مخيم اليرموك

خضر سلامة

صرخت بحارة الفقراء خلف مخيم اليرموك يدعوكم أبو ذر إلى عقد اجتماع جائع لتدارس الأوضاع – مظفر النواب”

على كتف دمشق، قرب أبي جهاد، ينام أبو أيمن، يمسكان الذاكرة الفلسطينية من طرفيها، وحين سيأتي الشهداء الجدد من اليرموك إلى المقبرة، سيتفاجأ الرجلان بأن أحداً من هؤلاء الجدد لم يمت برصاصة اسرائيلية، ولا بتعب في العمر، بل بنيران “صديقة” جداً.

تصعد الطائرة في السماء، والميغ، أخت شرعية للفانتوم، ورفيقة سلاح للأف 16، تخدش وجه الغيمة الأخيرة التي لا زالت تؤمن بحقنا نحن العرب في المطر كأي بشر آخرين، وتطردها من هنا، كي لا ينبت حقل جديد يزود الشعراء بفكرة جديدة، تحوم الطائرة كذبابة سوداء حول أطفالنا الوسخين، وذاكرتنا المخضبة بالدم، وتنتقي الطرف الأشهى من جلدنا لتقصفه: مخيم اليرموك.

يحمل اليرموك جثته ويحاول أن يرحل، يحاول أن يقنع الجنود المتقاتلين على ما تبقى من سورية، أنه كبر في العمر ولم يعد يقو على القتال، يرجوهم أن يتركوا ما بقي من الوصايا، ومن الشعب، ليكملوا نهاراً واحداً بدون قتيل، ولا يقتنع الجيش، وحدة، حرية، اشتراكية: وحدة المقبرة بين اللاجئ والنازح، حرية انتقاء الصاروخ لمساره، اشتراكية الجميع في نعش واحد، الأرض نعشنا.. فيما من يريد الحرب لأجل الصلاة، سيكتشف متأخراً، أن لا صلاة ستقام في هذه البلاد إلا صلاة الميت.382099_566658993350510_1399894940_n

لم أشاهد نشرة أخبار واحدة، لم أعرف من تبنى ومن نفى ومن اتهم ومن استنكر، قرأت في العيون وفي البكاء كتابة، وقرأت في قصائد شعراء الماضي نبوءات الدم، قرأت في اتصال القضية بالقضية، واللحية بالسيف، والشارب الحاكم بالمدفع، قرأت في صلاة قادة جيشنا في معسكر الأعداء، وإمامة العدو لمراسم الحج، قرأت في الحروب الكاذبة وفي أصابع الجنود المنتصرين على أنفسهم، والمهزومين أمام كل آخر، قرأت في التكبير لقطع رأس، وفي الجزمة العسكرية لقطع نفس، قرأت في كل ذلك ما يكفيني أن أصوم عن الحزن، وأن أتهمنا أننا أصبحنا أكثر من تمساح يبكي قتيله: صرنا زواحف مهددة بانقراض عواطفها.

في اليرموك صورة مصغرة عن قضية كتب من كتب لأجلها، وقاتل من قاتل لأجلها، وناضل من ناضل لأجلها، في اليرموك صورة مصغرة عن حلم العودة وقبر لمن غدره النوم على الطريق، في اليرموك قصة ناس بسطاء، عمروا حلماً جميلاً وسط الشتات، ومثال لمن أراد أن ينأ بنفسه عن المجزرة والمعارك العبثية، فشده المدفع من أذنيه إلى المعركة، وأراد تاجر السياسة تصفية حساباته قبل نهاية السنة: هات من دمك يا مخيم ثمن شعاراتي القديمة.

لأن العالم سكت عن القتل في مخيم البقعة بالأردن، ولأن العالم سكت عن القتل في مخيم تل الزعتر بلبنان، ولأن العالم سكت عن القتل في مخيم جنين بفلسطين، لن يكون لمخيم اليرموك حيزاً كبيراً من البكاء اليوم. يكفي أن تبدأ القصة بكلمة مخيم، كي يلتفت الكوكب لخبر آخر.

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

الأوسمة: , , ,

2 تعليقان to “مخيم اليرموك”

  1. مجد Says:

    دخيل ربك يا خضر يعني لما السلفي بيكون فلسطيني ببطل يكون سلفي وصرخات “الله اكبر عالجهاد” بتصير صيحات مقاومة! السلفي سلفي شو ما كانت جنسيته. ويللي بدو يحيي عالجهاد يروح يحيي ببيت ابوه. واذا فعلا انت مقتنع انو هدول ثوار الحرية ورافعين سلاح ومستعدين يضحوا بحالون, هي فلسطين شلفة حجر يروحو يثورو ع كيفون ويضحوا ولا نسيوا القضية وفلسطين والتفتوا للجيش السوري بسوريا!

  2. مجد Says:

    ليس لمخيّم اليرموك إلا الجيش الحرّ, وليسقط القتلة والرماديون والمكتفون بالندب.. والله محيّي المقاومة السورية!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: