Archive for 22 نوفمبر, 2012

مسرحية الاستقلال اللبناني

22/11/2012

خضر سلامة

حدث في مثل هذه الايام من عام 1943، قامت القوات الفرنسية (بالحقيقة كانت قوات سنغالية مرتزقة تنوب عن الفرنسيين في لبنان، ولكن اللبناني لا يهون عليه ان يعترف بذلك ويفضل ان يدعي ان من احتله “أبيض”)، قامت هذه القوات، باعتقال صندوقة بطاطا لبنانية فيها رؤوس كثيرة: بشارة ورياض وسليم وعبد الحميد وعادل وكميل، اقتيد الزعماء (اثنان موارنة، اثنان سنة، واحد كاثوليك وواحد شيعي) دون تمثيل درزي إلى راشيا، بسبب انشغال وليد جنبلاط ليلة الاعتقال بمقابلة مع مارسيل غانم.

على كلٍ، اعتقل القادة اللبنانيون تحت ظروف قاسية، قطع الفرنسيون كونكشن الانترنت عن القلعة وصادرو آيباد الزعماء، واوقفوا خدمات البلاكبيري، فلم يستطع رياض التواصل مع اصدقائه الانكليز، وتم تعذيب الرئيس بشارة نفسياً بمصادرة قبعته والباسه حطة وعقال، ما جعله يشعر لوهلة انه عربي، اما فتى العروبة الاغر، كميل شمعون، فتم وضعه في زنزانة واحدة مع ثلاثة فلسطينيين، ما جعله يعترف بكل شيء، كما لم تسمح ادارة السجن للمعتقلين بمشاهدة آخر حلقة من مسلسل مهنّد، ما دفع منظمة الصليب الاحمر الدولي لمناشدة الفرنسيين بتطبيق معاهدة جنيف، والسماح لمريم نور بزيارة المساجين.

بعد هذه التصرفات الهمجية من الاحتلال الفرنسي، قامت مجموعة من الشباب الوطني اللبناني، بتشكيل أن جي أو، وقدموا طلب تمويل الى الUs aid، نظموا على إثرها ندوة ضخمة، أرعبت القوات المحتلة، أتبعوها بمداخلة على قناة الجزيرة، فضحوها فيها الجنرال ديغول وعرضوا صور عارية له، لم تقتصر المقاومة اللبنانية فقط على تشكيل أن جي أو، بل قامت مجموعة شباب أخرى، بفتح مجموعة على الفيسبوك، دعوا فيها لمقاطعة برج ايفل، والتصويت لمغارة جعيتا، الفنانون اللبنانيون لم يغيبوا عن الحدث، إذ أدت الفنانة صباح ديو مع الفنان انريكيه اغليسياس، ولبس الفنان عاصي الحلاني جعبته العسكرية وركب حصانه وصور فيديو كليب وطني قلن فيه انو لبناني.

Special-PrizeAres-Cuba

بعد هذا التوتر في البلد، وبخطوة تضامنية من الاشقاء العرب، ومع استمرار اعتقال القادة اللبنانيين، قام الملك السعودي عبد الله عبر قناة روتانا، بعد كليب هيفا مباشرة، بتهديد فرنسا بمقاطعة أمراء آل سعود لكازينوهات باريس، واطلقت المخابرات السورية تحذيراً الى السفارة الفرنسية بدمشق من “اعتصام عفوي” يقتحم السفارة فجأة ويحرقها، أما المجلس العسكري المصري فأعلن عن اعتقال اربع اصابع خارجية، وست أيادي خفية، تعبث في الوضع اللبناني.

أما في لبنان، تعرض الرئيس امين جميّل لحالة اغماء لأن الفرنسيين لم ينتبهوا لوجوده ونسوا اعتقاله، واجرى النائب السابق مصطفى علوش، ورئيس حزب البعث فايز شكر، مناورة عسكرية مباشرة على قناة الام تي في، كتحذير للقوات الفرنسية، أما رئيس الاتحاد العمالي غسان غصن، فقد دعا إلى اضراب عمالي اذا لم يتم الافراج عن القادة، ولكن تدخل المفوض السامي الفرنسي نابي برّي، اجبر غصن على الغاء الدعوة، ومع تدهور الاوضاع، قامت فرقة خاصة من رواد بارات الجميزة، بالتعاون مع رابطة رواد المعاملتين، وادارة كازينو لبنان، بعملية كوماندوس، احتلوا على إثرها اذاعة نوستالجي، وبثوا منها اغان لعبد الحليم حافظ.. أمام هذا التصعيد، أعلن الاحتلال السنغالي، الفرنسي، الاحكام العرفية، وقرر بهمجية منقطعة النظير، معاقبة الشعب اللبناني عقاباً جماعياً عبر… اطلاق الزعماء وتسليمهم الحكم، واستلموا منذ حينها، هم وسلالاتهم، حكم الوطن لبنان، حراً سيداً مستقلاً.

أخيراً، يستطيع المعجب بمسرحية الاستقلال، وهذه الكذبة التاريخية الكبيرة، أن يشتري أي نسخة من كتاب تاريخ لبنان، ثم يبله بمياه ساخنة، ويشربها صباحاً على وقع النشيد الوطني، وابحثوا ايها اللبنانيون، في تاريخكم المزور، عن من ينصف المقاومين الحقيقيين الذين اغفلهم لبنانكم هذا: ادهم خنجر، ملحم قاسم، صادق حمزة.. وغيرهم، ممّن استبدلهم التاريخ الكاذب، بحفنة بذلات رسمية، وعملاء وتجار

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

مدنيون اسرائيليون؟

21/11/2012

خضر سلامة

عندما تكون بلادك تحت القصف، وأنت تنام على مجزرة، وتصحو على مجزرة، وتكون صور أطفالك المقتولين معرضاً لوسائل الإعلام الدولية، ويخرج عليك، لسوء حظ هذه البلاد، ناشطون، بين القذيفة والقذيفة، ليستنكروا كل صاروخ يخرج من يد فدائي رداً على ألف صاروخ اسرائيلي، بحجة: لا تستهدفوا المدنيين الاسرائيليين! أو: ما ذنب “أبريائهم” أيها المتوحشون، حين يمر هذا المشهد في يوميات قراءاتك أو متابعاتك، فاعلم أنك تعاصر الدرك الأسفل من الثقافة.

لقد نجح الغرب، بانتاج طبقة مثقفة بهؤلاء الناشطين، عبر أعوام العمل على تعميم فكرة السلام (المباشر والغير مباشر) وتشويه فكرة النضال اللاعنفي إلى ما يؤدي إلى التخلي عن النضال نفسه، وعبر استهداف فكرة الأحزاب والأيديولوجيات إلى أن أصبحت العقائد، أي عقائد، عدواً بالنسبة إلى خريج هذه الورشات، اصبحت هذه الطبقة، بمعظمها على الأقل، جاهزة عند الحاجة دون تحريك، تخرج عند أول معركة مع العدو، لتمارس جلد الذات، لا النقد الذاتي، جلد الذات حرفياً بحق شعبها وفصائله ومقاومته وصموده، متناسية حجم المعركة وأفعال العدو.479961_447691281965518_1859658838_n

اليوم، كما شهدنا في كل معركة، يعود هؤلاء ليناقشونا في منتصف الحرب، وهي عدوان اسرائيلي واضح على غزة، وردة فعل طبيعية انسانية بمقاومة يومية، لا توازي العدو عسكرياً، ولا في حجم الدمار، ليناقشونا في أهداف هذه المقاومة واستراتيجياتها، ويطالبون تجنب الاهداف المدنية، يطالبون ردة الفعل اذاً، بالتعقل، في مواجهة فعل هولاكوي يحرق الحجر والبشر يومياً.

لماذا استهداف المدنيين؟ طبعاً، نبدأ من فكرة أن هؤلاء اصلاً، هم محتلون مباشرون لأرضٍ ليست أرضهم، وهؤلاء، هم جنود احتياط في الجيش الاسرائيلي، وهو جيش الحرب الاسرائيلي لا جيش الدفاع بالمناسبة، وهؤلاء، قاتلون يوميون بشكل مباشر أو غير مباشر، الا اذا استثنينا فئات صغيرة جداً، محدودة أكثر من ما يمكن تخايلها بالحجم، من أناركيين واقصى اليسار، معزولون ومنبوذون في المجتمع الصهيوني، لا يوجد مدنيين في اسرائيل، واذا وجد، ففي حالة الحرب، تنتفي عنهم هذه الصفة، ويصبح من الضروري أن تواجه عدوك بسلاحه، وأن تقف لتقارن حجم الجرائم بحجم فعل المقاومة، وبعدها، حكم انسانيتك، لماذا استهداف المدنيين لأنها رد فعل ضروري أولاً، وأيضاً، لضرب أساس دولة اسرائيل القائم على أنها الحضن الآمن للقومية اليهودية حسب الفكر الصهيوني وبلاد العسل، التي لن تكون بفضل هؤلاء المقاتلين يومياً لصون كرامتهم والثأر لمن قضوا، بنفس سلاح اساتذة الانسانية الحداثوية.

أما حجة أن بعض هؤلاء، مع المقاومة المسلحة ومع اطلاق الصواريخ إلا أنهم ضد استهداف المدنيين، فهو إما جهل عسكري أو مكر اعلامي، كيف يمكن لمقاومة تملك صواريخ غير حديثة، وهامش دقتها ليس بذي أهمية حقيقية، أن تمارس هذا الترف؟ وكيف يمكنها أن تؤلم عدوا يملك من الأنظمة الدفاعية ما يملك حول منشآته العسكرية والحساسة.

مشكلة الناشط العربي، ببعضه المتحضر خصوصاً في ورشات العمل الانسانية أكثر من اللازم، أنه أصيب بمرض الرأي العام الدولي، صار همه وشغله الشاغل، اثبات حضارته للآخرين، عبر جلد شعبه ونقده وعبر التبرؤ من الغريزة الانسانية الأولى: رد الفعل والمقاومة، مقاومة الجوع ومقاومة الموت ومقاومة الاحتلال أيضاً، ومشكلته أيضاً، أنه لا زال يصدق أصلا وجود ما يسمى بالرأي العام الدولي، ومشكلته الأكبر، أنه انفصل انسانياً عن مجتمعه وبيئته وشعبه وقضاياه وتاريخ النضال الوطني، ليتصل بما يراه انسانية أكثر حداثوية، أو بالأحرى، ما يسمى بالما بعد حداثوية.

عزيزي الانساني، من سوء حظك وحسن حظنا، أننا لسنا شعوب هنود حمر، ولن ننقرض، ومن سوء حظك وحسن حظنا، أن بنا نساء ورجال وأطفال، يرضعون فكرة القتال ضد كل “آخر” يستوطي حيطنا، من الحجر الذي يلاحق سيارة المستوطن حين تعبر، إلى العبوة التي تنسف باصه لتفهمه أن هذه الشوارع لن تمد لسانها لشوارعنا المدمرة، إلى الصاروخ الذي يخرج من فوق ركام طيارات، ممولة بنفس من يمول وسائل الاعلام الحضارية، والمطاعم الحضارية، وورشات العمل الحضارية، والمؤتمرات الحضارية، وطبعات حقوق الانسان الحضارية.

تحية للمقاومة الفلسطينية، وسلام على روح كل مدني وفدائي فلسطيني، اغتالته اسرائيل، وخيانات بعض العرب أيضاً.

مدونة جوعان

الحرب على الكوكب

01/11/2012

خضر سلامة

السيد، كوكب الأرض المحترم، بكامل أناقتك، بكامل لياقتك الحضارية

تحية طيبة، وبعد

نكتب إليك من بلادي، حيث لا تشرق الشمس إلا في ما ندر، وحيث لا نراها، إلا إذا استراح الطاغية قليلاً، لنخرج من ظله إلى الضوء، من البلاد التي تحفرون بصدرها، لتأخذوا النفط، فلا يبقى في الصدر حليب للأطفال، من هذه البلاد التي فقدت عراقاً، وفلسطيناً، وتحاول أن تتمسك بشيء من سورية.

نكتب، نحن، هذه الكائنات الحية الغريبة التي لا تعرف أنت أسمائها، بل أرقامها، تعرفهم بالمئات في حلب، بالآلاف في بغداد، وبعدّاد معطوب في غزة، نحن، لا يعنينا الطابور الخامس، إلا إذا كان على باب الفرن، ونفهم الطرف الثالث على أنه الطرف الاصطناعي الضروري لقدم بترت، أو يد طارت كورقة، نحن الوجبات الجاهزة لكل مؤامرة تنسح، نحن الذين لم نعرف من الديمقراطية، غير فاتورتها التي ندفعها آخر الشهر من مقدراتنا، وأرواحنا، وأحلامنا.

397076_2987252833097_1774874134_n

السيد، الكوكب المحترم،

نحن من لم يحترمنا أحدٌ يوماً، يبصقون علينا في المطارات لأن لنا جداً ألف كتاباً، فأحرقناه كي لا يجبرنا على تعلم القراءة، ولأن لنا صبيةً سمراء كبرت، ونضج ثديها فخفنا من حليب النثر، فبعناها للموت بحجارة الرجم، يبصقون علينا لأننا حين وجدنا مسامير كثيرة في قبو التاريخ، تسلينا بدقها في أيادي الفلاسفة كي يخنقهم عرق جبينهم.

تعال أحدثك قليلاً عن معنى الصحراء، الصحراء أيها المتخمون بالفرح، بالحب، بالسهر والغناء، ليست المساحة الصفراء الكئيبة على الخريطة، بل هي القلب حين تفتحه، ولا تجدون فيه غير الرمل، الصحراء هي المحبرة التي يوزعها علينا معلم اللغة العربية، كي لا ينبت الأقحوان فوق قصائدنا، وكي لا نخترع لغماً مجازاً، يثقب بحار الشعر ليعيد تنظيفها من نفايات التاريخ، الصحراء، ليست الأرض القفر، بل هي النفَس الصفر، حين أضع يدي على فمي، فلا تجرحني حرارتي، بل يقتلني بردي، وموتي.

هل حدث، وأخبرك أحدٌ عن النخل؟ أنا لا أعرف النخل، كلما ركضت خلف واحدة، اكتشفت حين أعانقها أنها شوكٌ يجيد فن التنكر، فجرحتني، كلما واعدت نخلةً على كأس، مددت يدي تحت فستانها لأكتشف أنها لا تجيد التمر، ولا تطرح غير الحجارة، فتكسرني. لا نخل في بلادي، أخالها صلباناً ترتفع حولنا، كل واحدة تنتظر شاعراً يعلقه النظام، أو تعلقه الثورة.

أيها الكوكب الجميل اللعين،

كيف تقضي نهارك العادي؟ نحن لا نعرف كيف يكون طعم الغداء بدون قذيفة تغير طعم اللقمة في فم الأب، وشكل رأسه أيضاً، ولا نعرف لون الفجر بدون غارة حربية، تدق جرس المدرسة ليقوم الأطفال إلى قبورهم، لا نعرف من حقوق المرأة إلا حقاً بدائياً: حقها في البكاء لأن حارس الشرف العربي، فضّل أن يكوي وجه ابنها ليعلمه الأشغال اليدوية.

يا، أيها الكوكب الغليظ الشكل، إلى أين نلجأ حين نتعب من كل شيء؟ إلى أين نلجأ حين لا ينفعنا الهروب إلى البحر، لأن في البحر مصيدة الغرق، ولا نجد فسحة في التراب، لأن المقابر كثيرة، ولأن جنودنا يخبؤون وجههم في ما تبقى من أرضنا، ولا إلى السماء، لأن الله أوكل لملائكته مهمة رمي المتسخين بالحزن عن درج الغيم، إلى بيوتهم، كي لا يوسخوا بلاط الجنة.

وأنا متعب، أصغر شيء صار يتعبني، فكيف يفعل الوطن إذاً؟

كيف أفعل مع هذه الأحزان، وأنا لا زلت أراهن، أن ثمة مخبول سيخرج يوماً ما، ليفخخ قفا الكوكب، وينسفه بمن فيه، فيكمل الكون نهاره غير مبالٍ.

كيف أفعل مع هذا الغضب، وأنا أحتاج إلى حذاء من نار، علني أركل كوكب الأرض في خصيتيه، فيتوقف عن الزنا بخريطة المجرة.

كيف أفعل مع هذه الحاجة الملحة للثأر، وأنا لا أملك رقم هاتف هرقل، لأقنعه أن يرمي عن كتفيه الكوكب، ليتدحرج تحت قدميّ جهنّم فيذوب.

لا، لا أريد حزناً، ولا ثأراً، ولا غضباً، أعرف ماذا أحتاج، أريد إلهاً عادلاً واحداً، يهزّ الكوكب قليلاً، فينام المتعبون.

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: