سيرك في البرلمان

خضر سلامة

يهذّب النائب ربطة عنقه، ولا يهذّب لسانه، اليوم سيشغل بال الرأي العام بعرضٍ تلفزيوني مثير: يشتم نائباً آخراً، فيشتمه، يقفز قزمٌ من غلمان مرجعٍ كبير ليدافع عن زميله، فينبري له غلام آخر. المشهد جميل، يضحكون على الشعب سنةً كاملة، ثم يعطون الفقراء يومين ليضحكوا عليهم، ربطات العنق تتقافز والبذلات الفاخرة أيضاً، فيما خلى بعض الذين لا يحبون أن يخالفوا شرع الله على التلفاز في ذلك، ويخالفوه في أمور أخرى.

النائب موظف مهما علا شأنه، ومهما بالغ سائقه الخاص في الاستعرض على باب المجلس في “التشفيط” أو بالغ مرافقه في “دعس” كرامات المواطنين، النائب موظف، سوا كان صاحب الكتلة في إجازة من إجازته من باريس في الرياض، أو كان صاحب كتلته دولة لص كبير، أو تاجر مواقف، أو كان صاحب كتلته جنرالاً مهزوماً، النائب نائبة على الشعب، والشعب يعجبه الاستعراض التلفزيوني.

stl-parliament-caricature-lebanon-spring-blog

يتشاجر إميل مع مروان، وإميل هذا ميليشياوي سابق، وصاحب أكبر عدد أصوات انتخابية وأصغر حزب، لعن الله الديمقراطية اللبنانية وأهلها، أما مروان ذاك، فأسد جبلٍ وذئب سي آي ايه وقط موساد منذ أيام نضاله في باريس إلى أيام إجازته في باريس، قطع إجازته وجاء، ممنونين لطفك! يتدخل أكرم، دليل الجيش الفاتح في الثمانينات في الجبل، نشتهي ضربة كف واحدة، لكمة واحدة، فكاً واحداً يُكسر علّ هذا العلاك القاتل يخف، ولا تأتي الضربة.

زياد أيضاً هنا، كدنا ننسى أسماء نوابنا لولا حنين النبيه إلى مطرقته، وسماحه للمجلس بالانعقاد مرة كل سنة، يحاول أن يصوب على تيار مستقبل نهب الماضي وخرب الحاضر، يعيّره أحمد بوظيفة زوجته، وأحمد سيّد من عُيّر بوظائفه السابقة وخبرته الجيدة في العهر السياسي والوطني، يتلعثم زياد، وأحمد لا يكل، يتشاجرون على الكازينو، والبلد كله خمارة مفتوحة، ونادٍ ليلي لسفراء الغرب والشرق، يختلفون على الباخرة، ونودّ لو يمنّ علينا السوّاح بباخرة واحدة تقطر غلمان السفارات من بلادنا، أو تقطرنا نحن ونترك لهم البلاد.

الجدل الأهم، حين يخرج حسن بببلاغته اللغوية، ويدافع عن التسامح مع عميل بتذكر تسامح الآخرين مع عملاء آخرين، عميل بعميل والبادئ أظلم، معادلة الكرامة الوطنية في بلد الذل، الآن تبلغ الكوميديا اللبنانية ذروتها، فؤاد يُقاطع! وفؤاد يجد من يصفق له في وطني، فؤاد، كاتب المليارات بقلم الرصاص، ومدير الفساد العام، ومؤسس الفقر الوطني وراعي مشاريع البنك الدولي ووكيل النفط والسفارة الأميركية، فؤاد هذا، أشطر من البخاري في الدين، وأهم من الترمذي في سنن محمد، يُعرف الكاذب من بينته، يهمه أن يضع حديثاً نبوياً، أو آية قرآنية، في تلموده السياسي دوماً، عرفناه وخبرناه جيداً، قُبلات الأميركي على وجنته دليله، يتبادل الصراخ والهجاء، يتدخل نائب آخر، علي، نائب ضواحي المدينة، لم يُسمعنا شيئا عن وضع فقراءها ولا عن كهربائها ولا عن أمنها المحلي الفالت، يتدخل ليحمي زميله.

وفي خلفية الشاشة، نائب حاول أن يقوم بعرض تلفزيوني لمشاكل منطقته وفقرائها وبعض أمراض متفشية، يسكته رئيس المجلس، سئمت الدولة من هذا الملل الرخيص، من هذا النجس الشعبي، من هذا التعب اليومي، المجلس للشتائم فقط، ولعروض مسرحيات مبتذلة، لم تعد تضحكنا، صارت تقهرنا كلما انبهرنا بها، ثم اكتشفنا أنهم يتصالحون على سعر دمنا ومالنا وأرضنا.

ينتهي عرض اليوم، تشاجر الجميع مع الجميع، اشتبك اليمين باليسار والوسط بالوسط، وحين أطفأ الصحفيون كاميراتهم، عاد النواب إلى تبادل القبلات والنكات، وانتهت المسرحية بتصفيق الجمهور لأبطاله، أعاد النائب تهذيب ربطة عنقه، وعاد إلى منزله ينتظر النتيجة: من سيكون بطل الشاشة الليلة بين زملائه المهرجين؟

طابة الليل تمحو لعب النهار يا سعادة اللص الصغير! الرأي العام مشغول، خسرت برشلونة، اليوم، ميسّي نجم الشاشة.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

رد واحد to “سيرك في البرلمان”

  1. Ali Says:

    الحمد لله على السلامة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: