رسالة حب حربية

خضر سلامة

كيف يحب المواطن العادي في هذه البلاد؟

وبحرها لا يصلح للشعر، ﻷنه مصاب ببارجة أميركية

وسماءها لا تصلح للفكرة، ﻷنها مؤجرة لصاروخ بالستي

وشوارعها لا تصلح للمشي، ﻷن فيها الخوف من عبوة

وورودها لا تصلح للهدايا، ﻷنها برسم القبور القادمة

وبيوتها لا تصلح للحلم، ﻷنها تنتalessandro-gattoظر قذيفة الهاون التالية

واغانيها لا تصلح للغرام، ﻷنها منشورة في ألبوم موسيقي لبئر نفط.

كيف يحب مواطن عادي، في بلاد غير عادية؟

كيف أحب، من أين أبدأ، كلما أردت أن أسترق النظر إلى صدرك، أستعين ببندقية قناصة كي تصيب عيني الهدف بدقة، فلا أضيع ثانية من عبور خفيف لصدفتك، كلما عاتبت كيوبيد لما أعفاني من سهام الحب وتركني يتيماً، أشار إلى درعٍ مضاد للرصاص وللعواطف، يوزعونه علينا في نشرة الأخبار، كلّما سألت عينيك عن ذاكرة الورد وكيف تُنسى رائحته، وجدتك وقد وضعك النظام في قناع كيماوي، كلّما حاولت أن أتقصّد لمس يديك، وجدت سيفاً من عصر الجاهلية مزروعٌ كوشمٍ في يدينا، فتقاتلنا وفاءً لإرث القبائل.

بارجة للقصف، دبابة للقصف، طائرة للقصف، وأنا أشتهي ولو مسدس ماء الطفولة يقصفني إليكِ.

عبوة ناسفة، حزام ناسف، قذيفة ناسفة، وأنا أخجل أن أستيقظ قطعةً واحدة، ولم ينسفني انفجار القلب أشلاءً لتصدقيني.

يتنصتون على كتاباتي على حائط صمتك، يتنصتون على هاتفي المضاء باسمك، يتنصتون على شهيقي من هواء الوطن الذي تتنشقين، وأنا لا يحق لي أن أتنصت كغيري على صوتك عندما تغنين لأحدهم: صباح الخير.

فكيف أحبك دون أن ألبس ثيابي العسكرية؟ ودون أن أضع خوذة كي لا تهرب أفكار القصائد الجديدة فيك من رأسي، خوفاً من الغارة التالية؟ أو دون أن أفخخ سيارتي كما يفعل أي مشاغب، كي تنفجر بي إذا فكرت أن أعبر من شارعك؟ عليّ أن أفعل كل هذا، كي أستحق أن أحيا: محارباً في منطقة لا تؤنث المنطق، بل تدعه ممنوعاً من الصرف، كي أستحق أن أحيا وسط جنون السلاح، والفواصل الإعلانية عن جديد سوق الذخيرة المفتوح في الشرق، كيف أحيا دون أن أكون مخبراً، يفضح أسرارك كلها أمام أمن الدولة: كيف يميزون الضحكة الكاذبة من الحقيقية، كيف يفتحون أذنيك بأغنية صوفية عتيقة، كيف يجرون فمك للكلام بإغراء قصة بلاد تحترق. أو سأكون حارساً مدججاً بالتراب، كي أحمي شارعك من عبث المتسللين كالنمل إلى شهد ما تحبين في هذه البلاد.

لعلّ الخطّاط الذي رسم حروفنا في دفتر القدر، أوقع راءً منه في آنية الحب فصار حرباً، وما عدنا نفرّق زقزقة الطيور عن دوي المدفع، ولا قصائد الحب عن تقارير المخفر، ولا رائحة البارود عن رائحة الياسمين، أو لعله كان بابلياً حتى وضع الجنس والحب والجمال.. والحرب، في محفظة عشتار واحدة، توازن في خلقنا بين جسد الرصاصة ورأس قلم الرصاص.

كنت أريد أن أحبّك على أغنية للشيخ إمام، فهل سأحبك الآن على خطاب للرئيس الأمريكي؟

كنت أريد أن أراقصك على صوت الجاز، فهل سنركض الآن كعصفورين خائفين من صوت المدافع؟

كنت أريد أن أصبّح عليكِ بمكتوب حب، فهل ستصبح علينا سوية غارة جوية؟

كيف يحب المواطن العاديّ، دون أن يكون مقاتلاً؟

ربما لا يحب.. فالحرب وجبتنا السريعة، نأخذها من مطبخ مجلس الأمن، ونؤديها كفرض مدرسيّ كلما اختٌبرت كرامتنا. نحن شعب لا يعرف أن يحبك، سيدتي، دون أن يحب بلاده فيك أيضاً.

مدونة جوعان

الأوسمة:

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: