إنهم يسرقون القمر

خضر سلامة

الصباح الحزين، هو الصباح الذي لا يغريك لفتح عينيك من النوم، لأنك تعرف أن لا شيء يستحق الرؤية اليوم، تقوم من سريرك لأن عرف البشر يقول هذا، لتشعر بهذا الهبوط الحاد في القلب كلما فكرت بشيء، يقع قلبك المعلق صليباً، من عنقك إلى قدمك ويصبح حذاء تمشي به على الاحتمالات الكثيرة.

الصباح الحزين هو أن لا تجد من استيقظ قبلك وسبقك إلى شرفتك وأعد لك ابتسامة أو قبلة، لأنه مل من انتظارك، تمشي في الغرفة وحدك، تعود كل قليل إلى المرآة كي تقنع نفسك أنك لست وحدك في الغرفة، تخرج إلى الشرفة وتبصق تنهيدة تلو الأخرى، علها تتكوم عاصفة طارئة، لتعود إلى الداخل، وتقنع نفسك أن لا تريد أصلا الخروج إلى الشرفة.Untitled

الوحدة بين عشرين صديق في غرفتك، هي الحزن، والانطفاء المفاجئ لضحكتك دون سبب، ودون قدرة على تبرير انقلابك على لفافات سجائر الضيوف وتكسيرك لكؤوسهم، هو الحزن، والرجفة الخفيفة عند الكتابة، كأنك تمارس محاولة انتحار تخاف أن تفشل فتخسر حتى فرصة موتك، هي الحزن… كل هذا يا صديقي الكاتب، يا أنا، هو الدليل العلمي الواضح على أنك لم تشف يوماً، وعلاجك لأمراضك النفسية بالحبوب المسكنة للبكاء، والمحرضة على الغناء، كان علاجاً سيء، يقفز الحزن كقط كسول نام دهراً، وحين دست على ذنبه، جرحك حيث لا يسكت الدم.

يا صديقي، كيف خسرتك؟ وكيف سمحت لنفسك أن تصبح أقل من أنا؟

كيف كبرت في العمر، وتركت الطفولة والحب الوحشي، كيف تركت هذا الكوكب يخطفك من جنونك اليومي وكيف فقدت الغجري الساكن فيك والمرتحل دوماً إلى أفريقيا، كيف لم تعد تسمع قرع الطبول، وصرت مواطناً ناعماً تطربه أبواق السيارات وأزيز أبواب المصارف.

كيف لم تعد يا أنا، تفكر بتغيير العالم؟ سيتغير، أقسم لك شهيد قبل موته، فكيف لا تصدق ميتاً؟ وكيف تصدق قوانين أحياء، لديهم الوقت لتغيير أقوالهم! عد إلى معاركك، وتوقف عن تمزيق رزنامة عمرك، لا تكبر.

طأطئ رأسك، فكر بغيرك، وعد إلى مقاعد الدراسة، و”كن صديقاً”.

لم يعد في جعبتي الكثير من اللغة، وقلمي القديم نمرٌ عجوزٌ جاع فأكل قلبه، ثم كسر أنيابه ندما وانطفأ.. لم يعد في جعبتي صاعقة جديدة تعيرني ما يوقظ الهاً نائم.. لم يعد في جعبتي الا قصاصات قصائد لم أنهها، وبقايا سعال خبأته كي لا يقلق الأصدقاء على رئتين مثقوبتين بالحزن العادي.

صباح حزين، مساء حزين، فضع يديك على مقود النار يا صديقي، لم يعد يشفيك غير دواء النار.. إكوي حنجرتك، وقصقص أصابعك، لعلّ بؤسك يقنع العابرين بأنك تقاتل لتكون أنت، متسوّلٌ يتجذر في زاوية قلبهم وذاكرتهم وشريك طريقهم اليومي، لا، رجلاً مملاً عابر يُنسى.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: , ,

4 تعليقات to “إنهم يسرقون القمر”

  1. سعيد Says:

    كانك تتحدث عني ، فالحزن قد كساني هذه الصبيحة…. مررت من هنا و ارتشفت من عبق هذه التدوينة الرائعة.
    فكن صديقي يا خضر… و أنا من متابعي قلمك المبدع.
    تحياتي و تقديري.

  2. Ines Says:

    لست وحدك… الطّريق طويل لكنّه جميل… والعالم أرحب :))

  3. shadia Says:

    يحدث ذلك ،
    أن نبتعد عنا ثم نعود لعبور المسافة الينا !
    ربما هو فقط ازدحام ، ولكن
    ستجدكَ سريعا

  4. بيروت حمود Says:

    خضر لا اعرف أي حزن حركت بداخلي فراحت عيناي تنزف دموعًا حارقة ممضة … قبل يومين كنت أفكر في هذا الصباح الحزين حين يمتد نهارًا طويلا من الألم واللامبالاة تجاه الأشياء .. حين تصير الأشياء حولنا عادية ولا يغرينا أو يثير فينا ما كان يفعل ذلك قبل الآن … حين تمر بجانب البنفسجة ولا تلتفت إليها ..وحين يبتسم لك صديق محب ولا تبادله الإبتسام.. هو يوم للحزن وللكآبة لكنه سرعان ما يتحول إلى فرح داكن متفجر حين يفلت القمر من خزانة سارقيه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: