في المسألة الطائفية

خضر سلامة

يروى أن القائد الشيوعي الراحل جورج حاوي التقى في لقاء عام بأحد مسؤولي القوات اللبنانية (اليمين المسيحي) الذي بادره بالقول: نحن مش حزب طائفي، وبالدليل عندنا 90 شهيد مسلم، فأجابه حاوي: لو لم تكن طائفياً لما عددتهم.

حركة أمل، الطائفية الشيعية، حركة مبنية على بيان تأسيسي يدعو لالغاء الطائفية، تيار المستقبل، الطائفي السني، هو تيار متنوع بانتمائات أعضائه الدينية، الحزب الاشتراكي، الطائفي الدرزي، حزب يحمل في عقيدته لواء الاشتراكية العالمية، حزب الوطنيين الأحرار، الطائفي الماروني، كان قائد جناحه العسكري في الحرب مسلماً شيعياً، إلخ. فهل الطائفية حقيقة، هي في “مصلحة أبناء المذهب؟”

الطائفية هي الانتماء السياسي لخيارات تخدم مصلحة جماعة (طائفة) معينة، عادة ما تكون تمثل البرجوازية الاقتصادية لهذه المجموعة (قد تكون دينية، أيديولوجية، غيره). وتالياً، الاسقاط الديني على كلمة طائفية في الشرق، ظالم (في جزء كبير منه)، الطائفية لا تستقي منابعها في أغلب الأحيان من نصوص شرعية دينية، بل من خطاب شعبوي شعبي من نوع أمن الجماعة، والجماعة، وهي أيضاً تعني فقط المنتمين لهذا الخيار من هذه الطائفة، فيكون الخارجون عن هذا الخيار الأكثري ضمن الطائفة، لا تغطيهم شعارات "أمن الطائفة" "المظلومية" وغيره.d8a7d984d8b7d8a7d8a6d981d98ad8a9-2

وعلى المثال اللبناني مثلا، تجد أن اعتقال الشرطة لمواطن " من طائفة أكس" صاحب خيار سياسي يوافق الصوت الاعلامي الاعلى للطائفة أكس، يثير امتعاضا شعبيا في هذه الطائفة لا يثيره اغتيال مواطن من نفس الطائفة إكس معارض لهذا الخيار، في الحالة الأولى يبدأ الحديث عن استهداف للطائفة، ومظلومية، وتهميش، وفي الحالة الثانية، خبر عادي.

وهذا يعني أن الطائفية ليست الانتماء الديني، بل الانتماء السياسي باسم المذهب، الانتماء السياسي لصالح الخطاب الاعلامي التحريضي الذي يتكلم بأمن الطائفة وشرفها وكرامتها، لا بمصالح أخرى سواء خصمة أو ما يسمى، معتدلة. طبعا تدخل بعض الاستثناءات حين يكون الحزب او المنظمة، قائمة نفسها على شعارات دينية ماورائية، عندها يصبح الانتماء الطائفي شبه متكامل من ناحية: انتماء حزبي، انتماء سياسي، انتماء ديني.

وتالياً، تلاحظ أن الطبيعة العشائرية السياسية في المشرق، لم تكتف بتحويل الدين إلى طائفة (اسلام مسيحية) المذهب الديني إلى طائفة (سنة شيعة)، وأحيانا العشيرة إلى طائفة (عشيرة آل فلان)، وأحيانا العرق إلى طائفة (كرد عرب) بل حتى أن الأحزاب التقدمية (شيوعيون، قوميون..) تحولت إلى ما يشبه الطائفة أيضاً، تحصر علاقاتها العاطفية والمهنية والاجتماعية ضمنها!

الطائفية إذا، هي الابن الشرعي للنظام السياسي القائم منذ الفتح العربي لبلاد الشام إلى يومنا، الذي قام على الحكم عبر وهب المناطق للقبائل مثلا في بعض المراحل، ومن ثم اعطاء الامتيازات القبلية والأميرية والبكواتية في المرحلة التركية، ومن ثم دخول الأحزاب من باب استقطاب العائلات وقيام الأحزاب المنافسة باستقطاب العائلات المنافسة "لحمايتها"، كما أن الطائفة ابن شرعي، لسياسة الأنظمة المتوارثة أيضاً منذ مئات السنين، بضرب الأقليات بشكل يهمشها مناطقيا بشكل مغلق، ينتج عنه نظام اقتصادي اجتماعي شبه مستقل.

حديث ربما يطول، ولكن يجب فهمه بشكله التاريخي الكامل، والاجتماعي الكامل أيضاً، ربما للبحث عن مخرج في مأساة خطر تحويل الإرث الطائفي الطويل إلى فلسفة دينية ماورائية، تحول النزاع الذي يقوم على جذور اقتصادية دولية، واقتصادية محلية، واجتماعية مناطقية، إلى نزاع "مقدس" باسم الدين، بعضنا يخدمه بالتسليم بكونه كذلك.

مدونة جوعان

الأوسمة:

رد واحد to “في المسألة الطائفية”

  1. samurai Says:

    موضوع جميل

    عاشت الايادي

    وبارك الله بيك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: