هجمات نيويورك والارهاب الثقافي

خضر سلامة

عام 2001، وقع الهجوم التفجيري على برجي التجارة العالميين في نيويورك، عرضت الصورة على التلفاز بشكل متقن، كان العرض الدعائي للـ”إرهاب” كأي إعلان لوجبة جديدة عند ماكدونالد، أو لعرض جديد من كوكاكولا، أو ربما إعلان ترويجي لحروب جديدة تحاول أن تثبت أن فوكوياما لم يكن يهذي، حين قال: نهاية التاريخ.

انهار البرجين، وانهار النظام العالمي القديم معه أيضاً، وانبرى الفارس الأمريكي المخلّص، لدمقرطة العالم البائس، ولو بتدميره. على مدى عشر سنوات، قتلت القذائف الأميركية ما يقارب الثلاثين ألف أفغاني وعراقي، وقتلت الفوضى المعلبة في واشنطن، أكثر من 200 ألف مدني آخر، دفعوا ثمن مقتل 3000 أميركي، إلى جانب فواتير من النفط وإعادة الإعمار، لا تنضب.

ضحايا 11 أيلول قتلى، وضحايا الحروب الأميركية قتلى، ولكن فقط في المشهد النيويوركي، تعلمنا أن القاتل ارهابي، متوحش، من العصور الوسطى، أصبح يوم 11 أيلول مرتبطاً بمشهد طائرة مدنية مخطوفة، ولم تقدم لنا الشاشات الإخبارية ونشطاء الانسانية، أي مشهد لطائرة حربية اميركية، لم تغادر أجواء العالم بعد، ولا زالت تقصف زواياه، نتذكر جيداً 11 أيلول، لأن الذاكرة المصنعة في في بورصة وول ستريت، والمغلفة بآخر أخبار وادي السليكون، جعلته ماركة تجارية في سوق الاستهلاك، هل يتذكر أحدنا عفوياً دون بحث، تاريخ قصف هيروشيما بالقنبلة النووية؟ هل يتذكر أحدنا، التاريخ الدقيق لقصف الأسطول السادس لشواطئ بيروت؟ هل يتذكر أحدنا تاريخ مجزرة العامرية في العراق؟ تاريخ معركة الفلوجة؟ تاريخ الضربات الأميركية في فييتنام واليمن والصومال والسودان وأفغانستان…

564586_3569583122468_470002517_n

إن أزمة بكائيات 11 أيلول، أزمة أخلاقية، ترتبط بعصر الاستهلاك، ومن ضمن ما نستهلكه، التاريخ والذاكرة والقضية والفروق الطبقية والعرقية والهوياتية بين قتيل وقتيل، وأزمة دونية شديدة يعيشها معظم الناشطين أمام العالم الغربي، يبررون على أساسها بديمقراطيته الداخلية (النسبية؟) قمعه القاتل وديكتاتوريته في باقي خريطة الكوكب.

إن مصطلحات كالإمبريالية الأميركية، والرأسمالية المتوحشة، والقتل الإقتصادي، واغتيال الحضارات، وكارتيل الشركات العالمية، والاستعمار إلخ..، هي مصطلحات ملت الأذن العربية من سماعها، بسبب تحويلها إلى تجارة ربحية نفعية لكثير من قيادات بائدة وأنظمة مستبدة، ولكن، 11 أيلول كان طلقة المدفع التي افتتحت عودة هذه السلوكيات بشدة، مستفيدة من فراغ أيديولوجي هائل، يمنع الحديث عنها، واختلال المجتمعات المحلية بسبب الثقوب التي حفرتها الثقافات الهشة والأمراض النفسية للثملين بحضارة الغرب الناصعة، والخجلين بأوساخ بلادهم… وفيما يكبر الوعي الجماهيري في الولايات المتحدة نفسها وأوروبا، عن ارتباط الأزمة الإقتصادية الداخلية بالنظام العالمي القائم بالسياسة الامبراطورية التي تتعامل فيها السياسة الاميركية مع باقي بلاد العالم وتكتل الشركات وسيطرتها على كذبة الديمقراطية وإدارتها لنتائجها. لا نزال نحن، نعاني من جفاف فكري يبقي حساباتنا ضمن دائرة الزواريب الفئوية والطائفية والمذهبية ويبقي نقاشنا في حدود ما بين الفخذين، واتباع أعمى لكل ما يقدمه لنا مراكز الدراسات والبحث من جديد الفتن، وما يقنعنا به التلفاز، أنه قضية مركز ذو أهمية، و”موضة” سياسية أو انسانية، نهتم بها إلى أن تخرج لنا قضية “موضة” جديدة، وأسرى لما علمنا أياه سوق العبودية الثقافية والسياسية: قتيل بسمنة، وقتيل بزيت.

إعلان أخير: إحدى عشر عاماً من الفوضى في الشرق، أبراج نيويورك لم تسقط على رؤوس قاطنيها فقط، بل على رؤوسنا نحن.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: