Archive for 28 أغسطس, 2013

لنحطكن بالصورة

28/08/2013

خضر سلامة

هل يعرف الأطفال وهم يلعبون بين المدينة والمدينة، أنهم ربما يدوسون على قبر جماعيّ، لم يتسنّ للسلام أن يكنس الغبار عن وجهه، كي نعرف هويته؟ هل يعرف السكارى في الملهى الليلي أنهم يتهاوون بخمرة فرحهم، فوق دموع ثكالى كان الجنود الذين داسوا هذه الأكواخ قبل ثلاثين عاماً، يزرعونها في عيون أمهات كثيرات؟ من خطف فلان، وفي أي صندوق وضعه؟ هل وضع الخاطف ضحيته في خشبة تابوت، أم خشبة تعذيب في معتقل، أم خشبة إعلانٍ عن انتصار جديد، انتصرت فيه الميليشيا على القلب، والبارودة على فرحة كل عيد.missing-lebanon-ara

قبل ربع قرن، طوينا صفحة الحرب الأهلية، أقنعنا بعضنا بأنها لم تحدث، وأنها مزحة ثقيلة لا أكثر، لكن الحرب أصدق إنباءً من كتبة التاريخ المزوّر، تلاحقنا بضحاياها، بصورها الثقيلة، وأهم من ذلك كله، بمئات الأسماء المعلقة على خيمة الوطن الصغير، والتي تحاصرنا بوجوه لا تبتسم، لأن ما من شيء في قصة خطفهم، يستحق الابتسامة.

من المسؤول بعد هذه السنوات كلها؟ عن معاناة من لا يمكن أن يقنعها اتفاق الطائف بانتهاء المأساة، وعن حزن من لا يمكن أن يصدق البذلات الرسمية على أجساد من كانوا في بزات عسكرية قبل عقود، وعن شوق من لم يعرف كيف يعرّف نفسه، يتيماً أم منكوباً أم مشتاقاً فقط.. لأن ثمة من ارتأى أن يخفي أباه أو أمه؟ المسؤول هو النظام كله: مجلس النواب الذي سامح نفسه على خطاياه، عسكر الأحزاب الذين بدلوا شعاراتهم بالنشيد الوطني وظنوا أننا لن نعرف وجوههم المتهمة بكل شيء بشع، الاعلام الذي يعتذر عن بشاعة الحزن، كي لا يخبرنا عن جديد الألم القديم، الناس الذين اختاروا أن ينسوا، لا أن يحاسبوا ولا أن يسألوا، نحن، لأننا لا نعرف أسماء المفقودين كلهم.

يا سادة الحرب، ولصوص السلام، ألا نستحق ونحن الثكالى بكل شيء، أن نعرف أين أخفيتم مسروقاتنا الوطنية، وفي لائحتها بشرٌ كانوا عاديين، فصاروا بشراً مفقودين؟ إذا كنتم قد سرقتم أحلام مستقبلنا، أفرجوا عن حقيقة ماضينا، كي نتوضأ بالذاكرة الحقيقية، ونراضي الأمهات والآباء والأبناء المنتظرين، بهدية الحقيقة.. أفرجوا عن المفقودين أحياء وأموات، في مستودعات جرائمكم.

تحية للجنة الدولية للصليب الأحمر على جهودها في قضية مفقودي النزاع الداخلي اللبناني..

Advertisements

قلبي سجّادة الوطن

01/08/2013

خضر سلامة

أنتَ سجّادة بيت الوطن، كلّما قفزَت شمسٌ لتمحو غيمة، أو سقط مطرٌ ليكنس صيفاً، أمسكتك الأنثى من أذنيك، لتعلّقك في صندوق الشرفةِ مَعرَضاً لعيون الناس الباحثين عن قصة، يتسلون بها حين تنقطع أخبار الحرب، تنفض عنك بعصا فلقت بحر موسى، وجدفت بسفينة نوح، وقبلت يد المسيح، ورعت غنم محمّد، تنفض عنك بها غباراً تركته السيارات على نقوش الاسفلت في قلبك، ودعسات الشرطة على كرامتك الناعمة، وأوساخ الأطفال الذاهبين من الطفولة إلى السجون.

من نسج عروقك؟ أفي زاوية من زوايا شيراز جلس شاعر صوفي يخفي في شرايينك فن التوحّد بالنار ناراً؟ أو خبّأ فيك عجوز صيني كل أدوية القلب وأقفلك بعشبةٍ بحريةٍ كي لا تبوح بأخبار الموتى؟ أو دفن فيك تاجر من اسطنبول حكاية وطنٍ حقيبة يحملها صيّاد القصص، كي لا يشعر بالوحدة في الطريق من شفةٍ إلى شفة؟ من نسج عروقك، وأنت سجّادة البلاد، تعرق الصحراء من تحتك فتكتظ رائحة النخل المقطوع بغارةٍ في لغتك، ويحمل الهواء إليك بتلات الزهر الراكب في الريح، فتُزهر مثل أي طير يصدّق أن فوهة البارودة تصلح لقبلة.

ماذا تنزف، حين تنفضك النساء؟Alessandro_Gatto_Italy

تُسقط حرفاً، يفتح احتمالات الكلام، ألفٌ تحيّر اللفظ بين الأمل والألم، باءٌ تضيعك بين البسمة والبكاء، ياء تدوخ بين اليوم واليأس، هاء تغفو في الطريق بين الهوى والهوان، واوٌ ترميك بين الوعد والوداع، واحتمالاتٌ كثيرة، حروفٌ لا تعرف أي قصيدة تختار لك، من ديوان عمرٍ يركض مسرعاً صوب تكرار مملٍ للجريمة، جريمة العين بحق القلب.

تُسقط نوتة، تفتح احتمالات الغناء، آهٌ تكاد تكون موالاً بغدادياً حزيناً، أو أهزوجة عرسٍ فلسطينيٍ جديد، وترٌ يصحّ في عود زرياب ليطرب القصر، ويصحّ في عود الشيخ إمام ليبكي التاريخ، جرسٌ في كنيسة ليعود المؤمنون إلى كف الله، أو جرس إنذار ليعود القتلى إلى قبورهم إن عادت الطيارات، نوتات لا تعرف إي أغنية تختار لك، من سهرات الليل المضاءة بالرقص أو المطفأة بالوحدة.

ماذا تنزف، وأنت سجّادةٌ نُسجت بخيط الخلْق على مهل، تارة تكون ممسحة الأم، تديرك بين الزاوية والزاوية لتلم أوساخ الحياة، وتارةً تكون سجّادة صلاةً يعلّقك الواقفون على شرفة الله خلخالاً لأقدامهم الراكعة، وتارةً لزوم الزينة في كوكبٍ يحب ما لا يلزم، ومجرّد إضافة تجميلية للشهيق والزفير في كل ثانية، وأخرى، سجّادة شتاءٍ تخفف البرد عن وجه المدهوش بصوت المطر، حين لا يجد يداً يمسكها، ولا كأساً يشربه.

ما أصعب أن تكون على الأرض، لا تراك الأعين إلا نقوشاً جميلاً، ولا الأقدام إلا ممراً إلى الدفء ومداساً حنوناً، ولا الأيادي إلا كومة غبارٍ وجب صفعها.

سجّادة للوطن، بكل ما فيه.

مدونة جوعان على الفيسبوك


%d مدونون معجبون بهذه: