حصتي من الحب

خضر سلامة

يوقظني ناقوس الخطر، ثمة دائماً من يدقه على الشاشات، أسير على حافة الهاوية التي اعتادت السلطة أن تأخذنا إليها كلما شعرنا بالملل، أخاف على المرحلة الحساسة من حساسية الربيع سيئة الذكر، وكلّما حدثوني عن الوحدة العربية، والوحدة الإسلامية، ووحدة المصير، والوحدة الوطنية، يزداد شعوري بوحدتي بين عقارب الساعة، في مدينتي، مدينتي التي كلما كبرَت، صغُرَ حلمي، حتى أصبحَت مدينتي كبيرة جداً، وحلمي لا يُرى: حلمي أن أحتفظ بما في بالي من صوَر…

أعرف ماذا أحتاج، أريد أن أُلبس المدينة أغطيةً بيضاء كتلك التي تغلّف الغرف المسكونة بالخوف في الأفلام، علّها تخفف بعض الغبار عن وجه لغتي، أغطي مبناً مهدداً بماكدونالد جديد، كي لا تعرف المطرقة الطريق إليه كما عرفت الهراوة الطريق إلى كتف متظاهر، وأغطّي حديقةً من شر بلل الإسفلت الذي يزحف فوق وجه الفصول، كزحف الأحزاب فوق الدماء، سأحفر قرب وسط المدينة خطاً طويلاً من التراب، كي يستدلّ المطر الأعمى على السبيل إلى الأرض ولا يستمر بالركض كثائرٍ أضاع الراية، مدينتي ليست حجراً ولا صورة، مدينتي هي ما أرى بعين قلب الحلاج وحين أسألها من أنتِ تقول أنتَ، وما أسمع بأذن بيتهوفن حين يعرف أنه ليس أصمّاً بل دهشة الموسيقى أسكتت ضجيج العالم، وما ألمس بكفّ لوركا حين ألمس شجرة الزيتون عند قتلي بفاشست الملل فأبتسم، وما أشم في خد جدتي من ياسمين فأصبح فلاحاً.532897_322593411202137_963811212_n

مدينتي هي ما أرى: بحرٌ لم يُردم، بل لملم موجه كي لا يتنجّس بالركام وبأكياس التعب المرمية على كتفه، وعاد إلى القعر، وقعرٌ لا ينام، بل ينتظر أن تُطفئ المدينة أنوارها، كي يُخرج نسائمه الباردة لترقص عاريةً على ما تبقى من الرمل ليلاً، وليلٌ قبل أن ينتهي، يكنّس ما تبقى من سُكارى الشارع، وشارعٌ يقف في الصف أمام وزارة المال، كي ينهي معاملات الضرائب على نصيبه من حزننا.. وحزننا على ما نراه ولا نراه، في المدينة.

مدينتي هي ما أسمع: قرع الطيور لطبولها في حفر الرصاص في ما تركت فوضى الإعمار من فوضى الدمار في المباني، وعزف المباني بمنافض السجاد لحن المسافة بين الشتاء والصيف، وصيفٌ يعمّر رقصات الدبكة التي تعوّض الجرعة الزائدة للمدينة في طباعنا القروية، والجرس القروي لبائع الكعك الذي لم ينقرض، بل أضناه المشي، فتقاعد العجوز واستحال رصيفاً للسيارات، وعويل السيارات من ألم كماشة الوقت في مأساة زحمة الخلق بين ذراعيّ حزننا.. وحزننا على ما نسمعه ولا نسمعه، في المدينة.

لست أمارس الحنين إلى ماضٍ لم يدركني منه سوى الفاصل بين الأبيض والأسود في الصورة، ولم يغرني صوتٌ متقطّع لتسجيل رديء لشاعرٍ مرّ حين كانت البيوت تتكلم العربية الفصحى، أنا ردّ الفعل العادي جداً، على فعلٍ غير عاديٍّ بالثقافة: أقلامٌ يغمسها أصحابها في النفط الأسود، وأعلامٌ يعاد تلوينها بالدم الأحمر، متاريس تُنصب في المدارس بين صف التاريخ وصف الجغرافيا، فتسقط التربية الوطنية قتيلة، أطفالٌ يُمسكون السلاح بأسلوب الرجال في القتل، ورجالٌ يمسكون الوطن بأسلوب الأطفال في اللعب، مدينتي في البال، ردّي الشعري على اللاشرعي من المدينة: لمدينتي موعدها مع بائع غزل البنات، ولا موعد لها مع حرب قادمة، ولمدينتي عدالة الميزان بين أبنائها، وليس لها خبث الشرطي في اصطياد الفقراء، لمدينتي نافذتها على البحر، وكل ما سد السماسرة به رئتيها، مؤقّت.

هكذا سأنقذ ما تبقى من الأنوثة في المدينة: سأعطي عيني للدين الأعور، أذني للزعيم الأصم، كفّي لكتاب القصور المكتفين، قلبي للمتقاتلين فوق الفقر، أنفي لمن لا تخيفه رائحة البارود، وسأعطي أصبعي الأوسط للسلطة وللمصارف.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: ,

2 تعليقان to “حصتي من الحب”

  1. Manar Says:

    خضر رائعة … عنجد لا تعليق🙂

  2. b. Says:

    Reblogged this on Alya's trip and commented:
    ..هكذا سأنقذ ما تبقى من الأنوثة في المدينة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: