نم يا خالد

خضر سلامة

ثقيلٌ يأتي نيسان، نفتح بابه بعيد الكذب، ثم نحصي موتانا، فهذه ذكرى جوليانو خميس، وتلك ذكرى فيتتوريو أريغوني، وغيرها من صفحة الوفيات التي لا تنتهي كل يوم في عالمٍ مريض بداء البكاء، واليوم، للفن حصة من المأساة، ندفن خالد تاجا.

من لا يعرف خالد تاجا؟ كبرنا على صورته وهو عجوز، بشارب أبيض يتكأ على هضاب تشبه قاسيون، فيها تجاعيد كأننا نقرأ فيها صورة قديمة لمجرى بردى، كان قامةً لا تنكسر، يشبه كل شيء نحبه، جدٌ نشتاق إليه في زحمة المدينة، أبٌ يلقننا قديم اللغة، وممثلٌ فذ، يخيط الضحكة تارة، والغضب تارة، والدفء دوماً، رحل خالد تاجا، وترك الفن العربي كمؤشر بورصة تستمر في الهبوط والانهيار، ترك الفن منكوباً بمال النفط، وانحلال النفط، وسقوط النفط.
خالد تاجا، أيها الكردي الرقيق، والعربي الواضح، والسوري جداً، نرميك في الريح اليوم، لتظل ترفرف طيراً فوق أرض سورية، لا تحزن كثيراً، لن تفتقد الكثير، فكل ما يشبهك مات منذ زمن، ولم يبق من جمال المشهد سوى فراشة ليلية تزورنا مثل أي روح قتيل لنا. نم يا خالد.khaled-taja

اليوم مات خالد تاجا، أكسر قليلاً تكرار السياسة، وأطل على الحزن على صديق لا أعرفه، وصورة عشقتها في الشاشة، ولم أعرف تفاصيلها، ولا أريد ان أعرف، أريد أن احتفظ بما لك من حصة في طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا، في المسلسلات التي نتابعها كي ننسى هم المسلسل الذي يمثله الكبار علينا في النشرات والصحف، في الأفلام التي تكنس قباحة الأفلام التي تتكرر، ويتكرر تعثرنا بمؤامراتها، أريد أن أحتفظ بصورتك في الشاشة وأنت تقنعنا أن ثمة في الدنيا رجل صالح، يصالح الأخوة ويقبل الأحفاد قبل النوم ولا تقتله الحكومة، أو أن ثمة في الدنيا رجل عادي، عادي جداً، قد يخون زوجته، قد يضرب ابنه، قد يسرق، قد يخطئ، لكنه يظل في آخر اليوم عادي، لا تحبطه بيانات العسكر، ولا قتيل طارئ، ولا مؤامرة يومية، ولا ضريبة جديدة.
هل كان لزاماً، أن كلما أتعبتنا السياسة، نقف لنستريح على قبر جديد؟
هل كان لزاماً أن تموت أنت في زمن، نبحث فيه عن من نحبه دون أن نتهم بالانتماء لمعسكر جديد؟
نم يا خالد تاجا.. فهذه المسرحية الرديئة الكبيرة لا تليق بك، نم يا خالد، نحن نحبك.

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

الأوسمة: , ,

2 تعليقان to “نم يا خالد”

  1. malak Says:

    Reblogged this on Lebanese Chronicles;.

  2. Manar Hasan Says:

    كالعزف على اوتار الروح تأتي كلماتك هذه وأخرى، التي قلما تصلها كلمات غيرك. أما انت يا خضر، فنرجو ان تبقى صاحيا لنا، لان الروح تجف حين لا تسمع مثل هذه الانغام…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: