كلهم بن لادن

خضر سلامة

من كرّه التحرير بالحرية؟

حين خرج جورج بوش وقال جملته الشهيرة بعد إعلانه الحرب على الإرهاب "من ليس معنا فهو علينا" ورد عليه بن لادن بتقسيم العالم بين فسطاط خير وفسطاط شر لا ثالث لهما، كان أهم مخبولين في التاريخ البشري الحديث، يضعان النظام العالمي الجديد، كرّت سبحة الانقسامات التي لا ثالث لها: أوكرانيا وجورجيا: من ليس مع الانتفاضة المحركة أميركياً فهو حكماً مع النظام المدعوم روسياً، 8 و14 آذار، من ليس في اصطفاف حلفاء سورية فهو حكماً في اصطفاف حلفاء أميركا، إلخ. وبعد الضربات العنيفة في السبعينات، والجراحية القاضية في التسعينات، لم تعد القوى الوطنية (يسار، قومية) قادرة على تقديم خطاب بديل كحل ثالث، خصوصا مع فقدانها لقوتي المال والإعلام، المملوكة من اصطفافي النظام والمعارضة الخارجية.

في هذين الاصطفافين، تم طحن الخارجين عن الخنادق الدولية، وكانت التهم جاهزة، في لبنان سابقاً، وقبله في العراق، وبعده في سورية: من لا يصطف موالٍ أو معارض (بالمعارضة السائدة وحساباتها الدولية) هو: رمادي، متخاذل، متحالف عاطفي مع الطرف الفلاني او الفلاني، الخ. لم يعد الحديث عن خيار ثالث، ممكناً، إلا وترجم الخيار الثالث إلى حيادي، رغم عدم ضرورة ذلك، يمكن للخيار الثالث أن يكون صاحب لون أيضاً، إذا وازن بين السيادة، التي يفتقر مشروع الحداثويين المتحالفين غرباً لها، وبين الديمقراطية، التي يفتقر خطاب النظاميين لها. وفي زحمة هذه الاصطفافات، الاصطفافين تحديداً، تم اختلاق صراع جديد من نوعه: صراع الحرية والتحرير.ares01

صرنا إذاً، أمام خيارين، إما أن نأخذ خطاب التحرير، وقواه التقليدية، بشرط الخلو من الحرية الفردية والجماعية، وإما أن نتبنى خطاب الحرية، بشرط خلوه من خطاب تحرير القرار السياسي والاقتصادي، وُضع كل منا وسط نزاع الخندقين، الذين احتكر كل منهما صفة، أحدهم ادعى تمثيله لكرامة الجماعة، الوطن كبناء مؤسساتي، وآخر لكرامة الفرد، كأساس لهذا البناء، صارت الخيارات جامدة في كل الاحتمالات: من ليس مع النظام فهو حكماً مع الارهاب الاسلامي، ومن ليس مع المشروع الامبريالي فهو حكماً مع النظام، الخ.

إن واجب الواحد منا، أن لا يكون مجبراً لا على احترام الخطاب الوطني الجامد، ولا الخطاب الحرياتي الجامد، بل على أن يتبنى الخطاب الذي يوازن بين ذلك كله، ثمة حملة كي وعي مطلق، تشهر بالتحرير وتعتبر حقله المعجمي: مقاومة، عداء لاسرائيل، فلسطين، الخ، من وسائل القمع الوطني، وحملة كي وعي أخرى، تشهر بالحرية الفردية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، كوسيلة تدخل أجنبي، لا لشيء، إلا لأن أصحاب هذين الخطابين يمثلين من جهة القمع التاريخي، ومن جهة، الارتهان التاريخي أيضاً، واجب الفرد الطليعي، هو بتكوين الخطاب الذي يشبهه: لا مساومة على مبدأ التحرير، تحت إطار من وحدة الأرض والشعب، ولا مساومة على استقلال القرار السياسي، شرط مشاركة الكتل الاجتماعية فيه، ولا تضحية، كما يسوق أحدهم، ببعض من السيادة مقابل بعض من الديمقراطية، بل الشعار القديم الذي تركناه على رف الفوضى السياسية والفكرية التي حكمتنا منذ فترة: وطنٌ حر وشعب سعيد، من يذكره؟

لا تكن رهينة فكرة التخوين الوطني، ولا تكن رهينة فكرة التخوين الثوري، كلها نسخ جديدة من طبائع استبداد النظام القائم باستبداد جديد للسائد من المعارضات، لا شيء يضطر الفرد إلى التخل عن قناعاته الوطنية، والاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، رغم أنف الترهيب الجماعي والتكفير الفكري الذي يمارس ضد الناقد لأحد الخندقين البن لادنين اللعينين، في العالم كله.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: