انتصار العشيرة على الدولة

خضر سلامة

إذاً، أعلن رسمياً بالأمس فشل مشروع الدولة في لبنان ككيان سياسي ينظم علاقات الفئات والعامة ببعضهم، ضمن أطر النظم القانونية والاقتصادية والسياسية، رغم المحاولات الحثيثة لانعاش هذه الفكرة منذ استقلال 43 حتى اتفاق ما بعد حرب 58 مرورا بطائف ما بعد الحرب الاهلية وصولا إلى الترويكا ومن ثم اتفاق الدوحة، فشلت كل هذه المحاولات في إنقاذ "دولة" لبنان، فكان لا بد، أن ننتظر اليوم التي تعلن فيه العشيرة، كمؤسسة، انتصارها على الدولة، كمؤسسة.

فإذا كانت الدولة هي النظم الاقتصادية لعلاقات حياتية مكون يسمى مجازاً "شعباً"، فهذه الدولة فشلت في وضع اقتصاد واحد وطني، وبقي الاقتصاد قائم على بنوك "عشائرية" أي عائلية، متوارثة منذ مئات السنين، مملوكة لعائلات محددة، وتدير هذه البنوك سياسات قائمة على القروض والديون، التي كان يمكن أن تنفجر وسط شح السيولة وانقراض الطبقة الوسطى، لولا نظام العائلة القاسي في الدول المشرقية، ومنها لبنان، الكفيل بانقاذ اصحاب القروض، أضف إلى خصوصية لبنان من حيث أعداد المغتربين الكبير نسبياً في كل عائلة وكل بيت، ما يسمح بقيام اقتصاد مواز بديل، قائم على اقتصاد الكازينو، أي تبييض الأموال وتهريبها بالاضافة إلى التحويلات، التي تشير بعض التقديرات إلى كونها تشكل حقيقة أكثر من 75 بالمئة من المدخول الوطني اللبناني! أي أننا فعلا لا ننتج شيء اقتصادياً في لبنان، بل نتلقى من علاقاتنا "العشائرية" ثلاثة أرباع دخلنا وسيولتنا.

وإذا كانت الدولة هي النظم السياسية التي تدير الشكل البنيوي للكيان الجغرافي الجامع، من رأس الهرم إلى قاعدته، فيكفينا مثالا أن الأحزاب اللبنانية الحاكمة المؤثرة فعلاً وذات الشعبية الكاسحة (سلطة ومعارضة) هي أحزاب قائمة على إما توارث عائلي، وإما على شخصية حاكمة مسيطرة على الحزب ومتحكمة بمقدراته المؤسساتية والاعلامية والشعبية، حتى تلك الأحزاب التي يفترض أنها تغييرية وطنية (قومي – شيوعي..) توزع حصصها على المنتفعين والاقارب والمحسوبين، على شخص "القائد".

Ashira

وصولاً إلى المبدأ الأسمى لقيام الدولة، منذ عصر الزراعة مروراً بعصر النهضة والاستكشافات ثم الاستعمار والحروب العالمية والأهلية، كانت الدولة عنوانها الأهم، حسب ماكس فيبر هي الكيان "الذي يحتكر العنف الشرعي"، أي الكيان المعنوي الوحيد الذي يملك حق القمع والقتل والتعذيب والاحتجاز "قانونياً"، واستعمال السلاح وتشريع حمله، وإذا استثنينا حالة سلاح المقاومة منذ السبعينات إلى اليوم، فقد أثبتت جمهورية الطائف عدم قدرتها على ضبط السلاح المنتشر (تاريخياً) في مناطق الأطراف خصوصا، وفي الأحياء الشعبية في المدن الساحلية أيضاً، والذي يستنفر عائلياً دائماً (راجع حوادث باب التبانة، الضاحية، البقاع…) أو طائفياً، وحيث أن السلاح الطائفي نفسه، لا يتحرك إلا لحسابات عائلية (كون العشائر اللبنانية، العائلات، مقسمة حزبياً تبعاً لاستقطاب الأحزاب القائم على تنافس العائلات الكبرى في القرى) يسجل إذاً انتصار جديد للعشيرة، العائلة، القبيلة، على مشروع الدولة.

إذاً، في هذه المناظير الثلاثة، سريعاً، يبدو لنا واضحاً وجلياً، فشل مشروع الدولة، وانتصار مشروع العشيرة، كركيزة أساسية لشكل المجتمع اللبناني، وهذا ليس بالضرورة تسليم بالواقع بقدر ما هو دعوة للعقلانية في التعامل مع الأزمة العشائرية وعدم اعتبارها "طارئة هجينة متخلفة" بقدر ما هو مطلوب، التعامل معها على أنها جذر المجتمع الشرقي وغريزته الأولى، وليس المطلوب التصادم معها وذمها، إذ أنها حالة تعيش على السلبية في التعامل لشد عصبها والحفاظ على استمراريتها.

أيها الأعزاء، ربما لم تكن العشائرية يوماً مشكلة، بل كانت المشكلة تكوين الدولة المضاد للعشائرية والقائم على إما إلغائها وإما احتوائها ككيان مستقل داخل الكيان الرسمي وصراعهما كمؤسستان حضاريتان متوازيتان.. ومع الإعلان الرسمي في الشهر الفائت عن فشل مشروع دولة لبنان ما بعد الطائف، أعتقد أن الوقت قد حان، للبحث عن شكل جديد للدولة، ضمن فكرة المؤتمر التأسيسي الجديد، يفكك مركزيتها، ويسمح بإنشاء مشروع سياسي اقتصادي عسكري حقيقي جديد نوعي، لكيان يقوم على شروط المجتمع وظروفه التاريخية والتكوينية ويأطرها في “الدولة”، لا على استيراد نظم جاهزة للاستعمال، كما اعتادت السياسة العربية.

مدونة جوعان

الأوسمة: , , , , ,

2 تعليقان to “انتصار العشيرة على الدولة”

  1. منتديات الجنة العراق Says:

    شكرا لكم كثيرا

  2. سيارات Says:

    مدونة رائعه وموضع ممتاز تسلم الايادى

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: