حصار بيروت: من هانوي إلى لاس فيغاس

خضر سلامة

ثلاثون عاماً، ثلاثون قنبلة في قارورة الصمت، ثلاثون شمعة في تاريخ الظلام العربي، ثلاثون كوكباً مهترئاً يحكمه كتاب تاريخ يكتبه خائن.. هذا عمر حصار بيروت، وقصص حصار بيروت، لن يفهمها المهزومون من الداخل، ولن تجرح عين قارئ مشغول بقصص الخيال العلمي كالسلام، حصار بيروت، هو هويتنا التي سُرقت من محفظة الذاكرة، وهرب سارقها إلى صفحة الأخبار المحلية العابرة.

قبل ثلاثين عاماً، حاصر العالم فتاةً صغيرة كانت تجمع زهر الرمان التي تجدلها الكوفيات على الرقبة، حاصر العرب المنتشون بنعمة الإذاعات الكثيرة اليوم، وبلاغات الحرية وأساطير الحضارة، بصمتهم، حاصروا كل شارعٍ كان ينجب في الليل فدائياً، ومعهم، تقاطر الخونة الفاشست، وأخذوا حصتهم من مساحة الخنجر في ظهر القضية.

حصار بيروت، قصة ستنقرض مع آخر مقاتل يغدر به العمر، وهم ينقرضون بسرعة، ومعظمهم للصدفة، بداء القلب يا فلسطين، حصار بيروت، أسابيع بعدد أصابع اليدين، قطّعها كتبة التاريخ اللبناني، وطبخوها جزءً من حربهم العبثية، وحصار بيروت، هو المقعد الخشبي العتيق، الذي جلس عليه رفاق السلاح من كل العالم الثوري، وقاتلوا فيه، أسألكم، هل قرأتم عن بطولات الثوريين التوانسة؟ عن أغاني الثوريين المصريين؟ عن شهداء الثوريين الأرمن من منظمة أصالة؟ عن قتال الثوريين الأكراد من حزب العمال؟ عن السيوف السورية التي خالفت الأوامر ولم تتراجع؟ عن كل ذلك؟ من يكترث اليوم في لبنان لمن قاتل وقتل، لأجل أن يسمح لغيره الوقت والمساحة والزمن، بسهرة صاخبة في حانة ليلية؟ من يكترث اليوم في لبنان، لقصص البنادق التي أبت أن تقتنع أنها لن تخدش حياء الطائرة الحربية، وظلت تقاتل، من يكترث في هذا الوطن العربي المخصي، للأموات الذين لا يصدقون بيانات رجال الدين عن وفاتهم، ويعودون غاضبين إلى الخندق.409550_287036948016954_1087799849_n

لن يفهم المهزومون من الداخل، والمهزومون بقشرة الحضارة، والغبار الأميركي الكثيف استهلاكاً وسياسة.

قبل ثلاثين عاماً، يخبرني رجل برتبة أبي، عن الجوع الجميل حين قطعوا الخبز، والعطش الطويل حين قطعوا الماء، يرتّل أغنية، لو أنها رويت بلغة العيون الزرق، لنسي العالم طروادة، عن إناء الماء حين يركض من الشارع إلى الطابق الأخير، كي لا يبكي طفل واحد، فيظن الأعداء أننا نضعف، عن رغيف واحد، كيف كان يقسم على عائلة كاملة، كي لا يشمت الفاشي ببطوننا الخاوية إذا بقرها.. عن مدينة قاتلت ولم تركع، وبلد خان وحين انهزم الخائنون، محوا كل معالم المعركة، كي لا يتركوا مجداً واحداً، وأعطوا الأجيال القادمة سلةً فارغة من الكرامة.

حصار بيروت أكمل الثلاثين عاماً، لا الحصار استمر، ولا بيروت الوطنية. دفنوا كل ذلك تحت “سوليدير”، ووضعوا مكان الكوفية حطة عرس، وزوجوها لبئر نفط.. لم يبق من بيروت الحصار شيء، إلا رائحة القتلى، تتهم الجيل الأحمق.

هانوي الأمس، لاس فيغاس اليوم… وأبناء المقاتلين يبتاعون يانصيب السلام، ويحجزون تذاكر مباريات الطوائف..

ثلاثون عاماً يا حصار: أرجعي السفن يا أثينا!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: , , , ,

4 تعليقات to “حصار بيروت: من هانوي إلى لاس فيغاس”

  1. هبه Says:

    رائع … ببساطة:)

  2. حسين العاملي Says:

    رائعة خضر .. خاصة المقاطع الاخيرة تختصر تاريخ طويل .. (وضعوا مكان الكوفية حطة عرس، وزوجوها لبئر نفط) .. متى يحصل طلاق لا رجعة فيه .. متى يا بيروت ؟!!

  3. mokdad Says:

    مبدع يا صديقي ..

  4. ziyad Says:

    شكرا لانك اعدت لنا ذاكرتنا و اعدتنا للحياة قليلا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: