بلادي كأغنية بلوز

خضر سلامة

لكل الكوكب مزبلة تاريخ، إلا نحن، يكاد تاريخنا نفسه يصبح مزبلة: هزائم، نكبات ومجازر، فتاوى قتل واغتصاب، طوائف وتقسيم، سلفيون وعسكر وجواري، هل هذا هو الحقل المعجمي للعرب؟

وحملت دجلة على كتفٍ، والنيل على كتفٍ أخرى، تأبطت بردى والعاصي، وانتقيت من خريطة بلادي واحاتها، أشجارها وشطآنها ونهود المرضعات حباً وعسل، وحين أصبحت مكتمل الربيع، حاصرتني الصحراء، واتهمني أمراء الجفاف أني بدعة!

أين أهرب منكم؟ في كل زاوية من زوايا الأرض أجد إعلاناً عن ضفيرةٍ سوداء برسم البيع، في كل شاشة أجد نقلاً مباشرة لرجم الأنوثة، على كل عامودٍ أجد ملصقاً عن عرضٍ قريب لمجزرةٍ جديدة، في كل حاوية، أقلامٌ عربيةٌ مكسورة، ورؤوس شعراءٍ مقطوعة، وأقدام مناضلين مبتورة، وعيون نساءٍ مثقوبة، على كل باب سفارة من سفاراتكم، تقف الفضيحة رجل أمن، وملاك الموت موظف استقبال، والحزن يختم جوازات السفر. تلاحقني سيوفكم وحناجركم كدورية شرطة، يصطادني غبار عمائمكم من سريري، ويرميني ككيس جماجم، في حفرة من حفر النار.. كلا يا سارتر، الجحيم ليس الآخرين، الجحيم هو نشرة أخبار واحدة برعاية بئر نفط، خطبة جامع واحدة تكتب بأهداب النساء وأشلاء الشعب وحبر الطغاة، فتوى جديدة واحدة تأتينا من بقايا النياندرتال فينا، نجمة واحدة على كتف ضابط سلمّوه مفتاح الأعمار والحقيقة، الجحيم ليس الآخرين، الجحيم هو بعضهم، بعضنا.Ares_Cuba

هل تعرفون ماذا يرى نيرون حين يقف أمام المرآة؟ كل نيرون، بربطة عنق أو بعمامة، بحزام ناسف أو بمدفعية، بضريبة جديدة أو بخطاب كاذب، أراهم جميعهم، كل نيرون، يقف أمام المرآة، لا يرى إلا وجهه، تصغر الغرفة وتذوي، لا يرى جدراناً، لا يرى ألواناً، لا يرى سماءً خلفه ولا أرضاً تحته، يرى انعكاس وجهه، لا يشعر بالحزن على قتيل، ولا بالأسى على مأساة، يتفادى أن يعرف عدد الضحايا، عدد الفقراء، عدد الجياع وعدد المصلوبين، لا يشعر بالحزن، لأنه لا يرى إلا وجهه، لذا، يشعر بالوحدة، وكل وحيد، خائف، يشعر بالخوف.. أقدم الغرائز. يخاف من وجهه، من عبوسه، لا ترضيه صوره مبتسماً في منازل الرعية ولا في الادارات، لأنه يعرف وجهه جيداً، يخيفه وجهه، لأن وجهاً بلا ملامح، أقرب إلى تابوت، كل ما فيه، مخيف.

وبعد حفل الدم، تتكاثر الكنائس والجوامع، والسلاح أيضاً، ربما قومي يحبون الله، ولكنهم بالتأكيد لا يحبون بعضهم.

فيا وطني، سأصنع لك تاجاً من رائحة الأرض، فقل لاسفلت شوارعك أن يترك قليلا من التراب كي نلعب.

سأهديك قلادة ياسمين، فقل لدبابات طغاتك أن تخفف الوطء كي ألملم وأيتامك بعض زهرك.

سأسميك رفيقي وصديقي، وسأدلك على أجمل حانات البلد، كي تلهو بخد امرأة جميلة، فقل لعصابات الصحابة أن يكفوا السيف عن عنق الزجاجة.

يا وطني، اعطني كل مخافر البلاد، وخذ من قلبي ذاكرة تعذيب الابطال ومشانقهم، تعرّ من كل وصايا القتلة لأتباعهم، وتعال البس مدرسة جديدة، ارمِ مدافع الطوائف والمذاهب والعشائر في وجه التلفاز، وتعلّم من المتنبي ركوب الخيل فوق ظهر الريح، وتعلم من ابن رشد ركوب الحرف صوب النور.
لا تكن جحيماً، كفى ناراً، كن نوراً يا وطني.

سامحوني على حزني.. إني أسمع أنين بلادي كأغنية بلوز.

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

الأوسمة: , ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: