عن المأساة العكارية

خضر سلامة

تعليقاً على غرق 16 عكاري في بحر أندونيسيا أثناء تهريبهم إلى استراليا

فكرة الدولة اللبنانية، قامت منذ عام 1943 على أن الدولة هي بيروت وما حولها من جبل لبنان، فيما تكون مناطق الأطراف: البقاع، بلاد بني عساف (الشمال)، بلاد جبل عاملة (الجنوب)، مناطق تابعة للدولة المركزية وتعمل على مدّها بالضروري لرخاء طبقاتها الأرستقراطية (ملاكو المصارف، تجار المرافئ، اقطاعيو الأراضي)، أي اليد العاملة والضرائب. وتالياً، تغيب الدولة تماماً عن واجباتها في تلك المناطق (تعليم، مرافق صناعية وزراعية، أمن)، وتحضر في حقوقها (ضرائب، اعتقالات جرمية، إلخ). تفتش في المدينة عن أهل الأطراف، فتجد معظمهم معلقون على حائط المشاعات في البناء، أو الأبنية الآيلة للسقوط، تجدهم على سيارات الأجرة والباصات تصعد أنفاسهم وتنزل مع تسعيرات البنزين الجديدة كل أسبوع، تجد بعضهم في وظائف تكبلهم إلى انتماءات حزبية تارة، وحربية تارة أخرى، باسم الطائفة أو الدين أو أي تحريض آخر، يجد وقوده في الفقر والنقمة على الواقع.image

هذه الدولة لم يغير شيء تاريخياً من عقلية سياسييها، الحرب الأهلية التي خرج إليها البعض بحجة مساواة الريف بالمدينة، حوّلها مع الوقت إلى نار تأكل من مقاتلي الأطراف، وسلام الطائف الذي قال بالإنماء، حوّل الانماء إلى شركات خاصة للأحزاب، تقنّن الإنماء في الأطراف باسمها الشخصي بما يناسب بقاء الفقراء مرتهنين لها، وحتى الزعماء الذين خرقوا احتكار المدينة للسياسة بعد الحرب ووصلوا إلى المجلس والحكومة، فهموا اللعبة واستغلوا سلطتهم ليربطوا علاقة الأطراف بالدولة، بعلاقة الأطراف التبعية لهم أولاً كوسيط بين الفقراء ودولتهم (ميقاتي، بري، سكاف، إلخ.)

من يتحمل مسؤولية موت قرابة عشرين عكّارياً اليوم في بحر أندونيسيا هرباً إلى أستراليا، طبعا يجب أن نبدأ من الحديث عن أن تجارة تهريب البشر هي ثالث أكبر التجارة اللاشرعية في العالم بعد المخدرات والسلاح بحجم يتخطى ال35 مليار دولار، وضحاياها بالآلاف سنويا سواء في المتوسط أو في الهادئ أو على الحدود الأوروبية والأميركية، ولكن المسؤول دائما يكون، هو من دفع هذه الآلاف إلى انتقاء الخيار الأصعب بالتكوّم في سفينة أو في حاوية، هرباً، هرباً من ماذا؟

المسؤول في لبنان، هي الدولة اللبنانية كمؤسسة فاشلة أولاً يجب نعيها وإعادة تأسيسها، ونواب المنطقة الذين سيحضرون مراسم التعزية دون بيان رسمي عن ماذا فعلوا خلال خمس سنوات من ولايتهم لمنطقتهم في المجلس النيابي، غير الخطاب الطائفي والتحريضي، وطرفي الصراع السياسي في البلد الذين يتحملان الجمود الحكومي والأمني والاجتماعي، وأخيراً، سياسة إعادة الإعمار التي أعطتنا الطرقات السريعة، وأخذت منا نقاباتنا واقتصادنا وصناعاتنا وزراعاتنا كلها.

لا يمكن اصلاح هذا النظام، هذا النظام الذي قام على استخدام الفقراء في تطويعهم كحرس للأغنياء لا يمكن إصلاحه، يمكن نسفه واعادة بناء لبنان آخر، وإلا، فإن الهوة ستستمر بالاتساع، ونزيف البلد هجرةً تارةً وتهجيراً تارة أخرى، سيستمر. يقول فيبر، أن الدولة هي الكيان الذي يحتكر العنف، صحيح، ولكن لبنان، هو مثال الدولة التي تقوم من مجموعات سياسية، تحتكر عنفاً آخر: عنف الإفلاس والإفقار والتجويع، ثم تختبأ على الشاشة خلف حماية الطائفة وتمثيلها وكشفها لمؤامرات المجموعات الأخرى.

غرق العكاريون في بحر أندونيسيا.. فمتى يحل الطوفان على هذا النظام الذي أرسلهم، فيغرق منقرضاً؟

Advertisements

الأوسمة:

رد واحد to “عن المأساة العكارية”

  1. Rabih AMHAZ Says:

    لا يمكن اصلاح هذا النظام، هذا النظام الذي قام على استخدام الفقراء في تطويعهم كحرس للأغنياء لا يمكن إصلاحه، يمكن نسفه واعادة بناء

    وطن آخر ..

    هوية صحيحة …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: