع الحزن الحمصي من ضحك، وآخر ما فصّلت الشام من فساتين وردٍ لثوراتنا، وآخر ما صنعت الرقة بماء الفرات كي لا يعطش التاريخ، سورية طفلتي التي لم تكبر منذ خمسة آلاف عام، الشيب يأكل وجه العالم، وسورية تحتفظ برزناماته ثم تسخر من حروبه التي لم تقو منذ النار الأولى، على قارورة عطر، لا زالت تضع منها كي تغري العرب الرحّل بالبقاء، فلا يستفرد طغاة الأرض بطفولتها.alone

لي في سورية طوق النجاة الأخير في بحور الهزائم: قصيدة شعر لم تضيعها الحداثة بعد، وبابٌ عتيق لم تبلعه جرافات الإعمار المدمّر للذاكرة، ودارٌ شامي لن يصبح مسرح فيلم، وسيبقى مظلّة ياسمينٍ للغرباء المتشردين على أرصفة الشام، يشحذون خبراً عن لون صباح الغد، ويرجون الله أن لا يكون أحمراً.

الطريق إلى سورية، كطريق المخمور العائد إلى بيتٍ: بلا وعي كثير، الطريق مسافة اليد بين عاشق يغزل اللغة، وامرأةٍ تخلع ثوب الحداد وتلبس جسد الحبيب-الفكرة، وصوت القبلة حين تنفجر في أذن اللحظة الأولى، فيخجل الجميع ويستنفر الأنبياء الجدد ويستغفرون رباً لم يعطهم الإذن بالصلاة له، وكلما أغمي العاشق من فرط شوقه، غطته حبيبته بشعرها الأسود الناطق بالفصحى، كي لا يراه حرس الحدود.

الطريق إلى سورية يمر عبر زند عامل أسمر يعجن الحجر في بيروت، ويحمد ربه على رغيف خبز آخر الليل يكفيه الوقت المتبق للعودة إلى كوخ عتيق، يكفي أولاده برد الاشتراكية وجمر الليبرالية، طريق لا يمر بكف سماسرة الأوطان ولا لصوصها، ولا مسلسلات التنميط السيء للعاطفة، ولا حواجز التفتيش ولا شعاراتٍ بائدة ولا مجلس اعلى ولا مجلس وطني. لسورية طريق واحد، أمشيه بقلبٍ حاف، ورئة مجروحة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

*الرسمة بريشة الفنان الصديق زيكار كريدية

Advertisements

الأوسمة: , ,

2 تعليقان to “الطريق إلى سورية”

  1. Ali Ha Says:

    كلام أكثر من رائع أبو خضير…إضرب بكيبورد من حديد يا بطل

  2. الطريق إلى سورية | kharej_alserb Says:

    […] مدونة جوعان […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: