Archive for 29 مايو, 2013

بيان جوعان الانتخابي

29/05/2013

خضر سلامة

يا شعوب الدول المجاورة والكبرى والشقيقة، والشعب اللبناني الصديق،

سادتي سفراء الكوكب، ومخابرات الدول،

بعد أن قلب المجلس النيابي الانتخابات مسخرة، أقدم لكم ببالغ السعادة (مش سامر) والاشعاع والنور (نور الموتور مش نور الدولة)، وبكامل المسخرة، بيان ترشيحي، على لائحة “أبيع نفسي”، عن مقعد الوسوفيين في القضاء “على الوطن” عن المحافظة “على الفوضى”، متخذاً شعار “الصاروخ” لحملتي الانتخابية، معتمداً على الصواريخ البعلبكية النظيفة قطف الموسم، لمواجهة صواريخ البلد يميناً ويساراً.

أيها اللبنانيون عموماً، الرايقة معهم خصوصاً، أضع بين أيديكم برنامجي الانتخابي، على أن أوافيكم إذا فزت، ببرنامج نومي وغدائي ورحلاتي.

في الاقتصاد:

– نعدكم بتأمين 128 وظيفة، وثلاثين عقد عمل مؤقت، شغل مهم، كون هؤلاء مهمتهم الشغل فيكم وبمصيركم ومصير البلد.

– توفير مصادر مالية جديدة للضمان الاجتماعي، حيث سنجبر المدير العام لصندوق الضمان على ممارسة الbets online لمحاولة سد العجز.jou3an

– سيتم فرض ضرائب على المضاربات العقارية بين السفراء على ضمائر السادة النواب، بحيث سيضطر النائب إلى دفع ما قيمته عشرة بالمئة من أي صفقة جديدة لصالح الخزينة العامة.

– في موضوع الفلاحة، ما رح تبقى أرض مش فالحها صاروخ، أما المواطنين، فستفلح الأجهزة الأمنية فيهم.

– في السياحة، سنقوم بحملة تحت عنوان “وحياة أمي في عنا آثار” لتعريف السياح الأجانب على البلد خارج كاباريهات جونية والمعاملتين.

في الرياضة:

– تنظيم دورات مكثفة في الصعود على الدرج، تقدمها مجاناً هذا الصيف وكل صيف، شركة كهرباء لبنان.

– تنظيم بطولة في القفز عن المطبات والحفر، وتقام برعاية وزارة النقل والأشغال، ويشارك فيها ابو الزوز من عين الرمانة في سيارته الغولف 2، و علي قريع من الشياح في سيارته البي أم بطّة، إلى جانب ثلة من “الشفيطة” من مختلف الجمهوريات اللبنانية.

– البطولة الوطنية في رمي قذائف الاينرغا، وتستضيفها طرابلس هذا العام، وسيقص الشريط اللواء المتقاعد أشرف ريفي.

– مسابقة الركض وراء لقمة العيش، ويشارك فيه عدائون من الهرمل وعكار وضواحي بيروت.

في الأمن:

– سيتم توزيع صواريخ الباتريوت على كل منطقة تجمع أكثر من عشرة صواريخ في أسبوع واحد.. الرجاء الاتصال بوزير النوايا الحسنة مروان شربل لارسال دورية أمن تساعد في عد الصواريخ.

– سأقوم بتفجير كل دورية شرطة سياحية، تحاول تطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة، في بلد صاير يدخن من كل المناطق، أكتر من الاشكمان.

– كون أكل الشاورما، ومعاكسة النسوان، والتشفيط بسيارات الدولة، لا يحتاج إلى سلاح، سأقدم اقتراح لنزع سلاح القوى الأمنية اللبنانية.

– الاتفاق مع ميليشيات الطوائف على وضع دوام يومي للسحاسيح التي تأكلها الدولة، بمعدل سحسوح واحد في الأسبوع للدولة من كل طائفة.

في السياسة:

– سن قانون يجبر آخر مواطن آدمي فالل من البلد على إطفاء الضوء وراءه في مطار بيروت.

– عرض الدولة اللبنانية للبيع أو الإيجار، بحيث تأخذ كل طائفة حصتها بعد البيع لتشتري لنفسها دولة “وين ما بدها”.

– منع أي خطاب فيه كلمة من نوع “مرحلة حساسة، تعايش، لبنان يا قطعة سما، مش عارف حالك مع مين عم تحكي، بدها طولة بال..”

– تشكيل حكومة من الأخوة سفراء الدول العربية والأجنبية، بحيث يحضر الأصيل ويبطل الوكيل.

– فتح سفارة لكوريا الشمالية في لبنان، للتباحث مع نظام كيم أونغ حول احتمال وضعه قنبلة نووية في تصرفنا، لاستعمالها في حال اذا اعاد الشعب انتخاب نفس الطقم السياسي، استرجى واحد يرجع ينق.

جوعان.. نايـ.. الأخضر واليابس..

هذه هي دولتكم، بكامل قذارتها، بكامل سخريتها، نواب فجروا، دمروا، أحرقوا، ليبرروا التمديد.. وأكثر من هيك مسخرة، ما في.

موقع لائحة “ابيع نفسي” الانتخابية

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

فوضى في رأسي

22/05/2013

خضر سلامة

الحكومة لا تعترف باسمك، تعرّف عنك في حياتك برقم ضمانك الاجتماعي، برقم هاتفك، برقمك المالي، برقم زنزانتك، وحين تموت، تعرّف عنك برقمٍ في مجزرة.

وحين تقول أنّك لست رقماً، وتحاول شد العالم من أذنيه ليهجئ حروف اسمك، يصادف أن لا يلفظ اسمك إلا بالعبرية الفصحى.

الكوكب صهيوني جداً، وإلا، كيف نفسر هذا القتل اليومي، والنهب اليومي، إلا بكونه فعلٌ صهيوني؟

الفعل الصهيوني الأقسى، هو وقوفك أمام المرآة: في وجهك هزائم العرب كلها، طوائفهم كلها، حروبهم منذ البسوس على ناقة قبيلة إلى يومنا على خرقة خريطة. تحتاج إلى غسل وجهك جيداً من كل هذا، وحين يُضيء وجهك بالوعي، سيرجمك الجهلة من الأمة.

لا بأس، إذا كانت الخمرة لا تُثملك، والجنس لا يُرضيك، والحب لا يُسكرك، قد يُعينك حجرٌ في الرأس، على الرقص كصوفي من هول الألم.

ينقصنا قليلٌ من الصوفية في هذا العصر الوهابي، لعلنا نشفى بالموسيقى394506_325227664272045_176779228_n:

لم نعد نسمع منذ زمن إلا أصوات القذائف، ونواح الثكالى، وبكاء الجياع، وشكاوى المتصلين على البرامج الإذاعية، ووعود اللصوص، وأدعية اليائسين.

ولأن التلوث الصوتي مزعج للفيلات الفاخرة، أصبح الطرش سياسة رسمية: حكومة لا تسمع، برلمان لا يسمع، جمهورية لا تسمع، عندها قرر الشعب خجلاً أن يرد بإعلان سياسة الصمت الشعبية، ليحافظ على ما تبقى من كرامته.

فماذا أفعل؟

وصحفنا لا تصلح للكتابة، ولا حتى للفّ السندويشات، لأنها صحف مسمّة

ومساجدنا لا تصلح للصلاة، لأنها موصولة إلى جيب رجل الدين لا إلى أذن الله.

وشوارعنا لا تصلح للمشي، لأن ثمة من سيمشي على لسانك إذا أزعجت نوم زعيمه.

ومدارسنا لا تصلح للطفولة، لأن المنهج الإرهابي يكافئ الطالب الجيد بحزام ناسف، والمنهج الأمريكي يعاقب الطالب السيء بغارة.

وجيوشنا لا تصلح للانقلاب، لأنها كلما قلبت كرسي الحكم، أجلستنا عليه مقلوباً.

ربما، يجب أن أركل الوطن من خصيتيه، فهي أعز ما يملك، بعد أن انتهى صلاحية عقله، وانتهت رخصة ذراعيه، واهترأت أقدامه من الركض هرباً من أبنائه.

حسناً، سأركل الوطن من خصيتيه، لربما يصرخ، صار من الضروري أن يشعر بالألم، بالخطر، بالحر، بالبرد، أن يشعر بأي شيءٍ، قبل أن يشعر المتعبون بضرورة الهرب نحو أقرب سفارة

وإني ادعو لله يا رفيقي، أن لا تكون عندها قد أصبحت أقرب سفارة إلى منزلك، السفارة الاسرائيلية.

مدونة جوعان على الفيسبوك

فضيحة اتفاق 17 أيار

17/05/2013

خضر سلامة

تمر ذكرى ثلاثين عاماً على اتفاق السابع عشر من أيار للسلام بين لبنان والكيان الصهيوني، اتفاق الذل والخيانة الذي أسقط بقبضات الوطنيين في لبنان بعدها. كما أسقط بتطهير بيروت من جنود المارينز والمظليين الفرنسيين والسفارة الأمريكية، وبانتفاضة وطنية عامة من أحزاب اليسار والقوى الوطنية والاسلامية.

المشكلة ليست في الاتفاق نفسه الذي أسقط، ولا في أن ذكراه طمست كما طمست الدولة السافلة اجتياح بيروت وتاريخ المقاومة وغيرها، بل الفضيحة الكبرى، أن لائحة العار خبئت كي لا تعرف بها الأجيال اللاحقة، لائحة العار التي لم ينج منها إلا اثنان من النواب، نجاح واكيم وزاهر الخطيب اللذان وقفا ضد الاتفاق وصوتا ضده وحدهما.image

فيما أيد اتفاق الذل، اتفاق 17 أيار، 65 نائب من أصل 72 حضروا الجلسة من أصل 99 نائب في المجلس حينها، ومن اللذين صوتوا بنعم لاتفاق السلام مع اسرائيل نائبين حاليين: عبد اللطيف الزين (لسخرية القدر، على لائحة المقاومة والتنمية)، بطرس حرب (نائب الحرية والاستقلال والسيادة والسفارة الامريكية)، وصوت له نائبان أصبحا رئيسي جمهورية لاحقاً هما رينيه معوض والياس الهراوي، وصوت له أيضاً من النواب ممن لا زالوا في الحياة السياسية: مخايل الضاهر، طلال المرعبي، إدمون رزق، بيار دكاش، جبران طوق.

وصوت مع اتفاق السلام مع اسرائيل أيضاً ممن أورث لأبنائه السياسة: موريس فاضل، والد النائب روبير فاضل، كميل شمعون، والد دوري شمعون، بيار الجميل، والد أمين الجميل، بيار الحلو، والد هنري الحلو، مجيد ارسلان، والد طلال ارسلان، صائب سلام، والد رئيس الحكومة المكلف النائب تمام سلام، عادل عسيران، والد النائب علي عسيران، فؤاد غصن، والد النائب نقولا غصن، إدوارد حنين، والد صلاح حنين، جوزف اسكاف، والد النائب الياس سكاف.

المنسق الرسمي للمفاوضات للسلام مع اسرائيل، كان غسان تويني، رئيس تحرير جريدة النهار السابق، وشارك في الوفد إلى جانبه عدة شخصيات، أبرزها داوود الصايغ، مستشار سعد الحريري حالياً، والعميد الركن، رئيس الصليب الأحمر اللبناني حالياً، جورج حروق، مسؤول التيار الوطني في الجنوب حالياً، العقيد فوزي أبو فرحات، وغيرهم من الشخصيات.

لو أننا في دولة ذات كرامة وطنية، كما حدث في كل العالم حين تحدث خيانة وطنية كبيرة، كان يجب حظر العمل السياسي لهؤلاء، وتكريم النائبين الوحيدين واكيم والخطيب، لأنهما وقفا ضد الدبابة الاسرائيلية رغم أنف الخونة، ولكن ما حدث في لبنان، أن الخونة كرموا، وأعيد تعيينهم زعماء ونواب ورؤساء، فيما الرجلين الوحيدين الذين حافظا على أمانة الوطن، تم اقصاؤهما.

هذه هي دولتكم، إذا لم تغضب لأن ثمة من صفق لمصافحة السفير اللبناني أنطوان فتال، للسفير الاسرائيلي ديفيد كمحي وتوقيع السلام مع العدو الاسرائيلي بعد شهور قليلة من تدمير بيروت، وبعد سنوات قليلة من تدمير الجنوب، وبين الغارة والغارة، اغضب لأن لائحة العار نفسها، تناسلت وتوارثت السياسة.

أضع بين أيديكم هذه الأسماء، لعل، في ذكرى الذل الوطني، ثمة من سيغضب.

مدونة جوعان على الفيسبوك

فلسطينُ كوكباً

15/05/2013

خضر سلامة

هذه الأرض الحبلى بالعجائب، مفتاح الجنة، وهذا العلم الملطّخ بالتاريخ، مفتاح الهوية، وهذه اللغة المكسورة بلهجة عجوز، مفتاح المعجم، وهذه الملايين المشرّدة في مطارات العالم، مفتاح شرعة حقوق الانسان، ونحن، لا ينقصنا، إلا مفتاح العودة، نضع كل عامٍ في حقائبنا كل ما يلزمنا، ألعاب الطفولة كي نعطي للقادمين ما لم تعطنا الأنظمة من حقنا باللعب في سهول الجليل، صور بالأبيض والأسود كي تعرفنا الحقول وتميز وجوهنا من وجوه الأعداء، سلالٌ فارغة كي يطمئن قلب الليمون، فينضج ويلد يافا جديدة، تبلع تل أبيب ولا تبلعها، أقلام تلوين كي نعيد جمع الألوان في جبل الكرمل، ليشدّ على كفّ حيفا وهي تطعم الحمائم الذاهبة إلى بلاد العرب، مفتاح العودة يمجّده الصدأ، يحميه من مزاد السلطة لبيع العرض، وتعوّذه أهازيج العجائز المطرِبة، والمذهبة للعقل والمُشدّة للزند، من لعنات فتاوى الصحابة الجدد وفقهائهم.

كل دولة فيها اسرائيل، نقول، هي الفاشية في قمتها، والعنصرية في تألقها، والموت في لعبته، ونقول أيضاً، كل كفٍّ يقلب تراب العالم، فيه فلسطين، وكلّ عين تبحث عن أفقٍ ترسم فيه البصر، فيها فلسطين، وكلّ قضيّة مؤجلة في أدراج مجلس الأمن، فيها فلسطين، كل طفلٍ يولد في العراء، فلسطين، وكلّ بندقية تصنع الريح ليرفرف علمٌ وطنيّ، هي فلسطين، هي أن تكون انساناً، مقاتلاً، عاملاً، أباً وأماً، هي القاعدة في الإعراب، وكل الإحتلال استثناء، لا أكثر، فلسطين هي الحرّية، أما السلام، ففاصل دعائي للمصارف والأنظمة، يسكت فيها النشيد قليلاً، ليلقّم الشهيد كفنه، راية، ويلقّن الجدّ حفيده، حكاية.

pal1

فلسطين هي أن يُسقط الثائرون طاغيةً خلف البحار، ثم يلتفتون لعدّ الطغاة المتبقين في هذه المجرّة، فيسجّلون اسم طاغيةٍ أوروبيٍ شرقيٍ صغير، سرق بيّارة زيتونٍ، فلسطين، هي أن يأخذ عاطلٌ من العمل حقه من عنق المحتكرين في بلاده، ثم يتذكّر ليلاً، أخوةً له في الكوكب، عاطلين من الوطن، وهي أن تغطّي امرأةٌ في زاويةٍ من الكوكب، أطفالها ليلاً، ثم تُرسل في البريد غطاءً، لخيمةٍ تعيد امرأةٌ أخرى بنائها فوق ركام منزلٍ أكله المغول بين النهر وبين البحر، هذه فلسطين، انسان يشبك عينيه بعيني آخر، قضيّة تحوي في سيرتها، ألف قضيّة أخرى، وحدودٌ لا تقدر أن تغلقها الجيوش، بل يفتحها الشعور كل صباح.

نحن، من تبقى وما تبقى، من كل ما أخذته العولمة من جياب الشعراء، نحن الرمال التي لم تكنسها بعد عصا تجّار القضايا، نصنع شطآناً من الحب، ونتكدّس في موانئها، وعداً بالسفن، أخرجتنا القذائف من عمّان، ثمّ من بيروت، ومن تونس، فصرنا نحن الموج، نصفع وجه بن غوريون كل يومٍ، فيتآكل خوفاً من الزبَد، قتلتنا الخناجر العربية بالغدر ألف مرّة، فسَموْنا إلى السماء شكلاً جديداً للنسور، وحُمنا، نحمل الأجنحة مخرزاً في عيون الطيارات الحربية، ونكبّل بالأغنية، كل الإذاعات الرسمية، ثم نصنع من موشحات الأندلس، قسماً بأن لا تسقط غرناطة مرة أخرى، بل ترتفع، حدّ العودة.

– ثم يسألوننا بعد هذا، ما الذي يعيدنا إلى فلسطين كل مرّة؟

– بداهة الربيع!

مدونة جوعان على الفيسبوك

الصورة “جوعان” بريشة وقلب الصديق والرفيق ح. رمّال

حصتي من الحب

11/05/2013

خضر سلامة

يوقظني ناقوس الخطر، ثمة دائماً من يدقه على الشاشات، أسير على حافة الهاوية التي اعتادت السلطة أن تأخذنا إليها كلما شعرنا بالملل، أخاف على المرحلة الحساسة من حساسية الربيع سيئة الذكر، وكلّما حدثوني عن الوحدة العربية، والوحدة الإسلامية، ووحدة المصير، والوحدة الوطنية، يزداد شعوري بوحدتي بين عقارب الساعة، في مدينتي، مدينتي التي كلما كبرَت، صغُرَ حلمي، حتى أصبحَت مدينتي كبيرة جداً، وحلمي لا يُرى: حلمي أن أحتفظ بما في بالي من صوَر…

أعرف ماذا أحتاج، أريد أن أُلبس المدينة أغطيةً بيضاء كتلك التي تغلّف الغرف المسكونة بالخوف في الأفلام، علّها تخفف بعض الغبار عن وجه لغتي، أغطي مبناً مهدداً بماكدونالد جديد، كي لا تعرف المطرقة الطريق إليه كما عرفت الهراوة الطريق إلى كتف متظاهر، وأغطّي حديقةً من شر بلل الإسفلت الذي يزحف فوق وجه الفصول، كزحف الأحزاب فوق الدماء، سأحفر قرب وسط المدينة خطاً طويلاً من التراب، كي يستدلّ المطر الأعمى على السبيل إلى الأرض ولا يستمر بالركض كثائرٍ أضاع الراية، مدينتي ليست حجراً ولا صورة، مدينتي هي ما أرى بعين قلب الحلاج وحين أسألها من أنتِ تقول أنتَ، وما أسمع بأذن بيتهوفن حين يعرف أنه ليس أصمّاً بل دهشة الموسيقى أسكتت ضجيج العالم، وما ألمس بكفّ لوركا حين ألمس شجرة الزيتون عند قتلي بفاشست الملل فأبتسم، وما أشم في خد جدتي من ياسمين فأصبح فلاحاً.532897_322593411202137_963811212_n

مدينتي هي ما أرى: بحرٌ لم يُردم، بل لملم موجه كي لا يتنجّس بالركام وبأكياس التعب المرمية على كتفه، وعاد إلى القعر، وقعرٌ لا ينام، بل ينتظر أن تُطفئ المدينة أنوارها، كي يُخرج نسائمه الباردة لترقص عاريةً على ما تبقى من الرمل ليلاً، وليلٌ قبل أن ينتهي، يكنّس ما تبقى من سُكارى الشارع، وشارعٌ يقف في الصف أمام وزارة المال، كي ينهي معاملات الضرائب على نصيبه من حزننا.. وحزننا على ما نراه ولا نراه، في المدينة.

مدينتي هي ما أسمع: قرع الطيور لطبولها في حفر الرصاص في ما تركت فوضى الإعمار من فوضى الدمار في المباني، وعزف المباني بمنافض السجاد لحن المسافة بين الشتاء والصيف، وصيفٌ يعمّر رقصات الدبكة التي تعوّض الجرعة الزائدة للمدينة في طباعنا القروية، والجرس القروي لبائع الكعك الذي لم ينقرض، بل أضناه المشي، فتقاعد العجوز واستحال رصيفاً للسيارات، وعويل السيارات من ألم كماشة الوقت في مأساة زحمة الخلق بين ذراعيّ حزننا.. وحزننا على ما نسمعه ولا نسمعه، في المدينة.

لست أمارس الحنين إلى ماضٍ لم يدركني منه سوى الفاصل بين الأبيض والأسود في الصورة، ولم يغرني صوتٌ متقطّع لتسجيل رديء لشاعرٍ مرّ حين كانت البيوت تتكلم العربية الفصحى، أنا ردّ الفعل العادي جداً، على فعلٍ غير عاديٍّ بالثقافة: أقلامٌ يغمسها أصحابها في النفط الأسود، وأعلامٌ يعاد تلوينها بالدم الأحمر، متاريس تُنصب في المدارس بين صف التاريخ وصف الجغرافيا، فتسقط التربية الوطنية قتيلة، أطفالٌ يُمسكون السلاح بأسلوب الرجال في القتل، ورجالٌ يمسكون الوطن بأسلوب الأطفال في اللعب، مدينتي في البال، ردّي الشعري على اللاشرعي من المدينة: لمدينتي موعدها مع بائع غزل البنات، ولا موعد لها مع حرب قادمة، ولمدينتي عدالة الميزان بين أبنائها، وليس لها خبث الشرطي في اصطياد الفقراء، لمدينتي نافذتها على البحر، وكل ما سد السماسرة به رئتيها، مؤقّت.

هكذا سأنقذ ما تبقى من الأنوثة في المدينة: سأعطي عيني للدين الأعور، أذني للزعيم الأصم، كفّي لكتاب القصور المكتفين، قلبي للمتقاتلين فوق الفقر، أنفي لمن لا تخيفه رائحة البارود، وسأعطي أصبعي الأوسط للسلطة وللمصارف.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الخوف الطائفي

08/05/2013

خضر سلامة

عنوانان شغلا بال النزاع الداخلي في سورية هذا الأسبوع، الأنباء عن ضرب قرى الساحل ذات الأغلبية السنية في بانياس من قبل ميليشيات مسلحة مقربة من النظام، وحصار قريتي نبّل والزهراء الشيعيتين في ريف حلب من قبل الميليشيات المعارضة وأنباء عن اعدامات قام بها ما يسمى بلواء التوحيد، الحدثان الدمويان المفترضان، كانا بعناوين طائفية محضة، والجميع يزعم أنه في رد الفعل، لا في الفعل، وللجميع ايضاً خندقه الذي يبرر ويشرح. لم يعد مهماً أن نعرف من بدأ بالقتل، في المنطقة الفلانية او الفلانية، لأن الأهم أصبح، من يوقف القتل؟ حين يصبح القتل لأجل الثأر لحدث كان لثأر هو الآخر، من ثأر آخر، وهذا ما يجنيه علينا تحول السلاح الى المادة الأرخص، إلا من الانسان، في بلد واحد.

حين قُسمت بلادنا مطلع القرن العشرين بين الاستعمارين الفرنسي والانكليزي، قامت الدول الحديثة بقشرة الدولة الوطنية، فيما حافظت على إرث قرون من التوزيع الديمغرافي الطائفي، والتوازنات الطائفية التي تحولت إلى طبقية مع الوقت، لعبت الأنظمة على هذا الوتر، لا بل وغذته، النظام السوري مثلاً، كان الأذكى في لعب ورقة الطوائف من خلال طرح نفسه أواخر الستينات ومطلع السبعينات، أنه حامي الأقليات في المنطقة خصوصا مع بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، وعمل في سورية، على نقل التوزيع الطائفي إلى داخل المدن الحديثة النشأة اقتصادياً نفسها، أصبحت الدولة مختلطة طائفياً بشكل ما، ولكن، محافظة على الانقسام المجتمعي، تماماً كما جرى في لبنان من العهد الشمعوني إلى اتفاق الطائف مع نزوح الأرياف العكارية إلى طرابلس، والجنوبية والبقاعية إلى بيروت، الخ. تعددت الطوائف داخل المساحة الجغرافية الواحدة، ولكن، حافظت على طائفيتها وخصوصياتها المجتمعية أيضاً.thescreammunchcafleurebon

بقي الاصطفاف الطائفي داخل هيكل الدولة الوطنية المزعومة، التي ورثت الدولة الاقطاعية التي لم تكن أفضل حال، حيث كانت البكوات المنتمية إلى طائفة محددة في كل منطقة تسيطر على الأرياف بشكل عام، ما طور الخوف الطائفي إلى مزيج من الطائفية والطبقية، كانت المشكلة أننا نعيش الإرث الثقيل للحكم التركي للمنطقة منذ الممالكية إلى العثمانية إلى اليوم، التي ورثت الاقطاع الطائفي صبغة العشيرة في مناطق الطائفة الواحدة، وصبغة الطائفة في مناطق الطوائف المتعددة، امتزج الحقد الطبقي بالحقد الطائفي في الحالة الثانية مع التهميش المتعمد الذي قام في مراحل معينة على حجج التكفير والعزلة، وأدى في لحظات صعود الاقليات السياسي ، إلى ردود فعل عنفية قوية من الأقوياء الجدد بحجج الخوف من العزل الطبقي سابقاً، والديني المتجدد ايضاً.. وأدى إلى استعادة الطرف الآخر لمصطلحاته الطبقية والطائفية القديمة ايضا لمواجهة هذا الصعود..
 صعود الأقليات السياسي أواخر الثمانينات مع تنظيم نفسها والتغيرات السياسية الطارئة في المنطقة، ترافق مع النهضة العلمية التي طرأت عليها بعد عقود من التهميش، في لبنان وسورية، كانت لافتة من حيث فقدان الأكثرية السنية لكثير من امتيازاتها الطبقية والسياسية التي حافظت عليها لقرون تحت ظل الدولة العثمانية وورثتها، ولم يكن اجتياح العراق وفقدان الطغيان لصلاحياته لمصلحة ديمقراطية طائفية حديثة أنتجت حكماً بأغلبية سياسية شيعية، إلا ناراً زادت الهشيم الاجتماعي اشتعالاً في المنطقة.

لماذا هذا السرد السريع؟ لأن المسألة الطائفية ليست طارئة في بلادنا، بل هي نتيجة تراكمات اجتماعية وسياسية واقتصادية عبر عقود من الزمن، كي لا نقول قروناً، لم ينبر إليها أي كيان سياسي ليعالجها، حافظت الأنظمة على هذه العقد التاريخية، وردود الفعل المتبادلة، لا بل حولتها إلى أداة سياسية تستعمل عند الحاجة، كما الحال في واقع التقسيم الطائفي الاجتماعي في سورية الذي صمد وتطور تحت ظل الدولة اللاطائفية المزعومة على الأقل، كما في التعامل الاجتماعي السعودي مثلا مع منطقة الساحل والأحساء.

اليوم، يعود الخوف الطائفي ليصبح حكماً في الشارع، يتحدث البعض عن خوفه من عودة بكوات الطائفة الفلانية، ويتحدث آخر عن حقه كأكثرية في الحكم، ويتحدث أخير عن خوفه من عودة مجازر القرون السابقة، ويتحدث ذلك عن فتاوى هدر الدم، ويتحدث ذاك عن خوفه من سلاح الآخرين المدجج، إلخ.

لا يمكن معالجة هذه الأزمة، بالبلاهة التي يتعاطى معها البعض بتصنيفها أنها طارئة، و”أخطاء فردية” وسلوكيات معزولة، ما نعيشه اليوم هو أن ثمة شيطان قد نفخ الروح في خوف المجتمعات من بعضها، والتي صادف أنها مقسمة مناطقيا ودينياً في بلادنا، وحين نفخ هذا الشيطان الروح فيها، هبت كل شياطين المنطقة، ملتحين ومعممين وببذلات وغيرها، لتزيد في النفخ: خوفاً من الأكثرية هنا يدفعها إلى الدم، وهوساً بحكم الأقلية هناك يدفعها إلى الدم.

ما الحل إذاً؟ الحل هو مشروع جديد، لم يعد يجد الحديث عن ضرورة انتهاء مرحلة، وننتظر لنرى ماذا سيكون البديل الذي “ينتج نفسه بنفسه”، البديل في ظل هذا الحذر الشديد ويد الجميع على الزناد (وبعضهم على السيف) هو الدم والفوضى المطلقة والثأر والثأر المتبادل، تماماً كما يجري اليوم مضاعفاً جداً، فمن يستطيع أن يقدم مشروعاً، لدولة وطنية حقيقية بنظام حقيقي، مع خطة زمنية موسعة للمصالحة الاجتماعية، في مجتمع يقف على هاوية فرط عقده الاجتماعي من لبنان إلى العراق مرورا بسورية والبحرين وعودة إلى ساحل الجزيرة؟

إلى أن يظهر هذا المشروع، بين مجازر الخوف المتبادل، تقف البلاد بين جيشين وعلمين ومقبرتين، وموت واحد فقط.

مدونة جوعان على الفيسبوك

لا صوت يعلو فوق جرحنا

05/05/2013

خضر سلامة
مجلة الرأي الآخر

لو تأملت جيداً، لو أنك تعلمت لغة الأرض وشكل الماضي في “كان ليَ بيتٌ وأهل”، وبناء المستقبل في “سوف نقاتل”، وفعل الحاضر في “أصبح عندي بندقية”، ولو أنك قرأت عن حركات “النصب” الصهيونية ومسيرات “رفع” النعوش ودويّ دائرة “السكون” العربية، ولو أنك تعرف خديعة النائب عن الفاعل في الجملة وكيف تصبح الضحية المفعول بوطنها فاعلاً لفعل القتل في نشرات الأخبار، ولو أنك تعمّقت في قوة الجزم عند انفجار الرفض في الحناجر المحشوة بأخوات لا الناهية عن الخيانة ولام الأمر بالثأر لطفلةٍ سرقوا منها واو العطف في الجلال والجمال والسناء والبهاء.. بالانتقام لمن نشلوا من جواز سفره علامة الاستفهام عن وطنٍ.. هل يراه؟ سالماً منعماً وغانماً مكرما.. لو أنك فتحت يوماً جمجمة عربيٍ نسيته شرعة حقوق الانسان على قارعة المجزرة وتحت بورصة المجنرة، كي تطّلع على حروف الجر إلى المقابر الجماعية والأسماء المجرورة التي تنوب عنها الأرقام، ولو أنك أطلقت عينيك للبحث عن الضمير المستتر في مطارات العالم الموبوءة بفكرة المستثنى عن لائحة الانتظار والباحث خلف كوفيته عن حرف نداءٍ يدعوه لركوب جناح نورسٍ يكون هو المبتدأ وتكون العودة إلى كرمه الخبر، لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

34369_10150192136900024_797630023_12997120_5345137_n

ولو أنك درست علم النبات وتعمقت في دراسة التحليل الزيتوني للوجود، لو أنك سجلت أسماء الورود التي تخرج من فوهات بنادق الفدائيين لعرفت كيف أن الرصاصة شكل آخر لوردة يقدمها العاشق لأنثى شيدوا فوق ضفائرها مستوطنةً جديدة، وكيف أن الحزام الناسف للخرافات صورة مستعارة لزهرة بنفسج حزينة سباها نبوخذ يوم النكبة إلى صحراء المخيم فصار لها الحق بأن تطلب أن تموت داخل مزهرية فيروز على شرفةٍ مطلةٍ على جذع شجرةٍ تحفظ للقدس هويتها، لفهمت، لو أنك حللت التربة التي زُرعت فيها أغنية الصاروخ لعلمت أن القذيفة تستحيل فيها إلى نخلةٍ خضراء تمحو عار اللغة العبرية وتثبت فكرة العروبة الفصحى، لو أنك سكبت في كوب المنفى الجماعي نكهة النعناع والزهورات التي وضعتها الجدة في حقيبة الوطن قبل سفره إلى معاد المزاد العلني وأوصته بالقراءة والكتابة والصلاة والبكاء، لأنشأتَ جمعيةً لحماية الأوطان من سماسرة التراب، لو أنك لم تحرق البيارات ثم اكتشفت كيف أن الليمون يحفظ لكوكب الأرض شكله الكروي ويجعله مجرد طابة تتقاذفها أقدام الأطفال الذين يصبحون ملائكة قبل النوم وآلهة بعد الموت، لأحببت شكل القنبلة اليدوية في كف مقاوم، لو أنك أحببت الأرض وما فيها من ثمار، لعرفت الفارق بين حقل الألغام وحقل الزيتون، لتفهمت أن ثمة ما يستحق أحياناً أن تحيا من أجله، أو تموت من أجله ان عزت الحياة.. لفهمت.

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

ولو أنك سمحت لأذنيك أن تغرقان في عود زرياب واكتشفت مخارج الأحرف العربية المقاتلة في أوتاره المتفجرة غيظاً تحت الجدار الفاصل، وحاولت أن تتمدد على عتبة البزق وسألت أين سترحل هذه القبور إذا صودرت الأرض وصودرت العواطف، لو سلّمت دموعك لربابةٍ تنعي من سلمناهم لأنظمة الملح شعراءَ مقاتلين مواطنين فأعادتهم لنا الأنظمة في التوابيت، لعرفت الآثار السلبية للقمع على مواسم القمح في الشعر، ولو أنّك حملت غيتاراً في لحظة غضبٍ ولحّنت قصيدةً غاضبةً للوركا تستفيض في شتم الفاشيين، لأصبحت يسارياً، ولو أنّك درست التوازنات الموسيقية في وتريات مظفر البذيئة لقدّرت بذاءة المرحلة وبذاءة الصحافة، ولعرفت أن الوطن البديل هو وطن بليد في كراسات التلامذة الذاهبين إلى الموت كل صباح، لو أنك أحببت الموسيقى للبست كفنك وتزعمت جبهةً ثورية جديدة تخطف الطائرات وتبادلها بالحقول..

لكنك لم تفعل، ولن تفهم.

لو أنّك قبلت يد أمك مرة، لقبلت تراب الأرض مرات، ولو أنك انتسبت في طفولتك إلى صفوف الحليب والزيت أمام وكالات الغوث أو انتسبت إلى حملة شهادات الفقر في مخيمات الصفيح ونقابات الرسم على الحيطان، لعرفت قيمة القتال من أجل رغيفٍ نريده أن يأتينا من تنورٍ لم تحمله قافلة النزوح من غربة الموت إلى الموت في الغربة، يوم لم يقْبل جدنا أن يبع داره لشذاذ الآفاق فأعدموه رمياً بالخوف، لعرفت قيمة القتال من أجل وجبة سمكٍ يحملها موج يافا على كتفي موجةٍ تركض خلف الصياد وتقسم عليه أن يترك لها قدميه في خدها رمزاً للهوية النقية.. لو أنّك فقط.. لو أنّك أنتَ أنا، أو أنتَ شهيق مقاتلٍ أو زفيره، لو أنك خصلة طفلةٍ مكتوبةٍ كقصيدةٍ أو ضفيرة، لو أنك لكَ أنتَ وطناً ممنوعاً من الصرف.. لفهمت قضيتنا.. لتطرفت ولرفضت ولسميت نفسك شاعراً متفجراً غيظاً وثورة.

لو أنك فقط تسمع.. أيها العالم.. لو أن لك أذنين على شكل زنبقة : لسميت الأشياء باسمنا: مقاومة.

مدونة جوعان على الفيسبوك

يوم رمادي

01/05/2013

خضر سلامة

تنشر على المدونة بالتزامن مع نشرها في صحيفة السفير

أتعلمين يا صديقتي، ماذا يعني الأول من أيار من كل عام للعامل؟
كل ما يعنيه في هذا اليوم، أنه أول الشهر، أي موعد "معاشه".
كئيب أصبح عيد العمّال، يعبس في وجه الرزنامة كأي طفلٍ أسمرٍ يشعر بالوحدة في أرض الجيش الأبيض. يأتي رمادياً كآخر غيمة نستقبلها، قبل أن تقفل بيروت شتاءها. لا أقواس قزح ليلعب أبناء الكادحين عليها، بعد أن عزت ألعاب الأطفال القديمة. لا مطر يغسل العيون المرهونة للمصارف في عصر الديون التي تشتري كل شيء، حتى الإنسان. لا رعود تهزّ عروش الهيئاتSE4food الاقتصادية، ولا رايات تخفق وتتوعد الجاثمين على الجماجم.
أبشع الأعياد، الرمادي منها، وعيد العمّال أصيب باللون اللعين.
خذيني بكرّاسة الزمن الجميل المهاجر صوب الذاكرة، لأضيء شمعةً في مدافن الحق قرب المأسوف على صوته، الاتحاد العمّالي. خذيني على براق القبضات المكسورة بالشوق، لأطفئ ضوء البيانات المهترئة في غرف اليسار النائم فوق إرثه. خذيني يا صديقتي بأشرطة الكاسيت البالية، لأوثق كيف يكمل العود والغيتار والدف، تدهوره الدارويني إلى أقل من برميل نفط. خذيني، كي أنزع عن شجرة العمّال ما تبقى من غصون يابسة. بعض الأشجار لا تنهض إلا بالتشذيب، بقوة المقص. سأقص التجار والسماسرة!
عيد العمّال هو الثقب الأكبر في ثوب السنة العادية. هو بيان الاتهام السنوي لما تبقى من الإنسان فينا. هو سجلّ العاملات السمر المنتحرات من دون أن يُحسبن ضمن أحزان العمّال. هو رائحة عرق الزنود الباحثة بين هموم لبنان، عما يعوّض عن نكبات سوريّة. هو المعول الأخير في البقاع، الذي لم تبعه سياسات الإعمار للبنك الدولي. وهو المطرقة الأخيرة التي نجت من نهضة البنوك على ظهر الوطن كله، وصفق الشعب معجباً مفلساً.. عيد العمّال هو اتهامنا بكل هذا: بنقص حاد في الذاكرة، بجهلٍ مطلقٍ في الاقتصاد، بكسل ثوري، بسوء أمانة مع حارسات منازلنا، بقلة وفاء مع أرضنا وأهلها.
لا شيء جديداً في الأول من أيار. مقالات كهذه ستكتب. بيانات حفظناها ولم نعد نميز الجديد منها عن القديم. مسيرات تصغر كل عام، ونقابات تمتعض وتستنكر فتدين وتشجب ثم تغفو. لا شيء جديداً في الأول من أيار. والمتعبون، بعضهم سيفضل أن ينام حتى الظهيرة في يوم إجازته ولن يهتم للفلكلور السنوي. وبعضهم سيبحث عن حرش عيد لم تبتلعه سوليدير. عن مدينة ملاه لم تسعّر رسمها منظمة التجارة العالمية. عن فسحة على البحر لم يمنع المحافظ فيها فعل الفقر. عن قهوة أخيرة لم تستبدل حبر القلم على الفاتورة بأنياب الغلاء. عن شجرة واحدة لم تستسلم للباطون ولم تصبح فرعاً جديداً لرأسمال جديد. ولن يجدوا كل ذلك. لن يجدوا في بيروت اليوم، مساحة واحدة للعامل العادي.

مدونة جوعان على الفيسبوك

شباب السفير


%d مدونون معجبون بهذه: