مع يهوذا على كأس

خضر سلامة

ولسوف أتريث قبل أن ألعن يهوذا هذا.. فالله وحده يعلم ماذا يكمن في قلوب السكارى – دوستيفسكي (رواية الأبله)

ندخل الدنيا ونحن نبكي على أنفسنا، لأننا سنشتاق الراحة والصمت، ونخرج منها فيبكي الآخرون على أنفسهم، لأنهم سيشتاقون ضجيجنا والصوت. الحياة أنانية شخص، والموت أنانية الآخرين، والمسافة بين حائط الولادة وهاوية القبر، مسيّجة بالبكاء: هل يولد الانسان حزيناً، فيكون الفرح استثناءً طارئاً؟

رأسي قجّة الآلهة، يسقط الأول فيها مصروف يومه من اللهو بأقدار البشر، ويسقط آخر فيها ما في جيبه من فكّة الأسماء التي سأحفظها، ويأتي الأخير بصورٍ وأحاديث وقصائد، يخبّئها من عين حبيبته في رأسي، قجّة الآلهة.
وحين تجوع السماء، ستفتح رأسي، لتأخذ ما لها، وتترك ما لي: أفكار لم أفرغها في محبرة اليوم العادي جدّا.

لم أبع مسيحاً واحداً، من أنا لأبيع ابن الله؟ سرقت ثلاثين من الفضّة من يد أميرٍ كان يرشّ البؤس على الرعية، وهربت، وحين رآني الصحابة في حانة الشيطان، أتناول الكأس بسرعة من لا يعجبه طعم الدواء ولا وجع الداء، وأرقص مثل أي حزينٍ يقلّد الكوكب في دوخة سُكره، قالوا أني بعت نبيّهم. لم أبع نبيّكم، رأيته في الصبح يركب حماره ويرمي اللعنات على شعوب الظلّ ويقول: “كانوا يعلمون، كانوا يعلمون، لا تغفر لهم”. رأيته يكوي صليبه بدموع أمه، ليعود إلى السماء أنيقاً، وحين تسلّق على سلّم أوليمبس، ووصل إلى كتف والده، شتمنا كأي طفلٍ انتظر هدية الميلاد ولم تأتِ.

لم تراعوا الطفل في نبيّكم، فلماذا تتهموني ببيعه؟132

سُكْرٌ سُكْرٌ سُكر. هذا العالم محكومٌ بالسُكر وبالخمر، وكلّما استفاق رجلٌ من سُكره، صلبتموه، ثم صلبتم الساقي لأنه أطلق سراح عقل القتيل حين عفاه من الكأس الأخير.

لماذا أدفع وحدي، ثمن هرب ابن الإله من هذا الخراب الكبير؟ أحيى الميّت منكم، فلبستم ثوب الأموات، أبرأ الضعفاء من أمراضهم، فتقيّأتم أمراض شروركم، أعفى يد حزينٍ من شللها، فقطعتم أيديكم وأرجلكم. لم أسلّمه بقبلة في بستان جسيماني، قبلته لأودعه، فأغاظكم فعل الحب، وقتلتمونا. كان يجب أن يرحل، رأيته أسمراً كبحر يافا حزيناً، بعيون سوداء كشال مريم على الجلجلة، فصنعتم منه رجلاً أشقر بعيون زرقاء، لترضى روما.

كيف يزوّر تاجرٌ إلهاً!

أنا الذاهب إلى مشنقتي بقدمين من كمّونٍ وملح، لأجمّل خمرة الأرض فتصبح أشهى، دعوني بسُكري، وقولوا ما شئتم في كتبكم، سأقول في موتي، أني لم أبع مسيحكم ومعلّمي، تجارتكم الرابحة، وخسارتي لنفسي في نفسه، لم أبع شيئاً، أنا شيطانٌ آخر، ستلبسوه ثوب الخطية لتأخذوا صك البراءة، وتأشيرة الهبوط إلى دركٍ آخر من التراب.

ماذا يكمن في قلوب السكارى؟

سيكتبون أني بعت، وسيحكون أني خنت، وستخيف الأمهات أبناءهن باسمي: يهوذا على الباب جاء يبيعكم للطغاة وللصليب، أغمضوا عينيكم قليلاً، وخافوا، لن أبيعكم، ولكن خافوا مني: سأحيط بكم كحقيقةٍ لا خلاص منها، وسأصرخ في أذن الليل كلما حاول أن يحميكم النوم من غضبي وثأري: يهوذا لم يخن، والتُجار سيُسحلون.

يا ابن الانسان وابن الله، لم أبعك، باعك من وجد في الصليب حطباً جيداً ليدفأ أبناء الأفاعي، وحين انتفضتُ على كذب كتبة التاريخ، قلعوا بصمة شفتيك عن خدي كي ينكرون حبّك للطفل فيّ، واتهموني بالخيانة. فصرت خوفهم اليومي: خوف القاتل فيهم من عناوين الجريدة.

هذه خطيئتي، لا تسامحني، لا أريد منك أن تسامحني، ولكن، اسمعني.

الأوسمة: , , , ,

رد واحد to “مع يهوذا على كأس”

  1. محمد Says:

    مبدع صديقي …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: