مدنيون اسرائيليون؟

خضر سلامة

عندما تكون بلادك تحت القصف، وأنت تنام على مجزرة، وتصحو على مجزرة، وتكون صور أطفالك المقتولين معرضاً لوسائل الإعلام الدولية، ويخرج عليك، لسوء حظ هذه البلاد، ناشطون، بين القذيفة والقذيفة، ليستنكروا كل صاروخ يخرج من يد فدائي رداً على ألف صاروخ اسرائيلي، بحجة: لا تستهدفوا المدنيين الاسرائيليين! أو: ما ذنب “أبريائهم” أيها المتوحشون، حين يمر هذا المشهد في يوميات قراءاتك أو متابعاتك، فاعلم أنك تعاصر الدرك الأسفل من الثقافة.

لقد نجح الغرب، بانتاج طبقة مثقفة بهؤلاء الناشطين، عبر أعوام العمل على تعميم فكرة السلام (المباشر والغير مباشر) وتشويه فكرة النضال اللاعنفي إلى ما يؤدي إلى التخلي عن النضال نفسه، وعبر استهداف فكرة الأحزاب والأيديولوجيات إلى أن أصبحت العقائد، أي عقائد، عدواً بالنسبة إلى خريج هذه الورشات، اصبحت هذه الطبقة، بمعظمها على الأقل، جاهزة عند الحاجة دون تحريك، تخرج عند أول معركة مع العدو، لتمارس جلد الذات، لا النقد الذاتي، جلد الذات حرفياً بحق شعبها وفصائله ومقاومته وصموده، متناسية حجم المعركة وأفعال العدو.479961_447691281965518_1859658838_n

اليوم، كما شهدنا في كل معركة، يعود هؤلاء ليناقشونا في منتصف الحرب، وهي عدوان اسرائيلي واضح على غزة، وردة فعل طبيعية انسانية بمقاومة يومية، لا توازي العدو عسكرياً، ولا في حجم الدمار، ليناقشونا في أهداف هذه المقاومة واستراتيجياتها، ويطالبون تجنب الاهداف المدنية، يطالبون ردة الفعل اذاً، بالتعقل، في مواجهة فعل هولاكوي يحرق الحجر والبشر يومياً.

لماذا استهداف المدنيين؟ طبعاً، نبدأ من فكرة أن هؤلاء اصلاً، هم محتلون مباشرون لأرضٍ ليست أرضهم، وهؤلاء، هم جنود احتياط في الجيش الاسرائيلي، وهو جيش الحرب الاسرائيلي لا جيش الدفاع بالمناسبة، وهؤلاء، قاتلون يوميون بشكل مباشر أو غير مباشر، الا اذا استثنينا فئات صغيرة جداً، محدودة أكثر من ما يمكن تخايلها بالحجم، من أناركيين واقصى اليسار، معزولون ومنبوذون في المجتمع الصهيوني، لا يوجد مدنيين في اسرائيل، واذا وجد، ففي حالة الحرب، تنتفي عنهم هذه الصفة، ويصبح من الضروري أن تواجه عدوك بسلاحه، وأن تقف لتقارن حجم الجرائم بحجم فعل المقاومة، وبعدها، حكم انسانيتك، لماذا استهداف المدنيين لأنها رد فعل ضروري أولاً، وأيضاً، لضرب أساس دولة اسرائيل القائم على أنها الحضن الآمن للقومية اليهودية حسب الفكر الصهيوني وبلاد العسل، التي لن تكون بفضل هؤلاء المقاتلين يومياً لصون كرامتهم والثأر لمن قضوا، بنفس سلاح اساتذة الانسانية الحداثوية.

أما حجة أن بعض هؤلاء، مع المقاومة المسلحة ومع اطلاق الصواريخ إلا أنهم ضد استهداف المدنيين، فهو إما جهل عسكري أو مكر اعلامي، كيف يمكن لمقاومة تملك صواريخ غير حديثة، وهامش دقتها ليس بذي أهمية حقيقية، أن تمارس هذا الترف؟ وكيف يمكنها أن تؤلم عدوا يملك من الأنظمة الدفاعية ما يملك حول منشآته العسكرية والحساسة.

مشكلة الناشط العربي، ببعضه المتحضر خصوصاً في ورشات العمل الانسانية أكثر من اللازم، أنه أصيب بمرض الرأي العام الدولي، صار همه وشغله الشاغل، اثبات حضارته للآخرين، عبر جلد شعبه ونقده وعبر التبرؤ من الغريزة الانسانية الأولى: رد الفعل والمقاومة، مقاومة الجوع ومقاومة الموت ومقاومة الاحتلال أيضاً، ومشكلته أيضاً، أنه لا زال يصدق أصلا وجود ما يسمى بالرأي العام الدولي، ومشكلته الأكبر، أنه انفصل انسانياً عن مجتمعه وبيئته وشعبه وقضاياه وتاريخ النضال الوطني، ليتصل بما يراه انسانية أكثر حداثوية، أو بالأحرى، ما يسمى بالما بعد حداثوية.

عزيزي الانساني، من سوء حظك وحسن حظنا، أننا لسنا شعوب هنود حمر، ولن ننقرض، ومن سوء حظك وحسن حظنا، أن بنا نساء ورجال وأطفال، يرضعون فكرة القتال ضد كل “آخر” يستوطي حيطنا، من الحجر الذي يلاحق سيارة المستوطن حين تعبر، إلى العبوة التي تنسف باصه لتفهمه أن هذه الشوارع لن تمد لسانها لشوارعنا المدمرة، إلى الصاروخ الذي يخرج من فوق ركام طيارات، ممولة بنفس من يمول وسائل الاعلام الحضارية، والمطاعم الحضارية، وورشات العمل الحضارية، والمؤتمرات الحضارية، وطبعات حقوق الانسان الحضارية.

تحية للمقاومة الفلسطينية، وسلام على روح كل مدني وفدائي فلسطيني، اغتالته اسرائيل، وخيانات بعض العرب أيضاً.

مدونة جوعان

الأوسمة: , ,

7 تعليقات to “مدنيون اسرائيليون؟”

  1. Anonymous Says:

    لأنّ صديقي خضر.. كان لائقاً بما فيه الكفاية فلم يشهر بي على أنني صاحب “التدوينة العميلة” ولأنني أعتقد بأنّ الصديق المدوّن قد فسّر النص على مزاجه، أطلب من حضرة القارئ أن تكون لك كلمة الفصل في معرفة علامَ يرد خضر:

    رسالة إلى ناشط (2):يلعن ربّك.. ما تنطر المجزرة لتبيّن
    http://ow.ly/ft6ct

    آملاً أن يتقبل الناشر برحابة الصدر هذا التعليق!

  2. عبير Says:

    النازية ولدت الصهيونيّة والصهيونيّة ولدت الإسلام السياسي، والإسلام السياسي سيلد لنا تاريخًا قادمًا سيسمّيه اللاحقون: العصور الوسطى العربيّة.

  3. RabihAmhaz Says:

    عزيزي الناشط المدني في إسرائيل المدني مدجج بطائرة حربية !!
    والأصعب مدجج بحقد ما له من حدود يمكنه من قتل طفل رضيع ! وهذا ما رأيناه ! حتى لا تكذب من نقلنا هذه الأخبار !
    إذاً عن أي مدنيين تتكلم ؟ اسرائيل مقسمة بين متطرف وسط ومتطرف سوبر !!

    شكراً خضر على هذا المقال فشيتلنا خلقنا !!

  4. خربوش Says:

    هؤلاء الذين تتحدث عنهم لا احد ينصت لهم ..فقط هم ينصتون لانفسهم .
    والحمدلله انهم قله..
    عندما تقرأ ما يكتبون تدرك تأثرهم بالافكار الغربية التي يريدون فرضها علينا .يريدون ان نقاوم صواريخ اسرائيل ربما بالقلم او عن طريق المجتمع الدولي .
    اريد ان اقول ان حتى الدول الغربية ما زالت كلمة عدوّ تحمل نفس المعنى الذي كانت تحمله منذ بداية البشرية ..وان هزيمة العدوّ لا تكون الا بالقتال .فاذا كان هؤلاء الكتاب جبناء لا يقاتلون حتى بورقة وقلم ,فليصمتوا ويتركوا الشجعان والمقاومين بحالهم .

  5. amorethoxin Says:

    بين أن نبتهج لصواريخ المقاومة وأن نفرح لقتل الناس العزّل في إسرئيل، هناك خطّ رفيع. حتّى لو كان كلّ إسرائيلي جندي في جيش الحرب، إن كان أعزلاً أثناء المواجهة فلا يحقّ لك قتله. هذا شرع الله قبل أن يكون شرع حقوق الإنسان.

    بين أن نكون مقاومين وأن نفقد إنسانيّتنا، هناك خط رفيع. أنا أفرح لإنتصار المقاومة من دون أن أفرح لسفك دماء، أيّ دماء. أفهم أنّ هذه الدماء ضرورية لإقامة توازن الرعب، لكن لا أفرح لسفكها، لأنها تجعلني أقرب إلى المسخ اللاإنساني الذي أنا أحاربه أصلاً.

    حذار عندما تحارب مسخاً، أن تصبح أنت مسخاً.

  6. عمليات المقاومة، الأخلاقيات وواقع المعركة « بلد التستوستيرون… وطن في طور النمو Says:

    […] مدنيون اسرائيليون؟ […]

  7. حافلة “يافا”… ومقاومة المُحتل « بلد التستوستيرون… وطن في طور النمو Says:

    […] مدنيون اسرائيليون؟ […]

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: