خريف الأقوياء

خضر سلامة

تتدلى الخطيئة من سقف السماء كشهبٍ يقفز فوق رؤوس الناس جميعاً، ليصيب صوتك وحدك بداء الندم، تقف على كتف الهاوية لتصرخ بالحزن: دع عنك قلبي، وخذ قلباً آخر تمرجحه بين جهنمين: جهنم الشوق وجهنم الرفض.

تجمع حولك من تبقى من رفاق الدرب ممن لم يسعفهم الوقت بعد لطعنك، يشعل لك الأول لفافةً من لفافات الأرض الحُبلى بالتبغ، فتحرقك قبل أن تحرقها، يغريك الثاني بخط أبيض من اللاوعي، تمشي بحذر فوقه كي لا تعلق فيه، يعاجلك الثالث بأحدث ما أنتج الحزن العربي المزمن من نكت، ويعيرك الرابع حنجرته ولا تهتم… لا يعجبك الشيخ إمام هذه الليلة، فالشيخ ملكية خاصة لأحلامكما، تهرب من أي وتر عودٍ زائر، كي لا يخبئ في نوتاته دمعة، تخنقك ولو عن بعد، بأغانيها، لم تترك لك حيزاً من الموسيقى، لها بصمة في كل موسيقى.119295_600

تشعر بذنب كل خطايا البشر ومآسيهم، تود لو تعود عشرين عاماً إلى شطّ تونس لتصرخ بأبي جهاد: لا تفتح الباب يا رفيقي… فلا يقتله الرصاص، ولا تُقتل الثورة، علّك إذا كبرت تصبح فدائياً يقنعها أنه لم يسر لأحدٍ بحبٍ إلا لحقل أبيه.

تودّ لو تكفّر عن كل جراح الخريطة، تشعر أنك المسؤول عن أفريقيا، تشعر بالحاجة لصنع قدْرٍ من جماجم الطغاة، تطعم به طفلاً يرشق المستعمر بأغصان الشجر، تصلح طفلاً واحداً، كي ترى فيه حين يكبر، لومومبا آخر يحرّر هذه الأرض، علك تبني لها كوخاً بحجم قصر.

أنتَ المسؤول عن كل مجزرة، عن كل بكاءٍ لم تترك لك بذلتك الرسمية أناقة كافية لتهرع لتكفكف خده، تحلم أن تصبح حصوةً صغيرة، أقل من حجر، يسد فوهة البندقية، لتكف عن اختراع أسباب الموت، تنصب الكمين للمدفعية لتخطأ هدفها، فلا يموت البيت، ولا يغتم قلبها عند نشرة الأخبار.

أنتَ أنت، وحدك المرمي في قفص الاتهام، تسأل نفسك ماذا فعلت للموتى، ماذا صنعت للأحياء، ماذا تركت للقادمين ضيوفاً على عمرٍ سينفضهم أيضاً يوماً ما: لو أنّك حين وطئت الأندلس، أقمت مملكة الموّال مجدداً، ولم تكتف بهدية عابرة، لو أنّك حرّرت غرناطة من ألم الهزيمة، وسامحت قرطبة على نكستك الأولى، لربّما، كانت قبلت بمنصب ملكة من عصرٍ لا يتركنا، أو أكثر قليلاً.

الحزن داء، امرأتك والوطن، أسرتك والقضية، حواسك الخمس حين تصير معمل ذكريات، تعلّب كل الأشكال وكل الروائح وكل الألوان وكل الأصوات، في صندوقٍ من خشب البصرة، يبيعه تاجر الأفراح في سوق الكرخ ببغداد لسوّاحٍ قدموا ليشتروا أحدث صناعات بلادك من الدموع… الحزن داء، والخريف يقزّمك ورقةً صفراء، يدوس العابرون عليها، فتزداد التصاقا بالرصيف.

أنا ملاكٌ هرِم، رمته الجنّة إلى كوكبٍ لا يعرفه، أتعبته المدينة ومن فيها، تمشي الشوارع عليه كما يمشي قتيلٌ إلى قبره، ثقيلاً ثقيلاً… أنا ملاكٌ مهزومٌ بثمرة محرّمة، كان لا بدّ عقاباً، أن يموت جوعاً.

مدونة جوعان

الأوسمة: , ,

5 تعليقات to “خريف الأقوياء”

  1. lib9 Says:

    انها لقصيدة حزن نظمت قوافيها لتشاكي ألم صرخة .. صرخة جائع .. سلمت يداك

  2. القط Says:

    جميل جدًا، خضر.

  3. Doha Says:

    my first here in your blog, and surely not the last !! amazing

  4. bodoor Says:

    النص جميل ويحمل بعداً انسانياً ومشاعردافئة ! دمت وارف المعنى عميق الفكر.. كل الاجلال والتقدير لك أيها العزيز.

  5. mawahib Says:

    موضوع شيق .. جزاكم الله خيرا
    مواهب رياضية مدير موقع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: