أمسك عيني لأرسم

خضر سلامة

وحين فشلت في حصة الرسم قبل سنوات كثيرة، في أن أتجاوز مستوى رسمة بيت من قش، وشمس تبتسم، وشجرة مرسومة على عجل، وتلال سهلة النحت في الورقة، قررت أن أستعيض عن الريشة، بفكرة، ورحت أرتّب خلايا العين كأقلام تلوين، وأجرّ الحاجب كيدٍ تمسك البصر لتكتب فوق المشهد ما تريد، قررت أن أرسم:

أرى بيتاً، بابه من خشبٍ داكن اللون يُشبه بقايا شجرة ٍهاربةً من المغول في بغداد، أفتحه بمفتاح صدئٍ قليلاً كما مفاتيح القدس المخبئة في قلادة فوق صدر الجدة، أدخل بعد أن أقرأ آياتٍ من آيات الشيخ إمام بلا عود، فالعود تركته يحرس زاوية المدخل، كي لا يدخل غير اللغة العربية إلى المنزل، أتجاوز صندوقاً قديماً بداخله رسائل وحكايات وألعاب صغيرة، تستقبلني كي تذكرني بكلمة السر لصنع الأسرة: أحبك. لوحة لأشياء مبعثرة على وجه المدينة، مكتبة تشبه أرشيف أجهزة الأمن، كتبٌ تحفظ ذاكرة القراءة، وكتب تنتظر على محطة قطار المساء، تحف أقتنيتها لأجلها من سوق الكوكب، وألفت بها قصةً عن كل بلد، بكل لغة، مزهرية تحرص سيدة الفكرة على نفض العمر عنها بوردة طازجة كلّما تعبت الوردة القديمة واستقالت من لونها، غراموفون لم يجد من يصلحه لأن آخر عجوز كان يذكر قيمته، استعجل بالرحيل، أوراق لقصائد لم تنته، وأعقاب سجائر تغير مكانها كل قليل، وأنثى دافئة تتعرى أمامي وتفرك خدها في خدي ثم تخجل، كما يتعرى البحر كل مساء ويفرك ظهره بعواميد الإنارة.. فالبحر يخجل أيضاً.536262_569244523103960_1176403767_n

أرى سريراً يكبر كلما سقطت فيه نائماً، محاصراً بالشَعر في بحره الطويل والشِعر في بحره القصير، وأرى سقفاً كلما طرقته عينانا، فتح لنا نافذة سماء الليل حتى نعدّ النجوم لنغفو، وأرى حلماً يتسلل من خزانة ثياب الشتاء ليتلصص على شهيقنا وزفيرنا وعضة الشفة أيضاً.

حين فشلت بالرسم، قلت أرسم بما أرى في غد الضحكة، وأمس الدمعة وحاضر الانتظار: أطفال أخذوا حصتهم من أسماء التاريخ وحكايات الأغاني، وما سمح به الدهر من عيون أمهم وصوتها، وقلم والدهم وحبه، ثم يركضون في حديقة نصب فيها إله الخصوبة مرجوحة، كي يستريح الربيع قبل مشواره برمي الجميلة في الهواء ثم التقاطها، عشبٌ لا يشيب، وتراب لا ينضب، وأصدقاء المراحل كلها يتباركون برائحة القهوة حين يريدون زيارة التاريخ في بيته: قصص وكتب وأغان وموسيقى وحديقة وقناعة بما قسم الله لنا من عطاياه: زهر الغاردينيا والحل الأسهل بين الضيعة والمدينة، أحلامنا.

فشلت بالرسم، في عصر الأشواق المدفوعة الأجر، قلت أكتب، فبكم تشتري أيها العتب لوحتي لتبتسم؟

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة:

2 تعليقان to “أمسك عيني لأرسم”

  1. manar manar Says:

    أجمل لوحة رأتها الروح

  2. ريتاج Says:

    مشكورين على المجهود الرائع ، و في انتظار المزيد إن شاء الله

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: