عنصرية الدولة لا الشعب

خضر سلامة

لا يمكن أن تمر نفحة عنصرية في البلد، دون أن يكون للإعلام اللبناني يد فيها، جريدة اليمين اللبناني الرسمية، النهار، تنطحت بالأمس لإعداد تقرير مصور مع عدد من مواطنين تم انتقاء ردودهم جيداً، واختيروا من منطقة واحدة معينة، لافتعال أزمة مباشرة بين المواطن السوري واللبناني في لبنان، فيديو استثار موجة غضب لبنانية وسورية، واتهامات شملت الشعب اللبناني بشكل عام بالعنصرية.

الفيديو يظهر إذاً عينة من شباب لبناني بأعمار صغيرة، يحملون اللاجئين السوريين مسؤولية أزمات الأمن والاقتصاد والسير في لبنان! ويظهرون مخاوف مزعومة – تستر طائفية كبرى أيضاً – من الانتشار السوري الضخم نسبة لمساحة وعدد سكان البلد، فما حقيقة الموقف اللبناني العام من اللجوء السوري؟

لا شك أولاً، أن عقلية الكيان اللبناني قامت منذ منتصف القرن الماضي على فكرة التفوق اللبناني على المحيط، عقلية رعاها الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي قبل الحرب الاهلية، الذي ربط لبنان بالثقافة الغربية، لا الشرقية، هذه العقلية التي عززتها اقتصاديات الخدمات والتجارة ما قبل الحرب، واقتصاديات التهجير المتعمد للكفاءات المهنية والفكرية ايضاً، بدأت بالانحسار مع كوارث الحرب الأهلية وما بعدها، وإن بقيت بالإرث الطائفي المحمول بين الطوائف وانعكاساتها الطبقية من جهة، وأيضاً، ثقافة اللون والعرق والهوية الموروثة. ولكن، ماذا عن السوري تحديداً؟lebanon

أزعم هنا، أن معظم الشعب اللبناني لا يتعاطى بعنصرية مع الوافد السوري، وأن ما يعلو على الإعلام، ليس سوى خطاب سياسي إعلامي عالي اللهجة يحاول التمترس بالتجييش العنصري لغايات انتخابية جماهيرية لا أكثر، كحال اليمين المسيحي (عون مثلاً)، وأن العينات المأخوذة لا تعبر سوى عن أزمة طبقة معينة وجهل شديد، متمركز في أطراف المدن، لا ضواحيها ولا مركزها، فمثلاً، لا يمكن أن نقبل أن نعترف أن هناك عنصرية بالمعنى الجاد للكلمة، في شمال لبنان أو في البقاع، هاتين المنطقتين، متصلتين تاريخياً بالعمق السوري، بل ومنتمية اجتماعيا واقتصاديا لسورية على مدى العقود الماضية، أكثر من انتماءها للبنان، بسبب السياسة الرسمية العلنية بإهمال هذه المناطق، تتصل العشائر ببعضها، والعائلات، واقتصاد الزراعة والتهريب، ما لا يسمح بنشوء أي عنصرية بين اللبناني والعنصري في تلك المناطق تحديدا، لذا نراها الأكثر استيعابا للاجئين السوريين من الطبقات البسيطة الأدنى، لما من علاقات تاريخية بين سكان تلك المناطق تحديدا.

في بيروت، ومراكز المدن بشكل عام والمساكن الفاخرة، ينتشر السوريون أبناء الطبقات البرجوازية العليا وما فوقها، كالحمرا مثلاً، وهناك، لا نلاحظ أي عنصرية، وهي هنا تفسيرها واضح: الغاية الربحية عند التاجر هي فوق أي انتماء عنصري أو عرقي أو هوياتي، فالسوريون النازحون إلى تلك المناطق هم التعويض العلني عن غياب السائح في هذه الأزمة الكبيرة التي تعيشها المنطقة.

ونعود إلى مثال فيديو النهار، الفيديو العنصري الذي يظهر عينات مختارة إذاً، اعتمد على منطقة معينة، يقطنها أيضا سوريون ينتمون إلى الطبقات الوسطى تحديدا، لهذه المنطقة كبعض المناطق الأخرى في البلد، تاريخ سيء مع الوجود السوري تمتد إلى الحرب الأهلية ومواجهات اليمين والجيش السوري أيام حافظ الأسد، مرورا بالخطاب العنصري الذي تعزز بعد الحرب ضد الجندي السوري على سوريته، لا على انتماءه العسكري، ومن ثم، مشاركة هذه المنطقة الفاعلة في 14 آذار وما حوتها هذه الظاهرة السياسية من خطاب ما فوق عنصري تجاه أي وجود سوري وتحميله مآسي البلد كلها.. إلى أن وقعت في حضن الخطاب الإعلامي المتجدد اليوم لغايات طائفية سياسية معلنة ومستترة، ولا نستثن من هذا الاتهام بزرع العنصرية، الخطاب الموجه إلى مناطق أخرى، حول المخاطر الأمنية للاجئين السوريين من حيث تحميلهم وزر نوايا غير مثبتة إلى الآن، بالتحول إلى وقود لحرب أهلية جديدة على أساس تعويض النقص الديمغرافي في فكرة المقاتل السني تحديدا، وما أنتجته من ردود فعل حذرة ومتوجسة، وأعني لدى الشيعة، عوضها إلى الآن، قدرة الضاحية مثلا، على استقبال أكثر من مئة ألف سوري تبعا للعاطفة السياسية التي تصل الشيعية السياسية اللبنانية بالعمق النظامي في سورية وشعور مستمر إلى الآن، بالشكر لوقفة الشعب السوري أيام حرب تموز. كل هذه المراحل العنصرية الناشئة او المتقدمة، الموجودة لا شك، سواء ببعد ثقافي او تاريخي او انفعالي طائفي او خوف مستقبل، علاجها يكون علاجا تاريخيا ثقافياً لا صداميا: سبب أزمات البلد هو البلد نفسه، دولته والسياسيون الذين اخترتم، أزمة الاقتصاد أزمة ثقافة الفساد فيكم، ازمة السير يومية، أزمة الأمن مسؤولية قواكم الأمنية المتراخية.. الخ.

إذاً، العنصرية في لبنان موجودة ولا شك، وتبلغ أقصى قمتها في عنصرية اللون مثلاً، ولكنها لا يمكن أن تكون صفة شمولية ولا معممة في حالة العلاقة مع سورية مثلاً، يستقر اللاجئ السوري في لبنان في القرى والمدن دون حوادث جماعية يمكن أن تتحول إلى مادة حقيقية للعلاج، لا بل وأن بعض الخطاب الاعلامي الذي يحاول إدعاء عكس ذلك، هو متهم بمحاولة افتعال ردود فعل عنصرية “بالقوة” غير موجودة إلى الآن. العنصرية الوحيدة التي يمكن تشخيصها، هي العنصرية الرسمية: عنصرية السلطة الحاكمة معارضة وموالاة، والتي تظهر من خلال إهمال الحكومة لدورها في القيام بالواجبات التي تنص عليها الشرعات الدولية بحق اللاجئين من جهة، ودور بعض المعارضات في التحريض الطائفي واستثمار العامل السوري لغايات خلق توازن قوة، عنصرية قوى الأمن، عنصرية الإعلام الذي يحاول خلق مشكلة ليخلق خبراً، وأيضاً، تظهر العنصرية البغيضة في رفض المنظمات الدولية إلى الآن تحمل واجباتها المعتادة، لغايات في نفس مموليها على الأغلب.

وأزيد على ذلك: لا لاجئين سوريين في لبنان، بل أخوة تاريخ وجغرافيا، ومن يراجع تاريخ هذه القبائل والعشائر والطوائف اللبنانية، سيفهم أنها متصلة سواء دينيا او اجتماعيا او قبلياً بسورية، ومن يراجع ولادة هذا الكائن اللبناني السياسي ككل، لا شك سيكتشف عمقه السوري واستحالة حياته الاقتصادية والسياسية بدون الظهر السوري، لذا، فلنكن على مستوى التحدي الغرائزي الذي يراد له أن يكون مفتاح تفجير المنطقة، ولنجعله واقعاً أكثر منطقية: السوري واللبناني مجبوران بزواج لا فكاك منه.. واسألوا المواطن السوري – اللاجئ مار مارون!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: , , , , ,

رد واحد to “عنصرية الدولة لا الشعب”

  1. malak Says:

    Reblogged this on Lebanese Chronicles;.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: