دولة Vs كلمة

خضر سلامة
قبل سنة ونيف، كتبت بعد استدعائي للتحقيق من قبل مخابرات الجيش على خلفية مقال، “لن نسكت، فليسقط النظام اللبناني” واليوم أكتب بعد اعتقالي ورفيقي علي فخري على خلفية غرافيتي ولافتة، والنقطة المشتركة: نظام سافل يخاف من الكلمة. فأن تُعتقل لأجل كلمة في لبنان، ليس جديداً، فالبلد الذي يدّعي أنه اخترع الحرف، يخافه، النظام الذي فيه ألف عنتر في المجلس النيابي والحكومي والعسكري وغيره، يُستفز عند أصغر كلمة، أو جملة، أو لافتة، أو غرافيتي، تطرح سؤالاً، أو تقترح فكرة.
في بلد الأفكار الممنوعة، اعتُقلنا على خلفية رسم على حائط، كان من ضمن سلسلة رسوم نحملها وندور بها لنجمّل بيروت المسروقة، ونجعلها في قلب القضية، تبدأ من الدعوة لمحاكمة عملاء اسرائيل، تمر بالانتفاضة السورية، تُطل على البحرين المظلومة، وتعود تحط في بيروت لتفضح أسعاراً تأكل من جيب المواطن وكرامته. هذه السلة من الأفكار، كانت كفيلة بسلة إهانات، هي أفضل ما يتعلمه معظم الضباط في مدارسهم، على ما يبدو.
فمن ثقافة العسكر في بلدي، أن يُستسهل إهانة كرامة مواطن على يد مواطن آخر، لا لشيء إلا لأن الأخير يلبس بدلة بلون آخر، مرقطة، ولأن له الحق بالتغندر مع عشرة مرافقين يخدمونه، ولا يخدمون البلد، جررنا إلى ثكنة الجيش اللبناني في الكرنتينا، حيث تم تكبيلنا دون سبب، وحجزنا وقوفا لساعات، خلالها، صادر الجيش اللبناني مضبوطات خطيرة من سيارتي: كتاب “نقد الخطاب الديني” لنصر حامد أبي زيد، دفتر هاتفي عليه أرقام خاصة لأنه “داتا اتصالات”، دعوة لحضور حفل لدعم حقوق المعوقين، لافتة من مظاهرة سابقة، حملتها تقول “دولة ما بتسوى ليرة والبنزين بأربعين الف ليرة”، وغيرها من الممنوعات الغريبة، في بلد مثقوب، يسمى في قصص الحمّص، لبنان.
ترى، هل يعوض الضابط بعض نقصه، فلا يحب أن يرى الموقوف إلا مكبلا أمامه؟ مانعاً عنه الماء لساعات عديدة ل”ضرورات أمنية”؟
أو ترى، هل لا يجد الجيش إلا مدنيين غير مدعومين ومستقلين، لحجزهما، في حين أصر، لو كان الرسم رسماً لحزب طائفي، أو تحريضا على فئة أخرى، لخاف الجنود من ميليشيات كفيلة بقلب البلد عليهم؟
بكل الأحوال، احتجزنا وحقق معنا، وضبطت معنا أسلحة غير مرخصة، تثبت أننا نفكر، وأننا لم نرتهن بعد لحسابات المال والأحزاب والطوائف والاعلام المسيّر، ونقلنا على إثرها إلى الشرطة العسكرية، حيث احتجزنا رغم أن المناوب أصر على الدورية المرافقة عدم اختصاصه، فطلبت منه الدورية أن يقول في الحجز أننا حاولنا الهرب من حاجز للجيش كحجة لمبيتنا عنده، وهكذا، ركبت لنا تهمة عفوية جديدة، بهمة عسكري يشعر بالملل، وبه حاجة لاهانة أحدٍ ما، قطع عليه نومه.

banksy13
بعد التحقيق الطويل، والاحتجاز في زنزانة يجب أن تصنف من ضمن مقتنيات الأونسكو للتراث العالمي لما تحمله من قذارات تاريخية، وأشبه بحظيرة لا زنزانة، لا تملك الحد الأدنى من التجهيزات الانسانية، نقلنا في اليوم التالي أخيرا إلى الجهة المخولة وهي فصيلة الشرطة، التي احتجزتنا في زنزانة ليست أفضل حالاً، مع موقوف أرانا علامات الضرب والتعذيب التي تعرض إليها، لدفعه للاعتراف بما لم يقترف! وهناك، حوّلنا إلى الشرطة القضائية التي أجرت معنا التحقيق الرابع، وفتشت السيارة للمرة الرابعة، وأطلق سراحنا، بعد الضغط الهائل الذي مارسه الرفاق الجميلون الرائعون في الخارج، بتنظيم بين العالم الافتراضي والشارع والاتصالات بالجهات المختصة، فكانوا خير سند لنا ونحن نسمع أصواتهم تهتف بالحق، الحق ضد مخالفات لا تزال تمارس في القرن الواحد والعشرين، جيش يعتقل مدنيين بطريقة تعسفية لا قانونية، احتجاز عسكري لا قانوني وقح، شرطة عسكرية غير مختصة تمارس التحقيق، تخريب لممتلكات خاصة بقصد وبلؤم وبجهل، واحتقار لكلمات من نوع “مواطن، حقوق، مدني، حرية” وسخرية منها، ضباط يتعلمون الغرور والسلوك الحيواني والتشفي بالآخرين، ويفرغون ذلك، أمام جنودهم، في جسد حقوق انسان آخر.
وأستثني من النقد هنا، بعض الجنود البسطاء في الجيش والشرطة، الذين ساهموا في تلطيف الجو وفي مساعدتنا بممنوعات كالماء، أو بتخفيف القيود التي رفض الرتباء تخفيفها، وهؤلاء استثناءات موجودة طبعاً، في مؤسسات أمنية، يقنعها التدبير الثالث (حالة الطورائ) المعمول به في لبنان، أنها فوق القانون وفوق حقوق الانسان وفوق رقبة المواطن أيضاً!
الحرية يا أعزائي لا تتجزّأ، حريتي الشخصية، وحرية علي، من حريتك عزيزي القارئ سواء وافقت أو لا على رأينا، وحريتنا، نقطة صغيرة في بحر حرية أكبر، وتجربتنا السريعة، كانت درساً في قيمة معتقل مظلوم كجورج عبد الله في فرنسا، أو حرّ مكابر كعبد الهادي خواجة في البحرين، أو طلائع محبوسة في سورية، أو صائمون عن الذل في فلسطين، أو عقول يقبع الجاموس العسكري فوقها في مصر وتونس وغيرها، الحرية لا تتجزّأ يا أصدقائي، يمكننا أن نناقش الخيارات السياسية التي تريدون، ولكن بعد أن نضمن حق بعضنا بالتعبير عنها على الأقل!
الحريّة، مفتاحها كلمة، والكلمة مفتاحها فكرة، والفكرة، تذلّ أكبر نظام!
شكراً لكم، ودائماً، معكم، لأجل عالم نلوّنه بما هو أجمل، المجتمع الذي يتوارث مقولة “نمشي الحيط للحيط ونقول يا رب السترة”، اليوم نغير ذلك بقليل من الحبر وقليل من الطلاء: “نمشي الحيط للحيط.. ونقول يا رب “الفكرة” “.


الأوسمة: , , ,

4 تعليقات to “دولة Vs كلمة”

  1. القط Says:

    الكلمة و الفكر هما اللذان يصنعان الإنسان، لا العصا أو المال.
    بالتوفيق خضر.

  2. sahar Says:

    الحمدالله ع سلامتك اهم شي ما طالت القصة كنت من المتعاطفين معك لانك واحد منا نحنا الشباب ويللي بتحكي لساننا وبتجسد افكارنا كلمات رصاص بقلب زعران البرلمان, نحنا القلة القليلة بالمجتمع اللبناني الغير مسيسين والمحسوبين ع حدا كرمال هيك النضال من اجل الكلمة الحرة والمحقة رح يكون اصعب من ان تكون صحافي لسياسي مزور

  3. lib9 Says:

    سلامتك .. اذا كان هذا يحدث في لبنا ن عاصمة الثقافة لمنطقة الشرق الاوسط والمغرب فكيف لنا ان نتصور ما ينتظر كاتب او مدون في بلد تحاكم الفكرة فيه بسند قانوني .. الواقع ان هذه المنطقة بالكامل موبؤة بهاجس الامن والبوليس .. اذ ان ذات الممارسة ظلت على حالها في دول التحرر او ما يسمى الربيع العربي .. وما دمنا لا ننتظر من لبنان بلد التعددية والحريات العريقة .. فلا مجال للكلمة حول ما يجري هنا ما لم تتحدث من على منبر يقع وراء الحدود .. اوروبا او امريكا او اى بقعة اخرى في العالم .. نريدك ان تكتب ولا نريد لك ان تبقى وراء القضبان .. وهذا لن يحدث طالما تتحدث من لبنان

  4. salma Says:

    it seems that lib9 wants to get rid of you mr khodor in the name of !!! freedom of speech do not leave the country and keep your ideas flowing

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: