يوميات مرحلة حساسة

خضر سلامة

توقظني الدولة صباحا على وقع منبهها الرسمي المعتمد لإيقاظ الشعب: أبواق السيارات في الزحمة اليومية في مدينة الباطون والاسفلت، بيروت، أتقلب مثلما يتقلب ليبراليٌ في مواقفه: مع – ضد – مع – ضد.. ثم يصفق للملك، فأخرج من سريري كما يخرج الجيش العربي إلى معاركه: نصف نائم، وأسحل نفسي كما تسحل الحكومة حقوق العمّال، إلى نفس الوجهة أيضاً: الحمّام، الماء مقطوعة، ولكن الكهرباء هنا، من أسرار هذه الدولة التي لم يفكها أحد بعد، لماذا لا يمكن أن نحصل على كهرباء وماء سوا؟ يا أخي شو لبن وسمك؟

أغسل وجهي بأي شيء، أتيمم على نية الاغتسال، علني أستيقظ، وبعد فنجان قهوة مرٍ كمرارة حقيقة أن يكون الحريري شهيداً وابنه زعيماً ومساعده رئيساً سابقاً، أستيقظ، فأرى فوضى تشبه فوضى العالم العربي بشكل مرعب: ثياب متسخة كالأنظمة البالية، أطباق أكل فيها الضيوف كما أكلت الأجهزة الغربية من بلادي، مقالات وأوراق مبعثرة نصف مقروءة ونصف منتهية، كما انتفاضاتنا وثوراتنا منذ الأزل، أرى فوضى العالم في بيتي، وأتمنى لو أنني لا زلت نائماً.

لا بأس، أنا ابن رأي عام اعتاد أن يغمض عينيه عن موت يومي في فلسطين، لا شك سيكون من السهل أن أغمض عيني عن هذه الفوضى الصغيرة، في شقة صغيرة، مساحتها أصغر من مساحة قطاع غزة المنكوب الذي لم يكترث له أحد، فلم أفعل أنا؟ تفاجئني أمي كغارة اسرائيلية على حضانة أطفال: “ستتأخر اليوم؟”، يا أم نحن نتأخرcartoon.jpg_440_-1 كل يومٍ ألف سنة، فهل سيفرق يوم واحد؟

إلى الشارع در: صاحب الدكان يقفز إليّ ليطالبني بسداد دين متأخر، كما يفعل البنك الدولي، فأفعل كما تفعل الحكومة: “غدا ألقاك!” أتجاوز محنتي الأولى لأقع في الفخ الثاني، لحّام الحيّ الذي يشبه بملامحه رئيس نظام عربي شقيق، يسألني لماذا لم أشتر لحمة منذ زمن، فأجيبه: “عم واظب ع أكل الهوى يا جار”..

أقفز في الباص الأول الذي يتوقف ليخطفني من الشارع كما يخطف الاسلاميون كل الشارع، هذا الازدحام الشديد يذكرني بمشهد سجن بوغريب، هل يذكره أحدكم حين يقرأ عن الديمقراطية الاميركية؟ أجد مكاناً لي وسط جثث الأحياء الخارجة إلى العمل، فيقفز أحدهم من موته المؤقت ويسألني: “شو في أخبار يا استاذ؟”.

“لا يوجد أخبار، يوجد تعتير: عشرون قتيلاً في انفجار بالعراق على نية حمام الموت الذي لا ينتهي، وعشرة في قصف بسوريا لتلقين طلاب الحرية درسا لا ينسى، فيرد بعض المارقين بقتل شنيع يشوه دم السابقين، وخمسة في البحرين بيد سعوديٍ يصفق العالم له معجبا، وثلاثة في اشكال بين ميليشيات الله في ليبيا، وقتيل بيد أهل السلف في تونس، أما في فلسطين، فقد توقف عدّاد القتلى منذ قرون، أكله الصدأ ولم يتذكر أحد أن يزيّته بقليلٍ من التذكار!
هذه هي الأخبار، فدعك عني!”

“يا رجل صاير متل ورقة النعوة”

ماذا افعل حين تكون المنطقة كلها مقبرة كبيرة؟ أكتم غيظي، أقفز من الباص كما يقفز العسكر فوق مطالب الشعب، وأطأ الشارع كانزال الاسطول السادس أو الخامس في بقعة من بلادي، أصبر على سيارات لا ترحم العابرين، مسرعة كأنها ذاهبة إلى جبهة لم تفتح إلا على الشقيق وابن الأرض! أصل إلى العمل متأخراً كأجور العمّال البسطاء، خائفاً كمراهق وصل حديثا إلى معتقل عربي، يستقبلني وجه العامل السوداني البسيط مبتسماً، وفي ابتسامته المكابرة اختصارات كثيرة لواقع عنصري طبقي سافل. أرمي نفسي في مقعدي، فتسألني زميلتي: “واضح أنك متعب”

متعب؟ ألا لعنة الله على أبي متعب!

الأوسمة: , , , , , , ,

4 تعليقات to “يوميات مرحلة حساسة”

  1. Aladdin Says:

    روعة هالكلام، يا عمي بينشرب شرب الحكي مع الكاتب…

  2. abedkataya Says:

    شي كتير حلو..على أمل تتغير هل يوميات

  3. شادي شكور Says:

    استاذ خضر . لا أدري من قال مرة : الأدب هو الصدق. انت صادق ولا يعوزك المخزون اللفظي . لذلك انت مبدع. شكرا

  4. Mohammad Says:

    لم تخطئ وصفت فأبدعت
    رغم أني لم أزر لبنان يوما لكني أتخيلها من بلدي فنحن كلنا مسحوقون
    ولكني أختلف معك فالعداد ليس صدأ بل موقوف عن العمل بأمر أمريكي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: