هل يموت الآخرون؟

خضر سلامة

هل يشعر الموت بالذنب، حين يحصي حصاد يومٍ واحدٍ من عمله في بلادنا؟ هل يخجل منجله، حين يقطع نوم طفلٍ في بيتٍ أًصابه داء القذيفة، فيقطفه من شجرة العائلة، ويزرعه خبراً عادياً في نشرة الأخبار الليلية؟ أريد إلهاً واحداً عادلاً، يأتي بالموت مخفوراً ليقف في حضرة التاريخ فنسأله: أيها الموت، ماذا تريد بعد أكثر؟ طلبت قاتلاً، فأخرجت الأرحام الملعونة ألف طاغية، طلبت قناصاً، فأعطاك النفط جيوشاً جرارة تحترف اغتيال الفرَح، طلبت مجزرة، فاستحالت مدننا مقابر جماعية لأحياء مسجلين على دفاتر الانتظار: “متى نموت نحن أيضاً؟”.

هل يموت الآخرون؟ أم أن الموت مهنة عربية فقط؟ هل يعرف شعبٌ آخر كيف تصطاد الطائرة العلم الوطني وأنفاس من يحمله؟ هل مرّ على شعب آخر، أسلحة لا تطلق إلا للخلف؟ هل يموت الآخرون؟ أم أن الموت هو نصيب العرب من سلّة الآلهة؟ التي أعطت الضوء للكوكب، وحين نفذ منها الضوء، كان حصتنا من القدر عتمة الأنظمة الاسرائيلية الكثيرة في بلادنا؟

أيها الموت، ألا تتعب؟ ألا تضنيك الرحلة اليومية على ظهر رصاصة، من شوارع الرباط إلى تونس فطرابلس فالقدس فالشام ثم البحرين، لتستلق منتشياً بعدّادك في بغداد؟ ألا تتعب أيها الصديق الغريب؟ ألم تصبك أدعية الأمهات الثكلى، وغضب الآباء المحزونين، وشوق الباحثة عن جثة حبيب، والعطشان لثدي نسفته عبوة، ألك يصبك كل ذلك بالتعب؟captain-americas-death-raiyan-talkhani

ننام على قنص، ونستيقظ على عبوة، ثم نفطر بخبر مجزرة، ونخرج للنزهة على وقع غارة.

هذا الطاعون عظيم، داء يدخل إلى بيوتنا من النافذة، أو من فجوة في السقف، لا يخبرنا لاجل ماذا نموت، وما علاقتنا بطواحين الطوائف، وبعقد العسكر النفسية، وبجديد الفتاوى، لا يعطينا سبباً واضحاً نموت من أجله، قضية واحدة ليتلوها رجل الدين اللئيم على قبرنا، فننام مقتنعين بكذبته، موعودون بقيامة، لا أحد يخبرنا لماذا تموت الجثة ويموت معها المشيعون، ولا يموت الصاعد إلى المنبر ليخطب، ولا الحكواتي الغريب المعمّم، لماذا يموت كل شيء، ولا يموت القاتل… أطالب بحقنا بالوصول للمعلومة، أطالب بحقنا بمحاكمة الموت.

منذ قرون، لم نتقن شيئاً، كما أتقنا الموت. أيها الموت، أيها الصديق الغريب، أيها الضيف المقيم الثقيل الخفيف، دعنا ليوم واحد فقط، نقرأ الجريدة دون أن تجعلها كلها صفحة وفيات واحدة، دعنا نشرب قهوتنا بطعم الهال، لا طعم الدم، أيها الموت، دع أرضنا خضراء، ولا تلوثها بلون النفط الأسود، أيها الموت، غض بصرك عن باصات أطفالنا الذاهبين إلى المدارس، لا الجنائز، وكف يدك عن ضفائر نسائنا الخارجات إلى الميدان، لا إلى الوأد، واخرج من حانات الرجال الثمالى بانتصاراتهم، لا مواعيد إعدامهم.

أيها الموت، أنت أسوأ أفلام العرب القديمة الكئيبة، جد مهنةً أخرى، ودع لنا حيزاً للمنام.

*نشرت في جريدة النهار – الشباب

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: ,

رد واحد to “هل يموت الآخرون؟”

  1. آدم العربي Says:

    لربما اصاب الموت موتا اخر
    قتل الاحساس فيه
    لا ليس “ربما” بل الاكيد انه قد مات
    لا يعقل ان يضج بهكذا جنون لو كان حيا,!!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: