يوم رمادي

خضر سلامة

تنشر على المدونة بالتزامن مع نشرها في صحيفة السفير

أتعلمين يا صديقتي، ماذا يعني الأول من أيار من كل عام للعامل؟
كل ما يعنيه في هذا اليوم، أنه أول الشهر، أي موعد "معاشه".
كئيب أصبح عيد العمّال، يعبس في وجه الرزنامة كأي طفلٍ أسمرٍ يشعر بالوحدة في أرض الجيش الأبيض. يأتي رمادياً كآخر غيمة نستقبلها، قبل أن تقفل بيروت شتاءها. لا أقواس قزح ليلعب أبناء الكادحين عليها، بعد أن عزت ألعاب الأطفال القديمة. لا مطر يغسل العيون المرهونة للمصارف في عصر الديون التي تشتري كل شيء، حتى الإنسان. لا رعود تهزّ عروش الهيئاتSE4food الاقتصادية، ولا رايات تخفق وتتوعد الجاثمين على الجماجم.
أبشع الأعياد، الرمادي منها، وعيد العمّال أصيب باللون اللعين.
خذيني بكرّاسة الزمن الجميل المهاجر صوب الذاكرة، لأضيء شمعةً في مدافن الحق قرب المأسوف على صوته، الاتحاد العمّالي. خذيني على براق القبضات المكسورة بالشوق، لأطفئ ضوء البيانات المهترئة في غرف اليسار النائم فوق إرثه. خذيني يا صديقتي بأشرطة الكاسيت البالية، لأوثق كيف يكمل العود والغيتار والدف، تدهوره الدارويني إلى أقل من برميل نفط. خذيني، كي أنزع عن شجرة العمّال ما تبقى من غصون يابسة. بعض الأشجار لا تنهض إلا بالتشذيب، بقوة المقص. سأقص التجار والسماسرة!
عيد العمّال هو الثقب الأكبر في ثوب السنة العادية. هو بيان الاتهام السنوي لما تبقى من الإنسان فينا. هو سجلّ العاملات السمر المنتحرات من دون أن يُحسبن ضمن أحزان العمّال. هو رائحة عرق الزنود الباحثة بين هموم لبنان، عما يعوّض عن نكبات سوريّة. هو المعول الأخير في البقاع، الذي لم تبعه سياسات الإعمار للبنك الدولي. وهو المطرقة الأخيرة التي نجت من نهضة البنوك على ظهر الوطن كله، وصفق الشعب معجباً مفلساً.. عيد العمّال هو اتهامنا بكل هذا: بنقص حاد في الذاكرة، بجهلٍ مطلقٍ في الاقتصاد، بكسل ثوري، بسوء أمانة مع حارسات منازلنا، بقلة وفاء مع أرضنا وأهلها.
لا شيء جديداً في الأول من أيار. مقالات كهذه ستكتب. بيانات حفظناها ولم نعد نميز الجديد منها عن القديم. مسيرات تصغر كل عام، ونقابات تمتعض وتستنكر فتدين وتشجب ثم تغفو. لا شيء جديداً في الأول من أيار. والمتعبون، بعضهم سيفضل أن ينام حتى الظهيرة في يوم إجازته ولن يهتم للفلكلور السنوي. وبعضهم سيبحث عن حرش عيد لم تبتلعه سوليدير. عن مدينة ملاه لم تسعّر رسمها منظمة التجارة العالمية. عن فسحة على البحر لم يمنع المحافظ فيها فعل الفقر. عن قهوة أخيرة لم تستبدل حبر القلم على الفاتورة بأنياب الغلاء. عن شجرة واحدة لم تستسلم للباطون ولم تصبح فرعاً جديداً لرأسمال جديد. ولن يجدوا كل ذلك. لن يجدوا في بيروت اليوم، مساحة واحدة للعامل العادي.

مدونة جوعان على الفيسبوك

شباب السفير

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: