Archive for 27 سبتمبر, 2013

عن المأساة العكارية

27/09/2013

خضر سلامة

تعليقاً على غرق 16 عكاري في بحر أندونيسيا أثناء تهريبهم إلى استراليا

فكرة الدولة اللبنانية، قامت منذ عام 1943 على أن الدولة هي بيروت وما حولها من جبل لبنان، فيما تكون مناطق الأطراف: البقاع، بلاد بني عساف (الشمال)، بلاد جبل عاملة (الجنوب)، مناطق تابعة للدولة المركزية وتعمل على مدّها بالضروري لرخاء طبقاتها الأرستقراطية (ملاكو المصارف، تجار المرافئ، اقطاعيو الأراضي)، أي اليد العاملة والضرائب. وتالياً، تغيب الدولة تماماً عن واجباتها في تلك المناطق (تعليم، مرافق صناعية وزراعية، أمن)، وتحضر في حقوقها (ضرائب، اعتقالات جرمية، إلخ). تفتش في المدينة عن أهل الأطراف، فتجد معظمهم معلقون على حائط المشاعات في البناء، أو الأبنية الآيلة للسقوط، تجدهم على سيارات الأجرة والباصات تصعد أنفاسهم وتنزل مع تسعيرات البنزين الجديدة كل أسبوع، تجد بعضهم في وظائف تكبلهم إلى انتماءات حزبية تارة، وحربية تارة أخرى، باسم الطائفة أو الدين أو أي تحريض آخر، يجد وقوده في الفقر والنقمة على الواقع.image

هذه الدولة لم يغير شيء تاريخياً من عقلية سياسييها، الحرب الأهلية التي خرج إليها البعض بحجة مساواة الريف بالمدينة، حوّلها مع الوقت إلى نار تأكل من مقاتلي الأطراف، وسلام الطائف الذي قال بالإنماء، حوّل الانماء إلى شركات خاصة للأحزاب، تقنّن الإنماء في الأطراف باسمها الشخصي بما يناسب بقاء الفقراء مرتهنين لها، وحتى الزعماء الذين خرقوا احتكار المدينة للسياسة بعد الحرب ووصلوا إلى المجلس والحكومة، فهموا اللعبة واستغلوا سلطتهم ليربطوا علاقة الأطراف بالدولة، بعلاقة الأطراف التبعية لهم أولاً كوسيط بين الفقراء ودولتهم (ميقاتي، بري، سكاف، إلخ.)

من يتحمل مسؤولية موت قرابة عشرين عكّارياً اليوم في بحر أندونيسيا هرباً إلى أستراليا، طبعا يجب أن نبدأ من الحديث عن أن تجارة تهريب البشر هي ثالث أكبر التجارة اللاشرعية في العالم بعد المخدرات والسلاح بحجم يتخطى ال35 مليار دولار، وضحاياها بالآلاف سنويا سواء في المتوسط أو في الهادئ أو على الحدود الأوروبية والأميركية، ولكن المسؤول دائما يكون، هو من دفع هذه الآلاف إلى انتقاء الخيار الأصعب بالتكوّم في سفينة أو في حاوية، هرباً، هرباً من ماذا؟

المسؤول في لبنان، هي الدولة اللبنانية كمؤسسة فاشلة أولاً يجب نعيها وإعادة تأسيسها، ونواب المنطقة الذين سيحضرون مراسم التعزية دون بيان رسمي عن ماذا فعلوا خلال خمس سنوات من ولايتهم لمنطقتهم في المجلس النيابي، غير الخطاب الطائفي والتحريضي، وطرفي الصراع السياسي في البلد الذين يتحملان الجمود الحكومي والأمني والاجتماعي، وأخيراً، سياسة إعادة الإعمار التي أعطتنا الطرقات السريعة، وأخذت منا نقاباتنا واقتصادنا وصناعاتنا وزراعاتنا كلها.

لا يمكن اصلاح هذا النظام، هذا النظام الذي قام على استخدام الفقراء في تطويعهم كحرس للأغنياء لا يمكن إصلاحه، يمكن نسفه واعادة بناء لبنان آخر، وإلا، فإن الهوة ستستمر بالاتساع، ونزيف البلد هجرةً تارةً وتهجيراً تارة أخرى، سيستمر. يقول فيبر، أن الدولة هي الكيان الذي يحتكر العنف، صحيح، ولكن لبنان، هو مثال الدولة التي تقوم من مجموعات سياسية، تحتكر عنفاً آخر: عنف الإفلاس والإفقار والتجويع، ثم تختبأ على الشاشة خلف حماية الطائفة وتمثيلها وكشفها لمؤامرات المجموعات الأخرى.

غرق العكاريون في بحر أندونيسيا.. فمتى يحل الطوفان على هذا النظام الذي أرسلهم، فيغرق منقرضاً؟

Advertisements

أمسك عيني لأرسم

09/09/2013

خضر سلامة

وحين فشلت في حصة الرسم قبل سنوات كثيرة، في أن أتجاوز مستوى رسمة بيت من قش، وشمس تبتسم، وشجرة مرسومة على عجل، وتلال سهلة النحت في الورقة، قررت أن أستعيض عن الريشة، بفكرة، ورحت أرتّب خلايا العين كأقلام تلوين، وأجرّ الحاجب كيدٍ تمسك البصر لتكتب فوق المشهد ما تريد، قررت أن أرسم:

أرى بيتاً، بابه من خشبٍ داكن اللون يُشبه بقايا شجرة ٍهاربةً من المغول في بغداد، أفتحه بمفتاح صدئٍ قليلاً كما مفاتيح القدس المخبئة في قلادة فوق صدر الجدة، أدخل بعد أن أقرأ آياتٍ من آيات الشيخ إمام بلا عود، فالعود تركته يحرس زاوية المدخل، كي لا يدخل غير اللغة العربية إلى المنزل، أتجاوز صندوقاً قديماً بداخله رسائل وحكايات وألعاب صغيرة، تستقبلني كي تذكرني بكلمة السر لصنع الأسرة: أحبك. لوحة لأشياء مبعثرة على وجه المدينة، مكتبة تشبه أرشيف أجهزة الأمن، كتبٌ تحفظ ذاكرة القراءة، وكتب تنتظر على محطة قطار المساء، تحف أقتنيتها لأجلها من سوق الكوكب، وألفت بها قصةً عن كل بلد، بكل لغة، مزهرية تحرص سيدة الفكرة على نفض العمر عنها بوردة طازجة كلّما تعبت الوردة القديمة واستقالت من لونها، غراموفون لم يجد من يصلحه لأن آخر عجوز كان يذكر قيمته، استعجل بالرحيل، أوراق لقصائد لم تنته، وأعقاب سجائر تغير مكانها كل قليل، وأنثى دافئة تتعرى أمامي وتفرك خدها في خدي ثم تخجل، كما يتعرى البحر كل مساء ويفرك ظهره بعواميد الإنارة.. فالبحر يخجل أيضاً.536262_569244523103960_1176403767_n

أرى سريراً يكبر كلما سقطت فيه نائماً، محاصراً بالشَعر في بحره الطويل والشِعر في بحره القصير، وأرى سقفاً كلما طرقته عينانا، فتح لنا نافذة سماء الليل حتى نعدّ النجوم لنغفو، وأرى حلماً يتسلل من خزانة ثياب الشتاء ليتلصص على شهيقنا وزفيرنا وعضة الشفة أيضاً.

حين فشلت بالرسم، قلت أرسم بما أرى في غد الضحكة، وأمس الدمعة وحاضر الانتظار: أطفال أخذوا حصتهم من أسماء التاريخ وحكايات الأغاني، وما سمح به الدهر من عيون أمهم وصوتها، وقلم والدهم وحبه، ثم يركضون في حديقة نصب فيها إله الخصوبة مرجوحة، كي يستريح الربيع قبل مشواره برمي الجميلة في الهواء ثم التقاطها، عشبٌ لا يشيب، وتراب لا ينضب، وأصدقاء المراحل كلها يتباركون برائحة القهوة حين يريدون زيارة التاريخ في بيته: قصص وكتب وأغان وموسيقى وحديقة وقناعة بما قسم الله لنا من عطاياه: زهر الغاردينيا والحل الأسهل بين الضيعة والمدينة، أحلامنا.

فشلت بالرسم، في عصر الأشواق المدفوعة الأجر، قلت أكتب، فبكم تشتري أيها العتب لوحتي لتبتسم؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

رسالة حب حربية

06/09/2013

خضر سلامة

كيف يحب المواطن العادي في هذه البلاد؟

وبحرها لا يصلح للشعر، ﻷنه مصاب ببارجة أميركية

وسماءها لا تصلح للفكرة، ﻷنها مؤجرة لصاروخ بالستي

وشوارعها لا تصلح للمشي، ﻷن فيها الخوف من عبوة

وورودها لا تصلح للهدايا، ﻷنها برسم القبور القادمة

وبيوتها لا تصلح للحلم، ﻷنها تنتalessandro-gattoظر قذيفة الهاون التالية

واغانيها لا تصلح للغرام، ﻷنها منشورة في ألبوم موسيقي لبئر نفط.

كيف يحب مواطن عادي، في بلاد غير عادية؟

كيف أحب، من أين أبدأ، كلما أردت أن أسترق النظر إلى صدرك، أستعين ببندقية قناصة كي تصيب عيني الهدف بدقة، فلا أضيع ثانية من عبور خفيف لصدفتك، كلما عاتبت كيوبيد لما أعفاني من سهام الحب وتركني يتيماً، أشار إلى درعٍ مضاد للرصاص وللعواطف، يوزعونه علينا في نشرة الأخبار، كلّما سألت عينيك عن ذاكرة الورد وكيف تُنسى رائحته، وجدتك وقد وضعك النظام في قناع كيماوي، كلّما حاولت أن أتقصّد لمس يديك، وجدت سيفاً من عصر الجاهلية مزروعٌ كوشمٍ في يدينا، فتقاتلنا وفاءً لإرث القبائل.

بارجة للقصف، دبابة للقصف، طائرة للقصف، وأنا أشتهي ولو مسدس ماء الطفولة يقصفني إليكِ.

عبوة ناسفة، حزام ناسف، قذيفة ناسفة، وأنا أخجل أن أستيقظ قطعةً واحدة، ولم ينسفني انفجار القلب أشلاءً لتصدقيني.

يتنصتون على كتاباتي على حائط صمتك، يتنصتون على هاتفي المضاء باسمك، يتنصتون على شهيقي من هواء الوطن الذي تتنشقين، وأنا لا يحق لي أن أتنصت كغيري على صوتك عندما تغنين لأحدهم: صباح الخير.

فكيف أحبك دون أن ألبس ثيابي العسكرية؟ ودون أن أضع خوذة كي لا تهرب أفكار القصائد الجديدة فيك من رأسي، خوفاً من الغارة التالية؟ أو دون أن أفخخ سيارتي كما يفعل أي مشاغب، كي تنفجر بي إذا فكرت أن أعبر من شارعك؟ عليّ أن أفعل كل هذا، كي أستحق أن أحيا: محارباً في منطقة لا تؤنث المنطق، بل تدعه ممنوعاً من الصرف، كي أستحق أن أحيا وسط جنون السلاح، والفواصل الإعلانية عن جديد سوق الذخيرة المفتوح في الشرق، كيف أحيا دون أن أكون مخبراً، يفضح أسرارك كلها أمام أمن الدولة: كيف يميزون الضحكة الكاذبة من الحقيقية، كيف يفتحون أذنيك بأغنية صوفية عتيقة، كيف يجرون فمك للكلام بإغراء قصة بلاد تحترق. أو سأكون حارساً مدججاً بالتراب، كي أحمي شارعك من عبث المتسللين كالنمل إلى شهد ما تحبين في هذه البلاد.

لعلّ الخطّاط الذي رسم حروفنا في دفتر القدر، أوقع راءً منه في آنية الحب فصار حرباً، وما عدنا نفرّق زقزقة الطيور عن دوي المدفع، ولا قصائد الحب عن تقارير المخفر، ولا رائحة البارود عن رائحة الياسمين، أو لعله كان بابلياً حتى وضع الجنس والحب والجمال.. والحرب، في محفظة عشتار واحدة، توازن في خلقنا بين جسد الرصاصة ورأس قلم الرصاص.

كنت أريد أن أحبّك على أغنية للشيخ إمام، فهل سأحبك الآن على خطاب للرئيس الأمريكي؟

كنت أريد أن أراقصك على صوت الجاز، فهل سنركض الآن كعصفورين خائفين من صوت المدافع؟

كنت أريد أن أصبّح عليكِ بمكتوب حب، فهل ستصبح علينا سوية غارة جوية؟

كيف يحب المواطن العاديّ، دون أن يكون مقاتلاً؟

ربما لا يحب.. فالحرب وجبتنا السريعة، نأخذها من مطبخ مجلس الأمن، ونؤديها كفرض مدرسيّ كلما اختٌبرت كرامتنا. نحن شعب لا يعرف أن يحبك، سيدتي، دون أن يحب بلاده فيك أيضاً.

مدونة جوعان

قلبي

03/09/2013

خضر سلامة

(محاولة، بالعامية اللبنانية)

قلبي متل خيمة عرس
فل الفرح منها وأخد الطرب
قلبي متل وادي نِعِس
ع كتر ما بيعدوا عنو العرَب..

(1)

قلبي متل قلعة تركوها الحرس
حجارة عم تفتش على موال
بقيت تخيّل حَوْلها الفرَس
ويا همّ الفرس.. إن صارت بلا خيّال.

(2)
متل شقفة قمر مكسور
وقعت من كفّ السما
صارت صبي مقهور
غنية غجر.. الدني ما بتفهماconceurocartoon_2009_3opremio_italia_gatto_p

(3)

متل مكتوب العشق لما انفتح
هرهر قوافي ووتر
رشرش خمر والورقة القدح
سكرت عيون الليل.. وما نعس السهر

(4)

متل وردة ع تاج المملكة
اشتاقت ع شي بستان
رميت قناني الدهب تتلاقي البكي
يمكن دموعا تدلها على نيسان..

(5)

متل الي ماشي بعد المعركة
يدوّر على مفتاح
لمح عالأرض إيدين ملبّكة
أتاري انقتل، وما عرف يرتاح.

(6)

متل شتوة بنص الصيف
طلّت على بيروت
مرّت ع بحرا متل شي سيف
ضب البحر حزنه.. وبلع البيوت.

(7)

قلبي عريشة عنب تعبت
من ضرب الشمس ع خد عنقودها
قلبي متل جدولة بنت بكيت
لما إجا الموت، يسرقلها جدودها

متل درويش داخ بشعر حلاج
وما في إله اقتنع
متل شفة غطّت ع وج محتاج
وما خف الوجع

قلبي النعس والسِكر بليالي التعب
قلبي صورة الموتى، بنشرة غضَب
قلبي قصايد حب محبوسة بعلَب
قلبي متل بغداد عم تبكي حلب
قلبي..

متل قلبي، شو نفع الصور؟

محاولات عامية سابقة – عم بكتب وجّك 1
عم بكتب وجّك 2


%d مدونون معجبون بهذه: