الخوف الطائفي

خضر سلامة

عنوانان شغلا بال النزاع الداخلي في سورية هذا الأسبوع، الأنباء عن ضرب قرى الساحل ذات الأغلبية السنية في بانياس من قبل ميليشيات مسلحة مقربة من النظام، وحصار قريتي نبّل والزهراء الشيعيتين في ريف حلب من قبل الميليشيات المعارضة وأنباء عن اعدامات قام بها ما يسمى بلواء التوحيد، الحدثان الدمويان المفترضان، كانا بعناوين طائفية محضة، والجميع يزعم أنه في رد الفعل، لا في الفعل، وللجميع ايضاً خندقه الذي يبرر ويشرح. لم يعد مهماً أن نعرف من بدأ بالقتل، في المنطقة الفلانية او الفلانية، لأن الأهم أصبح، من يوقف القتل؟ حين يصبح القتل لأجل الثأر لحدث كان لثأر هو الآخر، من ثأر آخر، وهذا ما يجنيه علينا تحول السلاح الى المادة الأرخص، إلا من الانسان، في بلد واحد.

حين قُسمت بلادنا مطلع القرن العشرين بين الاستعمارين الفرنسي والانكليزي، قامت الدول الحديثة بقشرة الدولة الوطنية، فيما حافظت على إرث قرون من التوزيع الديمغرافي الطائفي، والتوازنات الطائفية التي تحولت إلى طبقية مع الوقت، لعبت الأنظمة على هذا الوتر، لا بل وغذته، النظام السوري مثلاً، كان الأذكى في لعب ورقة الطوائف من خلال طرح نفسه أواخر الستينات ومطلع السبعينات، أنه حامي الأقليات في المنطقة خصوصا مع بدايات الحرب الأهلية اللبنانية، وعمل في سورية، على نقل التوزيع الطائفي إلى داخل المدن الحديثة النشأة اقتصادياً نفسها، أصبحت الدولة مختلطة طائفياً بشكل ما، ولكن، محافظة على الانقسام المجتمعي، تماماً كما جرى في لبنان من العهد الشمعوني إلى اتفاق الطائف مع نزوح الأرياف العكارية إلى طرابلس، والجنوبية والبقاعية إلى بيروت، الخ. تعددت الطوائف داخل المساحة الجغرافية الواحدة، ولكن، حافظت على طائفيتها وخصوصياتها المجتمعية أيضاً.thescreammunchcafleurebon

بقي الاصطفاف الطائفي داخل هيكل الدولة الوطنية المزعومة، التي ورثت الدولة الاقطاعية التي لم تكن أفضل حال، حيث كانت البكوات المنتمية إلى طائفة محددة في كل منطقة تسيطر على الأرياف بشكل عام، ما طور الخوف الطائفي إلى مزيج من الطائفية والطبقية، كانت المشكلة أننا نعيش الإرث الثقيل للحكم التركي للمنطقة منذ الممالكية إلى العثمانية إلى اليوم، التي ورثت الاقطاع الطائفي صبغة العشيرة في مناطق الطائفة الواحدة، وصبغة الطائفة في مناطق الطوائف المتعددة، امتزج الحقد الطبقي بالحقد الطائفي في الحالة الثانية مع التهميش المتعمد الذي قام في مراحل معينة على حجج التكفير والعزلة، وأدى في لحظات صعود الاقليات السياسي ، إلى ردود فعل عنفية قوية من الأقوياء الجدد بحجج الخوف من العزل الطبقي سابقاً، والديني المتجدد ايضاً.. وأدى إلى استعادة الطرف الآخر لمصطلحاته الطبقية والطائفية القديمة ايضا لمواجهة هذا الصعود..
 صعود الأقليات السياسي أواخر الثمانينات مع تنظيم نفسها والتغيرات السياسية الطارئة في المنطقة، ترافق مع النهضة العلمية التي طرأت عليها بعد عقود من التهميش، في لبنان وسورية، كانت لافتة من حيث فقدان الأكثرية السنية لكثير من امتيازاتها الطبقية والسياسية التي حافظت عليها لقرون تحت ظل الدولة العثمانية وورثتها، ولم يكن اجتياح العراق وفقدان الطغيان لصلاحياته لمصلحة ديمقراطية طائفية حديثة أنتجت حكماً بأغلبية سياسية شيعية، إلا ناراً زادت الهشيم الاجتماعي اشتعالاً في المنطقة.

لماذا هذا السرد السريع؟ لأن المسألة الطائفية ليست طارئة في بلادنا، بل هي نتيجة تراكمات اجتماعية وسياسية واقتصادية عبر عقود من الزمن، كي لا نقول قروناً، لم ينبر إليها أي كيان سياسي ليعالجها، حافظت الأنظمة على هذه العقد التاريخية، وردود الفعل المتبادلة، لا بل حولتها إلى أداة سياسية تستعمل عند الحاجة، كما الحال في واقع التقسيم الطائفي الاجتماعي في سورية الذي صمد وتطور تحت ظل الدولة اللاطائفية المزعومة على الأقل، كما في التعامل الاجتماعي السعودي مثلا مع منطقة الساحل والأحساء.

اليوم، يعود الخوف الطائفي ليصبح حكماً في الشارع، يتحدث البعض عن خوفه من عودة بكوات الطائفة الفلانية، ويتحدث آخر عن حقه كأكثرية في الحكم، ويتحدث أخير عن خوفه من عودة مجازر القرون السابقة، ويتحدث ذلك عن فتاوى هدر الدم، ويتحدث ذاك عن خوفه من سلاح الآخرين المدجج، إلخ.

لا يمكن معالجة هذه الأزمة، بالبلاهة التي يتعاطى معها البعض بتصنيفها أنها طارئة، و”أخطاء فردية” وسلوكيات معزولة، ما نعيشه اليوم هو أن ثمة شيطان قد نفخ الروح في خوف المجتمعات من بعضها، والتي صادف أنها مقسمة مناطقيا ودينياً في بلادنا، وحين نفخ هذا الشيطان الروح فيها، هبت كل شياطين المنطقة، ملتحين ومعممين وببذلات وغيرها، لتزيد في النفخ: خوفاً من الأكثرية هنا يدفعها إلى الدم، وهوساً بحكم الأقلية هناك يدفعها إلى الدم.

ما الحل إذاً؟ الحل هو مشروع جديد، لم يعد يجد الحديث عن ضرورة انتهاء مرحلة، وننتظر لنرى ماذا سيكون البديل الذي “ينتج نفسه بنفسه”، البديل في ظل هذا الحذر الشديد ويد الجميع على الزناد (وبعضهم على السيف) هو الدم والفوضى المطلقة والثأر والثأر المتبادل، تماماً كما يجري اليوم مضاعفاً جداً، فمن يستطيع أن يقدم مشروعاً، لدولة وطنية حقيقية بنظام حقيقي، مع خطة زمنية موسعة للمصالحة الاجتماعية، في مجتمع يقف على هاوية فرط عقده الاجتماعي من لبنان إلى العراق مرورا بسورية والبحرين وعودة إلى ساحل الجزيرة؟

إلى أن يظهر هذا المشروع، بين مجازر الخوف المتبادل، تقف البلاد بين جيشين وعلمين ومقبرتين، وموت واحد فقط.

مدونة جوعان على الفيسبوك

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: