Archive for 30 أغسطس, 2012

حصار بيروت: من هانوي إلى لاس فيغاس

30/08/2012

خضر سلامة

ثلاثون عاماً، ثلاثون قنبلة في قارورة الصمت، ثلاثون شمعة في تاريخ الظلام العربي، ثلاثون كوكباً مهترئاً يحكمه كتاب تاريخ يكتبه خائن.. هذا عمر حصار بيروت، وقصص حصار بيروت، لن يفهمها المهزومون من الداخل، ولن تجرح عين قارئ مشغول بقصص الخيال العلمي كالسلام، حصار بيروت، هو هويتنا التي سُرقت من محفظة الذاكرة، وهرب سارقها إلى صفحة الأخبار المحلية العابرة.

قبل ثلاثين عاماً، حاصر العالم فتاةً صغيرة كانت تجمع زهر الرمان التي تجدلها الكوفيات على الرقبة، حاصر العرب المنتشون بنعمة الإذاعات الكثيرة اليوم، وبلاغات الحرية وأساطير الحضارة، بصمتهم، حاصروا كل شارعٍ كان ينجب في الليل فدائياً، ومعهم، تقاطر الخونة الفاشست، وأخذوا حصتهم من مساحة الخنجر في ظهر القضية.

حصار بيروت، قصة ستنقرض مع آخر مقاتل يغدر به العمر، وهم ينقرضون بسرعة، ومعظمهم للصدفة، بداء القلب يا فلسطين، حصار بيروت، أسابيع بعدد أصابع اليدين، قطّعها كتبة التاريخ اللبناني، وطبخوها جزءً من حربهم العبثية، وحصار بيروت، هو المقعد الخشبي العتيق، الذي جلس عليه رفاق السلاح من كل العالم الثوري، وقاتلوا فيه، أسألكم، هل قرأتم عن بطولات الثوريين التوانسة؟ عن أغاني الثوريين المصريين؟ عن شهداء الثوريين الأرمن من منظمة أصالة؟ عن قتال الثوريين الأكراد من حزب العمال؟ عن السيوف السورية التي خالفت الأوامر ولم تتراجع؟ عن كل ذلك؟ من يكترث اليوم في لبنان لمن قاتل وقتل، لأجل أن يسمح لغيره الوقت والمساحة والزمن، بسهرة صاخبة في حانة ليلية؟ من يكترث اليوم في لبنان، لقصص البنادق التي أبت أن تقتنع أنها لن تخدش حياء الطائرة الحربية، وظلت تقاتل، من يكترث في هذا الوطن العربي المخصي، للأموات الذين لا يصدقون بيانات رجال الدين عن وفاتهم، ويعودون غاضبين إلى الخندق.409550_287036948016954_1087799849_n

لن يفهم المهزومون من الداخل، والمهزومون بقشرة الحضارة، والغبار الأميركي الكثيف استهلاكاً وسياسة.

قبل ثلاثين عاماً، يخبرني رجل برتبة أبي، عن الجوع الجميل حين قطعوا الخبز، والعطش الطويل حين قطعوا الماء، يرتّل أغنية، لو أنها رويت بلغة العيون الزرق، لنسي العالم طروادة، عن إناء الماء حين يركض من الشارع إلى الطابق الأخير، كي لا يبكي طفل واحد، فيظن الأعداء أننا نضعف، عن رغيف واحد، كيف كان يقسم على عائلة كاملة، كي لا يشمت الفاشي ببطوننا الخاوية إذا بقرها.. عن مدينة قاتلت ولم تركع، وبلد خان وحين انهزم الخائنون، محوا كل معالم المعركة، كي لا يتركوا مجداً واحداً، وأعطوا الأجيال القادمة سلةً فارغة من الكرامة.

حصار بيروت أكمل الثلاثين عاماً، لا الحصار استمر، ولا بيروت الوطنية. دفنوا كل ذلك تحت “سوليدير”، ووضعوا مكان الكوفية حطة عرس، وزوجوها لبئر نفط.. لم يبق من بيروت الحصار شيء، إلا رائحة القتلى، تتهم الجيل الأحمق.

هانوي الأمس، لاس فيغاس اليوم… وأبناء المقاتلين يبتاعون يانصيب السلام، ويحجزون تذاكر مباريات الطوائف..

ثلاثون عاماً يا حصار: أرجعي السفن يا أثينا!

مدونة جوعان على الفيسبوك

هل يموت الآخرون؟

28/08/2012

خضر سلامة

هل يشعر الموت بالذنب، حين يحصي حصاد يومٍ واحدٍ من عمله في بلادنا؟ هل يخجل منجله، حين يقطع نوم طفلٍ في بيتٍ أًصابه داء القذيفة، فيقطفه من شجرة العائلة، ويزرعه خبراً عادياً في نشرة الأخبار الليلية؟ أريد إلهاً واحداً عادلاً، يأتي بالموت مخفوراً ليقف في حضرة التاريخ فنسأله: أيها الموت، ماذا تريد بعد أكثر؟ طلبت قاتلاً، فأخرجت الأرحام الملعونة ألف طاغية، طلبت قناصاً، فأعطاك النفط جيوشاً جرارة تحترف اغتيال الفرَح، طلبت مجزرة، فاستحالت مدننا مقابر جماعية لأحياء مسجلين على دفاتر الانتظار: “متى نموت نحن أيضاً؟”.

هل يموت الآخرون؟ أم أن الموت مهنة عربية فقط؟ هل يعرف شعبٌ آخر كيف تصطاد الطائرة العلم الوطني وأنفاس من يحمله؟ هل مرّ على شعب آخر، أسلحة لا تطلق إلا للخلف؟ هل يموت الآخرون؟ أم أن الموت هو نصيب العرب من سلّة الآلهة؟ التي أعطت الضوء للكوكب، وحين نفذ منها الضوء، كان حصتنا من القدر عتمة الأنظمة الاسرائيلية الكثيرة في بلادنا؟

أيها الموت، ألا تتعب؟ ألا تضنيك الرحلة اليومية على ظهر رصاصة، من شوارع الرباط إلى تونس فطرابلس فالقدس فالشام ثم البحرين، لتستلق منتشياً بعدّادك في بغداد؟ ألا تتعب أيها الصديق الغريب؟ ألم تصبك أدعية الأمهات الثكلى، وغضب الآباء المحزونين، وشوق الباحثة عن جثة حبيب، والعطشان لثدي نسفته عبوة، ألك يصبك كل ذلك بالتعب؟captain-americas-death-raiyan-talkhani

ننام على قنص، ونستيقظ على عبوة، ثم نفطر بخبر مجزرة، ونخرج للنزهة على وقع غارة.

هذا الطاعون عظيم، داء يدخل إلى بيوتنا من النافذة، أو من فجوة في السقف، لا يخبرنا لاجل ماذا نموت، وما علاقتنا بطواحين الطوائف، وبعقد العسكر النفسية، وبجديد الفتاوى، لا يعطينا سبباً واضحاً نموت من أجله، قضية واحدة ليتلوها رجل الدين اللئيم على قبرنا، فننام مقتنعين بكذبته، موعودون بقيامة، لا أحد يخبرنا لماذا تموت الجثة ويموت معها المشيعون، ولا يموت الصاعد إلى المنبر ليخطب، ولا الحكواتي الغريب المعمّم، لماذا يموت كل شيء، ولا يموت القاتل… أطالب بحقنا بالوصول للمعلومة، أطالب بحقنا بمحاكمة الموت.

منذ قرون، لم نتقن شيئاً، كما أتقنا الموت. أيها الموت، أيها الصديق الغريب، أيها الضيف المقيم الثقيل الخفيف، دعنا ليوم واحد فقط، نقرأ الجريدة دون أن تجعلها كلها صفحة وفيات واحدة، دعنا نشرب قهوتنا بطعم الهال، لا طعم الدم، أيها الموت، دع أرضنا خضراء، ولا تلوثها بلون النفط الأسود، أيها الموت، غض بصرك عن باصات أطفالنا الذاهبين إلى المدارس، لا الجنائز، وكف يدك عن ضفائر نسائنا الخارجات إلى الميدان، لا إلى الوأد، واخرج من حانات الرجال الثمالى بانتصاراتهم، لا مواعيد إعدامهم.

أيها الموت، أنت أسوأ أفلام العرب القديمة الكئيبة، جد مهنةً أخرى، ودع لنا حيزاً للمنام.

*نشرت في جريدة النهار – الشباب

مدونة جوعان على الفيسبوك

طرابلس تنتقم من لبنان

22/08/2012

خضر سلامة

على مدى الأيام السابقة، بدا واضحاً أن الشارع الفاصل بين “باب التبانة – جبل محسن” والذي اصطلح الإعلام اللبناني الذي يبحث عن أي خبر أمني ليحوله إلى مشروع حرب أهلية، على تسميته “محور باب التبانة جبل محسن”، هذا الشارع، صندوق بريد إقليمي، يأتي “الغريب” فيه ليخرب أمن الوطن اللبناني، حيث تعيش كائنات طريفة تحب بعضها البعض، وتتعايش فيما بينها منذ ما قبل التكوين.

كان يفترض أن تكون هذه النظرية هي المعممة، والمسوقة، رئيس جمهورية اتحاد بلديات بعبدا وجبيل، مصر على فكرة أن “الآخرين” يلهون بأمن الوطن، ووزير داخليته لشؤون المحبة والسلام والدراجات النارية، يتابع بدقة ما يحدث، والجيش الذي يحصي عدد القذائف، وأماكن القناصين، أيضاً، يراقب، ولا يسمح بتجول غير المسلحين وغير الميليشياويين، في الشارع، نواب طرابلس أيضاً، حين ينتهون من توزيع السلاح عادة، يجتمعون لإدانة انتشار السلاح، أما رئيس الحكومة، فيتجه صوب الطلب بصرامة من القوى الأمنية بتوقيف كل ارهابي مسلح، على أن يقوم هو لاحقاً بدفع كفالته وإطلاق سراحه.

بكل الحالات، يحدث ما يحدث في طرابلس، بين الحي ذو الأغلبية العلوية المؤيدة للنظام السوري وترفع شعار الخوف من الاضطهاد وفوبيا الاقليات، وبين الحي ذو الأغلبية السنية الطاغية عليه تيارات متشددة دينياً وطائفياً وترفع شعار التكفير والمظلومية، يحدث كل ذلك، واللبناني مسجون بين إعلام يضخم كل خبر ويحوله إلى تحريض للمواطن خلف الشاشة، وبين سياسيين يتبنون أصلا هذا الانفجار ويدفعون صوبه، وبين طوائف خائفة من بعضها.. واللوم عند الجميع جاهز وعب الطلب: الغرباء! الآخرون! الأصابع الخارجية!

sunni_gunman_fires_his_weapon_during_clashes_in_tripoli_lebanon

أين الدولة؟

مطلب الدولة في طرابلس، ليس بذلات عسكرية، ليس دبابات الجيش اللبناني، ولا كروش قوى الأمن الداخلي، ليس مطلب الدولة هو اعتقال المسلحين ولا مطاردتهم، لأن المسلحين هم كل طفل يتربى على فعل الانفجار والخوف والانتقام.. مطلب الدولة هو هذه الأرقام التي ننشرها، لعل ميشال سليمان، ونجيب ميقاتي، ومن قبله ومن سيلحقه، ونواب طرابلس، وقواها السياسية، وطوائفها، ورجال دينها ذوي اللحى الطويلة، والغيارى على “الدم السني” وعلى “كرامة الأقليات”، وتيارات المدينة الخيرية والسلفية والبعثية، ولعل وزير الداخلية ووزير المالية وغيرهم، يكتشفون حقاً، “أين الدولة” في طرابلس، وفي منطقة باب التبانة – جبل محسن، تحديداً (المصدر الأمم المتحدة للتنمية) :

67 بالمئة من الأسر تعيش تحت خط الفقر الأعلى

33 بالمئة من الأسر تعيش تحت خط الفقر الأدنى

80.6 بالمئة من القاطنين غير مشمولين بالضمان الاجتماعي

20 بالمئة من الذكور عاطلين عن العمل

90 بالمئة من الإناث عاطلين عن العمل

13.2 بالمئة من السكان يعانون من مرض مزمن

عدد وفيات الأطفال 53 في الألف

20 بالمئة من القوى العاملة يعاني من الأمية

30 بالمئة من السكان لم يتجاوز المرحلة الابتدائية في التعليم

ووسط هذه الأرقام، الأسوأ في لبنان، يختال المسلحون على الشاشات بأسلحة يتجاوز معدل أسعارها الخمسة إلى عشرة آلاف دولار للقطعة الواحدة، ويتبادلون قوة نارية في اليوم الواحد تتجاوز عشرات الآلاف من الدولارات يومياً أثناء كل اشتباك.. يحرق السياسيون المعروفون بالأسماء، في المحورين، كميات من المال لو صبت على التعليم والإنماء والمشاريع، لأوقفت سيل الدم اليومي.

قبل أن تخافوا، وتتبادلوا الاتهامات، وتتهربوا من دم جبل محسن وباب التبانة، وقبل أن تتهموا العالم أنه يتآمر على دولتكم من بوابة شمالها، عزيزي اللبناني، أنظر جيداً إلى سلطتك السياسية بمعارضتها وموالاتها، وبرأسها الجمهوري والحكومي والنيابي سوية، أنظر جيداً، هؤلاء يغتالون طرابلس كل يوم منذ سنين.

مدونة جوعان على الفيسبوك

انتصار العشيرة على الدولة

16/08/2012

خضر سلامة

إذاً، أعلن رسمياً بالأمس فشل مشروع الدولة في لبنان ككيان سياسي ينظم علاقات الفئات والعامة ببعضهم، ضمن أطر النظم القانونية والاقتصادية والسياسية، رغم المحاولات الحثيثة لانعاش هذه الفكرة منذ استقلال 43 حتى اتفاق ما بعد حرب 58 مرورا بطائف ما بعد الحرب الاهلية وصولا إلى الترويكا ومن ثم اتفاق الدوحة، فشلت كل هذه المحاولات في إنقاذ "دولة" لبنان، فكان لا بد، أن ننتظر اليوم التي تعلن فيه العشيرة، كمؤسسة، انتصارها على الدولة، كمؤسسة.

فإذا كانت الدولة هي النظم الاقتصادية لعلاقات حياتية مكون يسمى مجازاً "شعباً"، فهذه الدولة فشلت في وضع اقتصاد واحد وطني، وبقي الاقتصاد قائم على بنوك "عشائرية" أي عائلية، متوارثة منذ مئات السنين، مملوكة لعائلات محددة، وتدير هذه البنوك سياسات قائمة على القروض والديون، التي كان يمكن أن تنفجر وسط شح السيولة وانقراض الطبقة الوسطى، لولا نظام العائلة القاسي في الدول المشرقية، ومنها لبنان، الكفيل بانقاذ اصحاب القروض، أضف إلى خصوصية لبنان من حيث أعداد المغتربين الكبير نسبياً في كل عائلة وكل بيت، ما يسمح بقيام اقتصاد مواز بديل، قائم على اقتصاد الكازينو، أي تبييض الأموال وتهريبها بالاضافة إلى التحويلات، التي تشير بعض التقديرات إلى كونها تشكل حقيقة أكثر من 75 بالمئة من المدخول الوطني اللبناني! أي أننا فعلا لا ننتج شيء اقتصادياً في لبنان، بل نتلقى من علاقاتنا "العشائرية" ثلاثة أرباع دخلنا وسيولتنا.

وإذا كانت الدولة هي النظم السياسية التي تدير الشكل البنيوي للكيان الجغرافي الجامع، من رأس الهرم إلى قاعدته، فيكفينا مثالا أن الأحزاب اللبنانية الحاكمة المؤثرة فعلاً وذات الشعبية الكاسحة (سلطة ومعارضة) هي أحزاب قائمة على إما توارث عائلي، وإما على شخصية حاكمة مسيطرة على الحزب ومتحكمة بمقدراته المؤسساتية والاعلامية والشعبية، حتى تلك الأحزاب التي يفترض أنها تغييرية وطنية (قومي – شيوعي..) توزع حصصها على المنتفعين والاقارب والمحسوبين، على شخص "القائد".

Ashira

وصولاً إلى المبدأ الأسمى لقيام الدولة، منذ عصر الزراعة مروراً بعصر النهضة والاستكشافات ثم الاستعمار والحروب العالمية والأهلية، كانت الدولة عنوانها الأهم، حسب ماكس فيبر هي الكيان "الذي يحتكر العنف الشرعي"، أي الكيان المعنوي الوحيد الذي يملك حق القمع والقتل والتعذيب والاحتجاز "قانونياً"، واستعمال السلاح وتشريع حمله، وإذا استثنينا حالة سلاح المقاومة منذ السبعينات إلى اليوم، فقد أثبتت جمهورية الطائف عدم قدرتها على ضبط السلاح المنتشر (تاريخياً) في مناطق الأطراف خصوصا، وفي الأحياء الشعبية في المدن الساحلية أيضاً، والذي يستنفر عائلياً دائماً (راجع حوادث باب التبانة، الضاحية، البقاع…) أو طائفياً، وحيث أن السلاح الطائفي نفسه، لا يتحرك إلا لحسابات عائلية (كون العشائر اللبنانية، العائلات، مقسمة حزبياً تبعاً لاستقطاب الأحزاب القائم على تنافس العائلات الكبرى في القرى) يسجل إذاً انتصار جديد للعشيرة، العائلة، القبيلة، على مشروع الدولة.

إذاً، في هذه المناظير الثلاثة، سريعاً، يبدو لنا واضحاً وجلياً، فشل مشروع الدولة، وانتصار مشروع العشيرة، كركيزة أساسية لشكل المجتمع اللبناني، وهذا ليس بالضرورة تسليم بالواقع بقدر ما هو دعوة للعقلانية في التعامل مع الأزمة العشائرية وعدم اعتبارها "طارئة هجينة متخلفة" بقدر ما هو مطلوب، التعامل معها على أنها جذر المجتمع الشرقي وغريزته الأولى، وليس المطلوب التصادم معها وذمها، إذ أنها حالة تعيش على السلبية في التعامل لشد عصبها والحفاظ على استمراريتها.

أيها الأعزاء، ربما لم تكن العشائرية يوماً مشكلة، بل كانت المشكلة تكوين الدولة المضاد للعشائرية والقائم على إما إلغائها وإما احتوائها ككيان مستقل داخل الكيان الرسمي وصراعهما كمؤسستان حضاريتان متوازيتان.. ومع الإعلان الرسمي في الشهر الفائت عن فشل مشروع دولة لبنان ما بعد الطائف، أعتقد أن الوقت قد حان، للبحث عن شكل جديد للدولة، ضمن فكرة المؤتمر التأسيسي الجديد، يفكك مركزيتها، ويسمح بإنشاء مشروع سياسي اقتصادي عسكري حقيقي جديد نوعي، لكيان يقوم على شروط المجتمع وظروفه التاريخية والتكوينية ويأطرها في “الدولة”، لا على استيراد نظم جاهزة للاستعمال، كما اعتادت السياسة العربية.

مدونة جوعان

محللون وخبراء ولكن

02/08/2012

خضر سلامة

في خضم أحداث المنطقة، والتي لا تحتاج فيها إلى نشرة أخبار لتكتشف أنها خراب بخراب، ولا لتوقعات ماغي فرح 2013 لتتأكد أنه "ما ح يضل إبن مرا واقف ع إجريه"، سأترك كل أحداث هذه الأيام، وأفصح عن ما يزعجني فعلاً، ما يزعجني فعلاً هم هؤلاء الذين يحتلون الشاشة بالكلام، والتحليل، وسكب خبراتهم فوق رؤوسنا ورؤوس الي خلفونا.

فمثلاً، لا يزعجني الملف النووي الإيراني، ولا الغاز القطري، ولامسألة السلاح الكيميائي عند نظام الأسد، ولا الصراع الجيوسياسي الروسي الأميركي، بقدر ما يزعجني "خبير استراتيجي" يتحدث عن كل ذلك، يعني بالمختصر، ماذا يفعل الخبير الاستراتيجي؟ ما هي مهنته؟ ماذا يفعل صباحاً؟ مم يتكون فطوره؟ ما هو نوع سيارته؟ هل ينام على يسار أم يمين السرير؟ خبير بماذا على وجه الدقة؟ هيك؟ خبير استراتيجي وبس؟thinking_564805

أو مثلاً، المحلل السياسي، فرضاً انتهت الحلقة، هل يستمر بالتحليل؟ وماذا يفعل بكل هذه التحليلات؟ هل تعترف بوجوده مراكز الدراسات العالمية؟ وإذا سلمنا جدلاً أنه محلل جيد، كيف نكافئه؟ كيف نشكره على شرحه لنا ما نحن نسلم جدلاً به: الوضع خربان.

ونقفز إلى زعيم هؤلاء كلهم، الخبير العسكري، ومعظمهم، ضباط سابقون، تصور يا أخي، خبير عسكري عربي! من بلاد جيوشها هزمت في ثلاث حروب نظامية، وتكسرت تاريخيا أمام جميع أنواع الكفوف الأجنبية، و"العصابات المسلحة" وتفرغت منذ ثلاثين عاماً، للاستعراضات السنوية، ولحملات التنظيف والتحريج، وهواية تربية الكروش وجمع الأوسمة، ومن ثم تعاقدت مؤخراً في وظيفة "راكب ثورات" معتمد أميركياً… يخرج لنا من هؤلاء، ضابط قضى عمره إما في الهزيمة، أو في اختراع المجد، أو في قتل شعبه، أو في التمادي في فعل "لا شيء"، لينظر علينا بالخطط العسكرية والتوازنات الدولية!

عزيزي القارئ، إنتبه من هذه الأنواع من الكائنات الطفيلية على شاشتك، محلل اقتصادي يستفيض في شرح آثار غياب سعد الحريري على المداولات في بورصة سوق الأحد، خبير استراتيجي يتحدث عن تأثير سعر البطاطا على العلاقات الدولية لنجوى كرم مثلاً، وخبير عسكري يستعرض حقيقة تهديد الدرع الصاروخي لصدارة لبنان في قائمة استهلاك مسعل التفاحتين، إلخ.


%d مدونون معجبون بهذه: