أنتَ الآخر

خضر سلامة

عن طرابلس.. لطرابلس، وكل مدن البلاد المتقاتلة

كل شيء في بلادي طائفي، إلا الرصاص، وحدها الرصاصة لا تفرق بين القتيل والقتيل، تقتل دون أن تفتح حديثاً ب”من وين الأخ؟”، لا تكترث الرصاصة لهذه التفاصيل، يهمها أن تنهي عملها على أكمل وجه: تقتل، وبعد أن تقتل، يهرع القناص ليدقق في النتيجة، قد ينهزم المحارب، لكن الرصاصة تنتصر دائماً، إذا لم تقتل انساناً، قتلت حائطاً، أو قتلت عصفوراً، أو قتلت طفولةً كانت تتنصت على صوت الربيع فأرعبها صوت الحرب، الرصاصة تنتصر، أما المحارب، فينتظر نهائي الحرب دوماً.

لم يسعفني سوء حظي الطائفي، وقلة كفائتي المذهبية وضعف سلوكي الديني منذ الأزل، فلم أتخرج ميليشياوياً، لم أجد من يشتري عمري بثلاثين من فضة، لم يهدني الله بعد إلى أي قيصر روماني، لم يسعفني سوء حظي الطائفي، لم يقنعني بعد أي منبر أني أحق بالموت فداء لقضية الطائفة، منه هو، لذا، لم أصبح ميليشياوياً.

بماذا يفكر المسلّح، حين يخرج إلى الشارع هاتفاً باسم إله ما؟ هل يفكّر بطفلٍ قد لا يعود هو إليه؟ أو طفل قد لا يعود خصمه – الوالد أيضاً – إليه؟ بماذا يفكر؟ هل يصفن في الوقت الفاصل بين المخزن والمخزن، في كمبيالة بنك لم يدفعها هذا الشهر؟ وجدتها! لماذا لا تطلق النار على البنك؟ على صاحب البنك؟ على الوزير صديق صاحب البنك؟ مثلاً.040216ec-2a08-451a-8d5c-4997f8dd9089

لا أعرف بماذا يفكر المسلح، وهو يطلق النار بغزارة على العلم الوطني، قد يفكر أنه إذا لم يقتل الآخر أولاً، سيقتله، قد يفكر أنه كان ليرمي السلاح لو أن الآخر رمى السلاح، قد يفكر أنه إذا لم يخرج اليوم إلى المعركة، لكان الآخر الآن يدنس مسجداً أو كنيسة له، هذا المسلح الساذج البسيط، كان ليوفّر عناء كل هذه الأفكار، لو أنه اكتشف مبكراً، أنه هو الآخر.

المسلح هو المسلح الآخر، خوف الطائفة وكآبة الدين، لقمة العائلة المعلقة على حذاء زعيم لم يمت منذ زمن، الشوق المزمن إلى الرقص، إغماءة الطرب حين يطل الفجر مزقزقاً على المتراس الأول ثم الثاني، رائحة العرق بعد أسبوع قتال، والغضب من قطع “الآخرين” لطريق كان يقطعها هو قبل أيام.

كنا لنوفر الكثير، لو وقف المسلح قبل المعركة أمام المرآة ليرى وجه الآخر فيها، ولو وضع يده في جيبه الفارغ فوجد يد الآخر تتحسس هذا الفراغ المخجل أمام الأولاد… كنا لنوفر الكثير، لو لم تكن المعركة بين الآخر والآخر، فعل انتحار لا أكثر.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: , , , ,

4 تعليقات to “أنتَ الآخر”

  1. مصراوي Says:

    Reblogged this on اخبار مصر اليوم.

  2. RabihAmhaz Says:

    تعليق بسيط على سبيل النكته :
    بالنسبه لسألك عن الطفل أعتقد أنه لم يفكر بالعودة إليه ! لأنه إصطحبه معه إلى المعركة السخيفة بين الآخر والآخر.

    مقال رائع شكراً

  3. Nahila Says:

    رائع متل العادة صديقي

  4. رائد غنيم Says:

    كثيرا مايلتفت ذاك المسلح,, لوطنية غيره فيقول “أهلي من قبلي حملو الكلشن وطلعوا بوجه العدو وصار دوري” لكن ماغفل عنه تلك اليقظة التي ستدفع به للتفكير أنهم لم يقاتلوا شركاء ارضهم والمؤلم أكثر ترديده للموشحات الوطنية باعتقاده أن له اتماء منها بلاهة تلك الرصاصة.
    شكرا على المقال استاذ.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: