ليليث

خضر سلامة

ليليث هي المرأة الأولى في التوراة، قبل أن يخلق الله حواء من ضلع آدم، خلق ليليث من طينه، فرفضت أن تنصاع لآدم لأنها اعتبرت نفسها مساوية له، فغضب الله عليها وخلق حواء من ضلع مخلوقه، لتكون منصاعة لآدم.. ومن حينها أصبحت ليليث تمثل المكر، وأصبحت رمزاً لبعض الحركات النسوية.. أما في منطق المدينة، فالضاحية، كل ضاحية، هي ليليث، بكل طباعها.

لماذا لا يجيد أحد أخذ صورة فوتوغرافية جيدة للضاحية؟ لماذا يفشل الشاعر في قطف القافية المناسبة لأصوات أبواق الصباح، ويفشل الشاتم في انتقاء الشتيمة المناسبة لزحمة المساء، ويفشل الموسيقي في اختراع اللحن المناسب لرقص سلال الخضار وأقفاص الفقراء؟ لماذا تقف اللغة، أي لغة، عند أبواب الضاحية، كل ضاحية؟ يتقن الجميع عقد ضفائر المدن، وأخذها في نزهة فوق ورقة، أو لوحة، المدينة امرأة سهلة الطباع، حواء مطيعة خاضعة لعصا بوسايدون حين يقفل بموجه باب شرفها، تذوب كأي خد بين شفتي عاشق ماهر، وتضع اسماء الأغنياء وشما على شوارعها، أما الضاحية فليست حواء، كل ضاحية هي ليليث، هي المرأة الأولى الممنوعة من الصرف في قصص الأطفال، والتي يلبسها شيوخ الإعلام ما يلبسه شيوخ التوراة لليليث، هي المرأة الغابة، التي عمر حولها كفار المال سياجاً من شوك، لأنهم يخافون على الباطون والاسفلت من ورد شرفاتها.

ضاحيتي هي ليليث، تدخن في الليل لفافة خضراء مع مارلي وتغني أغان لا يعرفها غير صغار العشاق، قبل أن يحرجها آذان الفجر فتخفي قناني الكحول من أيدي شياطينها الصغار، مخافة من عيون الأمهات لا من أسلحة ولا من لحى، هي هذه الشقية الصغيرة، شعر فتاة يقيسه كل بحسب حظه في الشارع، قد يختبئ في ظل عباءة تبشر بالحزن العتيق، قد يكتنز أنوثة تحت حجاب ضيق كباقة فل مقفلة على عطرها، وقد يطل من نافذة قوس قزح، معلق فوق جبين امرأة لا تخجل بليلها الطويل.

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف هوياتها القاتلة، أعرف المسافة بين الشارع والشارع كيف تقاس باسم القرى، ضاحيتي عنقود القرى، لم تصنع بؤسها، بل أُلبسته بقوة نظام سافل، كانوا يغتالون القرى بقناص اسرائيلي حيناً، وبقناص سياسة أحياناً، يتركونها للغول يأكلها قتلاً، جوعاً أو قذائف، ومن فرط ما تعبت قرانا من هم بلدنا الظالم، تقيأت أوتار عود على صدئ المدينة، فنبتت ضواحينا… ضاحيتي عنقود القرى، قطفتها يد الإهمال والعنصرية.Picture

لا أعرف من الضاحية الكثير، غير أني أعرف شهداءها، أعرف من قاتل في خلدة، حين هربت المدينة بحروبها الكثيرة من وجه المحتل، وأعرف من قاتل على ابواب حي السلم، حين سالم الجميع وسلّم، وأعرف من كان يحمل غلة كتبه، ليجول على البيوت يقرأ فيهم آيات الثورة باسم لينين وباسم سعادة وباسم الصدر وباسم الخميني، تتكاثر الأسماء حولهم، ربما، لكن وقودهم واحد في هذه الأرض، وقودهم من عجن بألعاب الشارع في طفولته، وبأوساخ الوطن في مراهقته، وبطين الانتماء في شبابه، أعرف أسماء شهداءها، كلهم مروا من هنا، بعضهم قتل بجانب ما تبقى من حقول لم يكنسها العمران، وبعضهم علق على مشنقة الدولة حين كانت لا تدخل إلا بدباباتها وأسلحتها، وبعضهم قتل وهو ينظر في وجه العلم الرث: لم تسقط الضاحية بعد، لا ببارجة الأسطول السادس، ولا بحريق ساعر أيضاً.

لا أعرف من الضاحية غير وجه أفتقده، وجه معفر بالتراب، أخفته قشرة المال الذي انفجر كعبوة ناسفة قبل سنوات، ألبست الفقر ثياباً فاخرة، وبقي الجسد متسخاً بإرث ثقيل من الحقد الطبقي والمناطقي وقد يجوز، الطائفي، لأن هذا البلد لا يترجم الصراخ والبكاء والمظاهرات إلا باللغة الطائفية الفصحى، عمروا حول المبان المتهالكة مبان تخفي قلب الضاحية وصورتها.. أخفوا السيارات المتعبة بالعمر الطويل، خلف صفوف السيارات الحديثة التي تحاول عبثاً، أن تعوض على العاطل عن العمل، وعلى المحتاج وعلى المديون، نظرة الكوكب إليه.. ليليث هنا، تكمن خلف عواميد الإنارة المحكومة بالاعدام منذ عقود، تقفز إلى كرسي فارغ بين كراسي الشباب الموزعين خلف أراكيلهم عند ناصية الشارع.. ليليث ليست كافرة، ليليث ليست آلهة شر ولا شيطان، ليليث هي إقليم طالب بحق له عند ربه، ولما غضب الاله وظلم، كسرت كأي طفلة تحف الجنة وهربت إلى الأرض.. وعلى هذه الأرض بصمات ليليث وثورتها، وخيباتها وبؤسها، وفتنتها وشهوتها وتجاعيد عمرها أيضاً.

عشوائيات حي السلم والأوزاعي، سوق حي معوض المخملي، زحمة حارة حريك ووهرة الأمن الذي لا يرى فيها، سهرات الخمر الخجول من الناس في حي ماضي، خبز قرى الشياح لما يجمع الأقحوان من أغاني البؤساء، رائحة السلاح الذي لا يراه أحد، ويحبه الجميع، جماهير تسير إلى الجنة أو إلى النار، طوعاً، نساء يتخفون في دين أو لا يتخفون، أحزاب لا يختزلها أحد، صراخ بعكس التيار الطاغي لم يجابه يوماً بإرهاب حزبي، صور لرئيس ولسيد ولإمام ولمغن ولمناجل ومطارق بقيت على الحائط، مساجد تتكاثر كما تتكاثر المقاهي، مجمعات ثقافية تطرق واقع المنطقة وتبشر بغد أجمل.. ضاحيتي خالية من محلات الكحول، وفي الليل تأخذ بيد أبي نواس إلى “أم جورج” في الحدث لانتقاء كأس الليلة..

ضاحيتي هي ليليث بكل تناقضاتها، بكل جنونها، بكل كذبها وحقيقتها: كل ضاحية هي الأجمل، إلى أن تتوب المدينة عن نفطها.

هكذا أحب الضاحية: شهية كرغيف خبز، ساخنة كامرأة، ك”ليليث”!

مدونة جوعان على الفيسبوك

*الصورة بعدسة الصديق احمد قمح

الأوسمة: , , , , , ,

7 تعليقات to “ليليث”

  1. مربع أمني الخاص (@HYswanlake) Says:

    الشاعر الكبير هو من يجعلني صغيراً حين أكتب … وكبيراً حين أقرأ! محمود درويش

  2. ibrahimlkhalil Says:

    لنا ضاحية العزَّة ولهم ضاحية خبثهم وحقدهم ذو الوجه القبيح.
    كما العادة، كتبت فأجدت ومن السياج الشائك استولدت أجمل الورود شكلاً وأطيبها رحيقاً، فكنت أنت بكلماتك، الإبن البار للضاحية المغبونة ببعض أبنائها من ناكري الفضل الجميل، وبنات لاهثات خلف حفنة من المال بكتابات مأجورة، ففاق عهرهن عار المومسات بين الأزقة.

  3. janbein Says:

    رائع

  4. rula Says:

    أكثر من رائع….تجذبنا بمفرداتك الى الضاحية التي لا نعرفها لتحولنا الى جزء منها

  5. عايدة محمود Says:

    كلماتك تنساب كما نسيم الصباح سلسة نقية محملة بقطرات الندى الصافية

  6. هنا الضاحية | جوعان... مواطن ضد الأنظمة المزورة Says:

    […] اقرأ أيضاً: الضاحية – ليليث […]

  7. amale omar Says:

    رائع خضر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: