هندسة العواطف

خضر سلامة

"مشاعل الحرية" كلمة يعرفها كل من يتخصص في العلاقات العامة أو في البروباغاندا الإعلامية، لصاحبها إدوارد بيرنيز، من هو بيرنيز؟ كان بيرنيز، ابن أخت سيغموند فرويد، عضو في لجنة مسؤولة عن الترويج للدور التحرري الذي لعبته الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، وحين زار الرئيس الأمريكي وقتها، ويلسون، اوروبا، استقبلته المظاهرات الحاشدة وأثبتت نجاح هذه اللجنة في "الدعاية"، عندها شعر بيرنز بأن نجاح الدعاية السياسي يمكن أن يستثمر في التجارة أيضاً، فاخترع كلمة "علاقات عامة" وأنشأ مكتباً لها استشارياً للشركات. استخدم بيرنيز أفكار خاله فرويد عن اللاوعي والسلوك والدوافع الخفية والرغبات البشرية، في وضع سياسات عمله، وفعلاً، أصبح رمزاً من رموز ما سيعرف لاحقاً: هندسة الموافقة.

ما الذي يجمع النازي غوبلز، بالرئيس الأمريكي كولدج، بشركة بروكتر وغامبل العالمية، بمحطة سي بي أس التلفزيونية، بشركات التبغ والسيارات مثلا؟ يجمعهم بيرنيز نفسه!

ولعل مثال "مشاعل الحرية" هو المثال الأبرز، ففي العقد الثاني من القرن العشرين، كان التدخين حكراً على الرجال، فيما ينظر المجتمع بريبة إلى المرأة المدخنة، جورج واشنطن هيل، رئيس الشركة الأميركية للتبغ، كان يعرف الربح الذي ينتظره اذا وسع سوقه ليشمل الجنس الآخر أيضاً، لذا، استعان بخدمات المستشار في مجال البروباغاندا، ادوارد بيرنيز، الذي اطلق حملة "مشاعل الحرية"، اذ استأجر عارضات أزياء، وسار بهنّ في مكان عام وهنّ يدخنّ واتصل بالصحافة وقال لهم أن هناك تحرك نسوي حقوقي، وفعلاً، انتشرت صور التحرك على أنه "تحرر نسوي" من القمع الذكوري لحق المرأة في التدخين، وسمّى السجائر في فم النساء المشاركات: مشاعل الحرية، فانتشرت الكلمة على أنها رمز "الثورة"، وفي نفس العام الذي نجحت فيه حملته، ارتفعت نسبة استهلاك النساء للسجائر من خمسة بالمئة، إلى إثناعشر بالمئة.

عمل إذاً بيرنز على استثمار كلمة "حرية" وعرف وقتها، أنها كلمة مقدسة مجرد وضعها في عنوان لحملة، ستصبح حقاً لا جدال فيه، وفعلاً، تحولت القضية من قضية تدخين، إلى قضية حرية وتحرر، رفع أرباح الشركات، وحول بيرنيز إلى أسطورة.

بيرنيز نفسه، كان قد أدخل قبل ذلك بسنوات قليلة، فكرة جديدة إلى عالم السياسة، الرئيس كولدج الذي كانت شعبيته تنهار، استعان ببيرنيز الذي خرج بفكرة بسيطة، وجهنمية، جمع 34 نجماً من نجوم الفن الأميركي، وقاموا بزيارة كولدج، وانتشر الخبر ما رفع في شعبيته، ولاحظ، هذه السياسة لا تزال مستخدمة إلى اليوم في السياسة الأميركية والحملات الانتخابية، حيث يظهر الفنانون والممثلون إلى جانب المرشحين، ليضيفوا إليهم ثقة جمهور قد لا يعرف السياسة، لكنه معجب بالفنان لحد اعتبار رأيه، حتى في السياسة والاقتصاد و..، صائباً!

بيرنيز نفسه، شارك في اسقاط حكومة غواتيمالا عام 1954 الى جانب السي آي ايه وشركة المتحدة للفاكهة (شيكيتا براندز انترناشيونال حالياً)، التي أتى من فسادها وتسلطها على غوتيمالا مصطلح جمهورية الموز. تم اسقاط الحكومة الاصلاحية الاشتراكية المنتخبة ديمقراطياً عبر حملة اعلامية تحريضية شاملة قاد سياستها بيرنيز نفه.

وقس بهذه الأمثلة، على أمثلة أخرى، لتسويق سلعات كمالية، تصبح مع تدخل المحلل النفسي في سياسة التصنيع والمواصفات، تصبح ضرورية بنظر الجمهور، القطيع، الذي يتحول إلى استهلاكي بجهد ال"بيرنيزيين".

كان بيرنيز، لا يثق بالجماهير، متأثراً بوجهة نظر والتر ليبمان الذي سماهم "القطيع المرتبك"، وحين حكى بيرنيز عن نظرية هندسة الاجماع، او هندسة الموافقة، شرح كيف أنه لا يثق بالجماهير، وأن وسائله في استغلال رغبات الناس، ودفعهم للاستهلاك، هي وسيلة قيادة سياسية واقتصادية.

هندسة الموافقة، كلمة خرج بها بيرنيز، من أفكار فرويد، تحولت هذه العبارة، إلى ركن من أركان العمل السياسي البروباغاندي حول العالم، فإذا كان النازيون قد شرحوا علناً كم تأثروا ببيرنيز، فإن الشركات الأميركية، وأمبراطوريات الإعلام التي تصنع الخبر الذي نهتم به ونستهلكه دون غيره، تحب بيرنيز جداً.

الآن، فكّر جيداً في كل الصور، والمشاهد، والإعلانات، والشعارات،  التي تُزرع يومياً في رؤوسنا، ونتحول إلى مستهلكين جيدين لها، وكيف أن بيرنيز مرجع من مراجع الدراسة، والسياسة سوياً، وأجبني، كيف لا أشك في كل شيء يأتيني مع جريدة الصباح وشاشة المساء.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة:

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: