أسطورة الاصلاح في لبنان

خضر سلامة

في ذروة الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان، وسط غلاء معيشة فاحش وارتفاع نسبة الاعتماد على الديون المصرفية في جميع القطاعات: السكنية والمهنية والاجتماعية، يطالب الكثيرون باصلاح اقتصادي. فما هو الاصلاح المطلوب في دولة هشة، كلبنان؟

منذ قيام الجمهورية اللبنانية الحديثة المولد، قامت الدولة على شكل محاصصات طائفية في جميع قطاعاتها، وكان الشكل الاقتصادي الأساسي هو الخدمات، السياحة والتجارة (ترانزيت، استيراد واعادة تصدير، وكالات حصرية) والخدمات المصرفية. اقتصاد خدماتي، يقوم على الزبائنية المتبادلة، بين مجموعة عائلات اقتصادية سيطرت منذ منتصف القرن التاسع عشر، إلى مطلع الحرب الاهلية وبعدها، على قطاع المصارف، والوكالات الحصرية، وتاليا على النمط السياسي-الاقتصادي الحاكم، وبين مجموعة السياسيين وتاليا أزلامهم.. بجميع ما يتطلبه ذلك من تحكم بالاعلام، وبالمنابر الاجتماعية الأخرى في مراحل متعددة.url

كان الفساد إذاً، هو الفكر الاقتصادي المؤسس للدولة اللبنانية، مجموعة مجتمعات لم تتفق على هوية، واتفقت على تقاسم كعكة مالية بشكل يحافظ على قوة زعيم في مجتمعه الخاص، فقمنا على وزارات فاسدة، إدارات فاسدة، قوى أمنية فاسدة، أجهزة تربوية فاسدة، كانت كفيلة بتطوير مجتمع شامل فاسد، يقوم على ثقافة الرشوى والتنفعية والاستزلام، كثقافة هي وليدة الاقتصاد الخدماتي في أي بلد، حين يبرمج الشعب على تبادل الخدمات، بدل تبادل الانتاج.

بعيد الحرب، تم تعليب ثقافة الفساد في شكل مؤسساتي جديد، هي المؤسسة الاقتصادية النيوليبرالية، أي تحييد تام لما تبقى من اقتصاد الزراعة والانتاج، ثم تحييد الدولة نفسها عن اداء دورها واستبدالها بقطاع خاص موزع على نفس رموز الدولة، أي الرئاسات الثلاث، وبشكل أعم، القوى الطائفية الأربع الأهم، السنية السياسية والشيعية السياسية والمسيحية والدرزية، وكان مايسترو هذه السياسيات رفيق الحريري كممثل لمشروع البنك الدولي في لبنان ومدير مشروع تقسيم ادوار الدولة على شركات شركائه السياسيين، وكان له نصيب الاسد، بمباركة سعودية، وبمعونات سورية سياسية وغطاء كامل من الانتداب السوري في لبنان. تم تقليص دور الدولة اذا، ضرب الاتحاد العمالي، خصخصة قطاع الهاتف وقطاع النفايات وقطاعات أخرى، ضرب مركز المدينة ثقافيا وتحويله الى مستعمر خاصة، انشاء صناديق نهب طائفية كصندوق الجنوب كحصة للشيعة، وصندوق المهجرين كحصة للدروز، ضرب قطاع الطاقة بفساد اداره ازلام نبيه بري لعقود، في سبيل تفريغه للوصول الى خصخصته، واعتمد اقتصاد عدم التدخل، كما تعرف النيوليبرالية، غياب الدولة التام عن مراقبة السوق، فارتفعت الاسعار، ونشأت الفروق الشاسعة في الاجور، وتم تعطيل تصحيح الاجور الضروري توافقا مع غلاء المعيشة، ومن ثم، تجلى في تعويض هذا الفارق بين الاجور وبين المصروف، في تسهيل الديون المصرفية لتضخيم حجم اعمال المصارف واعتماده كمؤشر على "التطور الاقتصادي في البلد"، بينما هو في نظرة عاقلة، دليل على الازمة الفردية الاقتصادية الكبيرة، التي تستعمل الديون المصرفية كطريقة التفافية لتحويل مصيبة الفرد في عدم قدرته على شراء شقة، او انشاء عمل متوسط، او كذا، الا بدين جديد، يساهم في تحقيق مسببي فقره، لربح جديد، على حساب فقره المستجد أيضاً!

عام 1998، شكل سليم الحص في عهد اميل لحود اول حكومة خارج السرب الحريري المعتمد منذ نهاية 1990، وغطاها السوري كنوع من رسالة الى السعودية قبل ان يسحب الغطاء عنها وينهي سليم الحص سياسيا عام 2000، حينها تولى الياس سابا، الاقتصادي العظيم، وزارة المالية في حكومة سليم الحص وأعلن عن خطة لسد الدين العام المتضخم سنويا بشكل كارثي، اكتشف سابا فوضى مطلقة، واكتشف ان الشيطان الأكبر، وزير المالية السابق، رئيس الحكومة اللاحق، ممثل البنك الدولي الدائم، فؤاد السنيورة، كان قد عطل دور مدير عام وزارة المالية وحصر كل الصلاحيات بشخصه كوزير سابق، ووسع ايضا سلطات ما يعرف بالمركز الآلي في الوزارة برئاسة نبيل يموت حينها، وليزيد فؤاد السنيورة في الفجور بحق وزارة المالية اللبنانية، خزينتك وخزينتي يا اخي اللبناني، انشأ ما يعرف ب"مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" في الوزارة، هذا المكتب، يتولى كل علاقات الدولة اللبنانية المالية مع الجهات المانحة، وعين جهاد أزعور مديرا له حينها، قبل أن يصبح تحت سيطرة تيار المستقبل ورعاية الحريريين الاقتصاديين الصغار، ثم اصبح مكتب الأمم المتحدة الانمائي ظاهرة في معظم الوزارات اللبنانية مسيطراً على مفاصلها لاغيا استقلالية قرارات الوزارات ورابطا اياها بمزاج الجهات المانحة وتاليا مصالح المصارف في استمرار الدين العام من جهة، وديون المواطنين من جهة ثانية.. وراعيا رسميا للفساد، وضامنا لاستمرار السياسة النيوليبرالية المتوحشة في حقك وحقي (ولا زالت إلى اليوم بالمناسبة).

تم تعطيل محاولات الاصلاح الاقتصادية حينها، ببعبع الطائفية، المذهبية التي تحكم العقل اللبناني، واصبحت محاولات عزل الموظفين المسؤولين عن سياسات الخصخصة وتفريغ مؤسسات الدولة، ضربا لمراكز السنة في الخطاب الاعلامي، وطبعا هذا ما شهدته محاولات اصلاح الطاقة مثلا، حين زكزك نبيه بري الوعي الشيعي بقرع ناقوس خطر "الحصة الشيعية"، وهذا ما كان ليحصل لو تم التعرض للوكالات الحصرية "حصة الموارنة العظمى" او لملف المهجرين الفضيحة "حصة الدروز"، الخ من هذه المذهبية العمياء التي تستعمل لتعطيل اي محاولة اصلاحية، على انها استهداف لمصالح الطوائف، مصالح لو حسبناها، لرأينا أن السني العادي، والشيعي العادي، والمسيحي العادي، والدرزي العادي، غير مستفيدين فعليا منها، مقابل المليارات التي جناها ممثلوهم وأزلامهم المباشرين في المصارف والمصالح، بفعل هذه التغطية الجماهيرية الغرائزية الطائفة.

الاصلاح اذا، كملخص لما سبق، ليس عصا سحرية، الاصلاح في لبنان هو الحاجة الى اجتثاث ثقافة الزبائنية والاستزلام من جهة، واجتثاث النمط الاقتصادي القائم، من جذوره، أي بتضحية مشتركة من جميع الطوائف على حساب اتفاق ابنائها على أنهم مواطنين أولاً، بجميع ما يعتبر مصلحة او حصة لهذه الطائفة او تلك.. وإلى أن يحصل ذلك.. أخبرني عزيزي الطائفي، كم يبلغ دينك الشخصي للبنك؟ وهل تعرف من هو صاحب هذا المصرف المباشر، وغير المباشر أيضاً؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

الأوسمة: , , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: