صباح الخير يا بيروت

خضر سلامة

صباح الخير أيتها القديسة المغتصبة بالمال… صباحك يا بيروت.

لا

للمرابطين في شوارع ستينات القرن الماضي يلوحون من خلف البحر لعبد الناصر وينتظرونه صنماً عربياً على قمم الأرز، مأخوذين بعاطفة العروبة وعقل القضية.. صباح بسيط كبساطة أحلامهم.

وللذين شرّعوا قبيل التقاتل نافذة الفجر على كوفية فدائي ومسحوا جراح الخارطة الفلسطينية بالنقش على الحيطان أنشودةً وصراخاً… صباحهم أيضاً.

صباح تل الزعتر والنبعة وشاتيلا… وشارع صبرا المتكيء على أشلائنا المأخوذة بالتاريخ، صباح الويمبي وصيدلية بسترس، صباح الشوارع وذاكرتها التي لا تنَسى، ولا تسامح، فالمسيح في بيروت أقسم هذه المرة من فوق صليبه ألا يغفر لمن يدرون أو لا يدرون، فحذروا طوائفكم من بيروت.

أي شيءٍ يخرج من قهوة الماغوط على شرفة البحر؟ وأي شيءٍ يعود مع حنجرة مظفر البذيئة في هذا الزمن البذيء؟ ولماذا تصفعين عينيّ بالدمع كلما قرأت نزار، أو قلبت في وجه درويش بحثاً عن ملامحك الحزينة يا بيروت؟

لست مأخوذاً بفيروز اليوم، ولا حملني إليك عشقٌ ولا شوق.. بل حملني جلد الذات، يا بيروت التي أحرقناها غضباً مرة، وأحرقتنا بالحسرة مراتٍ مرات.. ندمٌ إن عرفنا أنّا أسقطنا من يديكِ قلماً، وحمّلناكِ بغباءٍ دفتر شيكات.. نندم إن رأيناهم يشدون عليك ربطة عنقٍٍ تخنقنا بصور الحطة والعقال الساقطتين عن كتف انتمائنا… ما أقبح وجهنا في مرآة البحر على رمالك.. ما أقبح بيروت التي لا أظننا نعرفها، ما أجمل بيروت التي نشتاقها عندما يأخذنا الخمر إلى خط ماجينو… هزَمَنا المال، وهزمتنا الرجعية التي تتقي بقشرة الحضارة.. والعولمة!

صباح الخير والزعتر، صباح الكنيسة التي لا زال خادمها يقرع جرسها ولم يُستبدَل بعد بجرسِ «ديجيتال»، صباح الجامع الذي يعتلي مؤذنه الشمس ليصدح باسم الله ولم يسجل صوته بعد على مذياعٍ ينشّز ازعاجاً.. صباح الله أيتها المؤمنة التقية.. صباحك أيتها الداخلة الى فراش العز والمجد والشعر.. وبعض الشعر تأريخ.

صباح الخير لوجوه الفقراء الآتية من ساحة البرج، لا ساحة الطوائف، للأبيض والأسود في حكايات والدي عن بائعي الخضار وماسحي الأحذية المأخوذين بحلم المخمل على أكتاف الطبقية… صباح الخير لوسط المدينة وفيه باصات الأرياف تنتظر الباحثين عن كسرة خبز فيك، لا وسط فيه كلاب الأمن وقردة الاستهلاك البشع. صباح المدينة التي ألبسوها فرح الأضواء لتخفي غصباً ليل الجائعين، والتي يكنسون عن وجنتيها الورديتين عرق النازحين من التعب إلى التعب، وهي، كطفلةٍ مكسورة الخاطر، تبحث عن بكارتها تحت رؤوس الأموال المتكدسة عفناً وعهراً… وأسمعها تبكي وإن زوروا بكاءها بالضحك، أو بربيع «الازدهار».. مثلاً.

لكم أنتم بيروتكم ترقص مع اللصوص على جثث الهاربين الى وطنٍ آخر، ولي أنا بيروت أخرى لا زالت ترقص على نغم «هنا جيش الدفاع الاسرائيلي، لا تطلقوا النار… نحن منسحبون».. لا.. بل مندحرون!!

لكم بيروتُ أخرى، يزني بها النفط العربي والدولار الأميركي، ولي أنا بيروت تتأبط معولاً، وتنصب للجنوبيين خيمةً ثم تمضي للقتال إن نادتها يافا.

لكم مدينة أخرى في بلاد أخرى، ترتفع بالاسمنت بوجه الشمس وتتكبر… ولي أنا مدينةٌ من عمر الزبَد، لا زالت تعانق الأرض وتحْضِر ماءً لفلاحٍ في البقاع وزوادةً لآخر في عكار، وتكابر لا تتكبر!

لكم الموفنبيك والفينيسيا، والملاهي الليلة، ولي أرجوحة العيد الصدئة، وكورنيش البحر وصنارة الصيد.

لكم بيروت التي تتجشأ طرباً وأفخاذاً وتزدحم بالأثداء والجنس، ولي بيروت التي تسهر مع قلمٍ ودفتر، ومقعدٍ عجوزٍ في حديقة الصنائع يهتف حباً وقمراً ووطناً وبكاء.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح».

تلك بيروت، فلا بيروت تجدها في الشفاه الغليظة للمستقبل القاتم، ولا هي تلك التي تطلع في صفحات الأخبار ونشرات الاقتصاد.. بيروت في القلب، وفي الذاكرة أيضاً.

بيروت، وإن كنتِ حرفاً على ورقة، لك من ناجي العلي كل يومٍ ريشة ووردة… وصباح جديد، أيتها الفاتنة الخارجة من رحم الفينيق كثقب قصيدةٍ خطيرةٍ في جدار الانحطاط.. أيتها المنكوبة بالدمار مرة، وبالإعمار مرة.

«مطرح ما بدك روح.. بيروت هي الروح»

روحٌ من أرواح المتنبي الألف.. عربية!

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

2 تعليقان to “صباح الخير يا بيروت”

  1. Loubna EL ZEIN Says:

    Bonjour,
    très talentueux, tbq d’imagination, smallah 3laik bon courage

  2. marcel Says:

    رائع كالعادة يا خضر.. بهنيك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: