لا تزعجوا الحرب

خضر سلامة

(كتب هذا المقال قبل مجزرة حطلة الطائفية التي ارتكبتها أيضاً مجموعة معارضة مسلحة في حق قرية ذنب سكانها أنهم من مذهب “كافر”، تضاف حيثياتها إلى اللاحق تبعا للتبريرات التي ضج بها مجتمع المتحالفين مع القاتل “الثوري”)

ضجّت صفحات الفيسبوك، بصورة “سلمو” الطفل الحلبي ذو ال15 عاماً، الذي أعدمته كتيبة جهادية إسلامية في مدينة حلب شمال سورية، بسبب “كفره”. الصفحات الموالية لنظام الأسد، كانت الأشد في ادانتها والاضاءة على الحادثة، الجميع تلطى خلف انسانية طارئة. في بلد يملك فيه الجميع أرشيفا كاملاً من مجازر وقتل وقصف واعدامات متبادلة، خلال قرابة عامين من النزاع المسلح الداخلي.

مشكلة أنصار التنظيمات المسلحة المعارضة، وأنصار القوى الأمنية النظامية السورية، أن الطرفين يصران على تصوير المعركة على أنها انسانية، وأن الآخر فاقد للانسانية، مجرم، قاتل للأطفال، مستبيح للأملاك العامة والخاصة، إلخ. وتالياً، يقوم كل طرف عند أي مجزرة، قصف، اعدام ميداني، تفجير انتحاري، بنشر الصور لتصوير خصمه أنه عدو الانسانية، وفي جعبة الاثنين ما يكفي لادانتهما سوية على المقياس الانساني البحت، بعد سنة ونصف من السلاح.
بعيداً عن “الاستقطاب”، واحتراماً لعقولنا، يجب التوقف عن تصوير المعركة من أي مسلح، على أنها انسانية، اذا كان القتل الجماعي او العشوائي او العشائري أو الفردي، مقياساً للانسانية، فالطرفان متهمان. المعركة اليوم خيارات سياسية بحتة، وصورة مجزرة من هنا، وقتيل من هناك، لن يغير شيئاً في الاصطفاف الاقليمي: للجميع وثائق عن جرائم الآخر، والصراع يصبح تافها حين يصبح على مقياس: مجزرتي أجمل من مجزرتك!Untitled

النزاع إذا فقد صفته الانسانية، لم يعد الصراع في سورية صراعاً بين خندق الاستبداد وخندق الحرية، اختلطت التحالفات وانفرطت أخرى وتكونت أخرى طارئة، وكان التسليح المضطرد بوابة الدخول الإقليمي الى الحسابات الداخلية، وانقلبت المسائل العرقية، وانفتحت الملفات الطائفية بين البيئات ال”متعايشة” الواحدة، وصار الملف السوري، ملفاً منصهراً بالملف العراقي واللبناني والكردي، إلخ.

كل هذا إذاً، نزع عن الصراع صفته الانسانية من جهة، وصفته الحقوقية من جهة، لم تعد مخيراً بين آراء سياسية داخلية، تصطف فيها مع صاحب دعوة خلافة اسلامية، أو دعوة مدنية ديمقراطية، أو دعوة حفاظ على نظام طاغٍ متهالك، صار الصراع أكبر: التخندق مع الدول الاقليمية المتنازعة، ملفات الحصص العرقية في الشرق الجديد، مستقبل حكم الاسلام السياسي، مستقبل شكل الدولة الاسرائيلية وهويتها وشرعيتها الأخلاقية، نفط الساحل وغازه وخطوط الامداد الأوروبية، المقاومة المسلحة في المنطقة، الدول الوطنية وفشلها والمسألة الطائفية فيها، كلها أعباء حملت على أكتاف المتظاهرين السلميين المنتفضين منذ الأيام الأولى، في بلد لم يحظ بفرصة العمل السياسي ، فتم إقصائهم، لصالح رهبة السلاح، وديكتاتورية “الثورة” المقدسة خارج النقد، كما تم إقصاء العقلانيين من وسطيي النظام، لصالح الحل الأمني و”الحسم” والاندماج في المحور الاقليمي حتى الانصهار.

للأسف، وأقول للأسف، لم يعد للصراع صفة إنسانية ولا صفة محلية، ولم يعد تغييرياً، الجميع يستطيع أن يأت بآلاف الصور والفيديوهات لإثبات “أخطاء” الآخر وخطاياه، والتهم المتبادلة جاهزة، من ارتكابات الجيش النظامي والتقديس المطلق لفكرة “البوط” المؤشرة إلى ثقافة الالغاء التام والتخوين التام، وارتكابات المعارضة المسلحة المحشوة بالفكر الإلغائي والمتخمة بمحاولات “النسخ واللصق” الأفغانية والشيشانية وغيرها.

إلى أن يجد الساحر الدولي حلاً مرضياً لكل الممولين، أو أن يكسب أحدهم نقاطاً حاسمةً على الأرض جغرافياً بالمعنى العسكري، كفوا عن محاولات كي وعينا، والتمسك بجريمة مدانة من هنا لتعويم فكرة “الآخر الوحش”، وبفيديو مزور مفبرك من هناك لتعويم التهم الطائفية على الآخر. هناك حربٌ عالمية تدور في سورية، هناك ألف ماكنة قتل لكل أسبابها. لا تزعجوها.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة:

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: