Archive for 30 سبتمبر, 2012

إنهم يسرقون القمر

30/09/2012

خضر سلامة

الصباح الحزين، هو الصباح الذي لا يغريك لفتح عينيك من النوم، لأنك تعرف أن لا شيء يستحق الرؤية اليوم، تقوم من سريرك لأن عرف البشر يقول هذا، لتشعر بهذا الهبوط الحاد في القلب كلما فكرت بشيء، يقع قلبك المعلق صليباً، من عنقك إلى قدمك ويصبح حذاء تمشي به على الاحتمالات الكثيرة.

الصباح الحزين هو أن لا تجد من استيقظ قبلك وسبقك إلى شرفتك وأعد لك ابتسامة أو قبلة، لأنه مل من انتظارك، تمشي في الغرفة وحدك، تعود كل قليل إلى المرآة كي تقنع نفسك أنك لست وحدك في الغرفة، تخرج إلى الشرفة وتبصق تنهيدة تلو الأخرى، علها تتكوم عاصفة طارئة، لتعود إلى الداخل، وتقنع نفسك أن لا تريد أصلا الخروج إلى الشرفة.Untitled

الوحدة بين عشرين صديق في غرفتك، هي الحزن، والانطفاء المفاجئ لضحكتك دون سبب، ودون قدرة على تبرير انقلابك على لفافات سجائر الضيوف وتكسيرك لكؤوسهم، هو الحزن، والرجفة الخفيفة عند الكتابة، كأنك تمارس محاولة انتحار تخاف أن تفشل فتخسر حتى فرصة موتك، هي الحزن… كل هذا يا صديقي الكاتب، يا أنا، هو الدليل العلمي الواضح على أنك لم تشف يوماً، وعلاجك لأمراضك النفسية بالحبوب المسكنة للبكاء، والمحرضة على الغناء، كان علاجاً سيء، يقفز الحزن كقط كسول نام دهراً، وحين دست على ذنبه، جرحك حيث لا يسكت الدم.

يا صديقي، كيف خسرتك؟ وكيف سمحت لنفسك أن تصبح أقل من أنا؟

كيف كبرت في العمر، وتركت الطفولة والحب الوحشي، كيف تركت هذا الكوكب يخطفك من جنونك اليومي وكيف فقدت الغجري الساكن فيك والمرتحل دوماً إلى أفريقيا، كيف لم تعد تسمع قرع الطبول، وصرت مواطناً ناعماً تطربه أبواق السيارات وأزيز أبواب المصارف.

كيف لم تعد يا أنا، تفكر بتغيير العالم؟ سيتغير، أقسم لك شهيد قبل موته، فكيف لا تصدق ميتاً؟ وكيف تصدق قوانين أحياء، لديهم الوقت لتغيير أقوالهم! عد إلى معاركك، وتوقف عن تمزيق رزنامة عمرك، لا تكبر.

طأطئ رأسك، فكر بغيرك، وعد إلى مقاعد الدراسة، و”كن صديقاً”.

لم يعد في جعبتي الكثير من اللغة، وقلمي القديم نمرٌ عجوزٌ جاع فأكل قلبه، ثم كسر أنيابه ندما وانطفأ.. لم يعد في جعبتي صاعقة جديدة تعيرني ما يوقظ الهاً نائم.. لم يعد في جعبتي الا قصاصات قصائد لم أنهها، وبقايا سعال خبأته كي لا يقلق الأصدقاء على رئتين مثقوبتين بالحزن العادي.

صباح حزين، مساء حزين، فضع يديك على مقود النار يا صديقي، لم يعد يشفيك غير دواء النار.. إكوي حنجرتك، وقصقص أصابعك، لعلّ بؤسك يقنع العابرين بأنك تقاتل لتكون أنت، متسوّلٌ يتجذر في زاوية قلبهم وذاكرتهم وشريك طريقهم اليومي، لا، رجلاً مملاً عابر يُنسى.

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

هجمات نيويورك والارهاب الثقافي

12/09/2012

خضر سلامة

عام 2001، وقع الهجوم التفجيري على برجي التجارة العالميين في نيويورك، عرضت الصورة على التلفاز بشكل متقن، كان العرض الدعائي للـ”إرهاب” كأي إعلان لوجبة جديدة عند ماكدونالد، أو لعرض جديد من كوكاكولا، أو ربما إعلان ترويجي لحروب جديدة تحاول أن تثبت أن فوكوياما لم يكن يهذي، حين قال: نهاية التاريخ.

انهار البرجين، وانهار النظام العالمي القديم معه أيضاً، وانبرى الفارس الأمريكي المخلّص، لدمقرطة العالم البائس، ولو بتدميره. على مدى عشر سنوات، قتلت القذائف الأميركية ما يقارب الثلاثين ألف أفغاني وعراقي، وقتلت الفوضى المعلبة في واشنطن، أكثر من 200 ألف مدني آخر، دفعوا ثمن مقتل 3000 أميركي، إلى جانب فواتير من النفط وإعادة الإعمار، لا تنضب.

ضحايا 11 أيلول قتلى، وضحايا الحروب الأميركية قتلى، ولكن فقط في المشهد النيويوركي، تعلمنا أن القاتل ارهابي، متوحش، من العصور الوسطى، أصبح يوم 11 أيلول مرتبطاً بمشهد طائرة مدنية مخطوفة، ولم تقدم لنا الشاشات الإخبارية ونشطاء الانسانية، أي مشهد لطائرة حربية اميركية، لم تغادر أجواء العالم بعد، ولا زالت تقصف زواياه، نتذكر جيداً 11 أيلول، لأن الذاكرة المصنعة في في بورصة وول ستريت، والمغلفة بآخر أخبار وادي السليكون، جعلته ماركة تجارية في سوق الاستهلاك، هل يتذكر أحدنا عفوياً دون بحث، تاريخ قصف هيروشيما بالقنبلة النووية؟ هل يتذكر أحدنا، التاريخ الدقيق لقصف الأسطول السادس لشواطئ بيروت؟ هل يتذكر أحدنا تاريخ مجزرة العامرية في العراق؟ تاريخ معركة الفلوجة؟ تاريخ الضربات الأميركية في فييتنام واليمن والصومال والسودان وأفغانستان…

564586_3569583122468_470002517_n

إن أزمة بكائيات 11 أيلول، أزمة أخلاقية، ترتبط بعصر الاستهلاك، ومن ضمن ما نستهلكه، التاريخ والذاكرة والقضية والفروق الطبقية والعرقية والهوياتية بين قتيل وقتيل، وأزمة دونية شديدة يعيشها معظم الناشطين أمام العالم الغربي، يبررون على أساسها بديمقراطيته الداخلية (النسبية؟) قمعه القاتل وديكتاتوريته في باقي خريطة الكوكب.

إن مصطلحات كالإمبريالية الأميركية، والرأسمالية المتوحشة، والقتل الإقتصادي، واغتيال الحضارات، وكارتيل الشركات العالمية، والاستعمار إلخ..، هي مصطلحات ملت الأذن العربية من سماعها، بسبب تحويلها إلى تجارة ربحية نفعية لكثير من قيادات بائدة وأنظمة مستبدة، ولكن، 11 أيلول كان طلقة المدفع التي افتتحت عودة هذه السلوكيات بشدة، مستفيدة من فراغ أيديولوجي هائل، يمنع الحديث عنها، واختلال المجتمعات المحلية بسبب الثقوب التي حفرتها الثقافات الهشة والأمراض النفسية للثملين بحضارة الغرب الناصعة، والخجلين بأوساخ بلادهم… وفيما يكبر الوعي الجماهيري في الولايات المتحدة نفسها وأوروبا، عن ارتباط الأزمة الإقتصادية الداخلية بالنظام العالمي القائم بالسياسة الامبراطورية التي تتعامل فيها السياسة الاميركية مع باقي بلاد العالم وتكتل الشركات وسيطرتها على كذبة الديمقراطية وإدارتها لنتائجها. لا نزال نحن، نعاني من جفاف فكري يبقي حساباتنا ضمن دائرة الزواريب الفئوية والطائفية والمذهبية ويبقي نقاشنا في حدود ما بين الفخذين، واتباع أعمى لكل ما يقدمه لنا مراكز الدراسات والبحث من جديد الفتن، وما يقنعنا به التلفاز، أنه قضية مركز ذو أهمية، و”موضة” سياسية أو انسانية، نهتم بها إلى أن تخرج لنا قضية “موضة” جديدة، وأسرى لما علمنا أياه سوق العبودية الثقافية والسياسية: قتيل بسمنة، وقتيل بزيت.

إعلان أخير: إحدى عشر عاماً من الفوضى في الشرق، أبراج نيويورك لم تسقط على رؤوس قاطنيها فقط، بل على رؤوسنا نحن.

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: