هزيمة 1967

خضر سلامة

يلومني بعض الأًصدقاء، على أنني أعود دوماً بأي حديث، إلى هزيمة 1967، وأعلّق عليها حكايات الهزائم والخزي اللاحق كله، فأزيد: بل وخطايا السابق أيضاً، عصارتها في تلك الهزيمة.

أولاً، دعوني أعود إلى تعريف من لا يقدر حرب 1967: هي حرب الستة أيام، التي شنتها اسرائيل على ثلاث دول عربية، سورية والأردن ومصر، وكانت نتيجتها احتلال اسرائيل لسيناء والجولان والضفة الغربية وغزة، ومقتل 17 ألف جندي عربي، مقابل بضع مئات اسرائيليين، وتدمير 500 طائرة حربية عربية، مقابل اربعين طائرة اسرائيلية.

المهم في تلك الحرب، أنها أتت في ذروة صوت المذياع العربي: الوعود بالانتصارات الكثيرة القادمة، والوحدة القومية، ومصير العالم الثالث الواحد وشعوب العالم التي تزحف زحفاً، للتصفيق لزعمائنا، فجأة، في بضعة ساعات، استفاق العرب على صوت القصف، وحين مسكوا الصحف الرسمية، وجدوا أخبارا من نوع: جيوشنا على مشارف حيفا، طيراننا يدمر مطارات العدو، زعيمنا المقدس يتنزه في تل أبيب ويفرك وجه بن غوريون بالوحل، وحين نفذت الصحف، أتى راديو الغرب ليخبرنا بنبأ مؤسف: ضعف فلسطين سقط أيضاً، وقواتكم لم تعد من المعركة، بقيت جثثهم عند بن غوريون نفسه.

لماذا أرى أن هذه الهزيمة هي الأهم، هي الأسوأ، هي وأنظمتها مسؤولون عن كل ما يحدث؟ سأبدأ من قبل الهزيمة وأسبابها، وأصل إلى نتائجها وخيباتها:Untitled

– الهزيمة كانت الناتج الطبيعي للكذب كله، لا يمكنك أن تذهب إلى حرب الحرية، بجيش من العبيد، والحديث هنا ليس عن ضرورة الديمقراطية، الحرية ليست شرطاً من شروط الديمقراطية، الحرية بمعناها الاجتماعي الثقافي، كان نظام الوحدة العربية قد عرفنا على نمط جديد من أنماط التعامل مع الشعب، مدرسة عبد الحميد السراج التي حكمت باسم القاهرة، سورية أثناء الوحدة، وبدأ عهد الابداع البوليسي العربي، بعد عهد القمع الملكي، أصبح شرط الثقافة والشعر والكتابة، فلقتين وجلسات كهرباء وذل ما بعده ذل، باسم الوطن، وباسم الاشتراكية، وباسم الثورة. بدأ التراجع لدى النخب يظهر في مصر وسورية وباقي الدول (الحليفة أو المتخاصمة) عن الشعارات المقدسة، وبدأ حلف التقدمية حينها، يشوبه غياب الثقة والشك المتبادل بين أطرافه.

– الهزيمة، كانت الناتج الطبيعي للثقة المطلقة بالاتحاد السوفييتي حينها، أي، الثقة المطلقة بحليف دولي، دون أخذ السياسة بعين الاعتبار: متى سيتخلى لمصلحة خاصة ما، عن أحلامنا؟ متى سنجد أنفسنا ضحايا الصفقات والأرباح؟ وحين وقعت الواقعة، وجدنا أن الوعود الخائبة التي أطلقها الحلفاء، عرّتنا.

– الهزيمة، كانت الناتج الطبيعي لتطويع الفن، لسان الشعب وصوته، أصبح كل فناني البلاد المعروضون على الشاشة، والاذاعة، فنانو أنظمة، واضطر المنتقد، إلى أن يتفنن في السجن، غاب الحس النقدي، غاب الوعي اليومي، وصار مطوعا بأن يفهم كل شيء، من وجهة نظر كاتب الفن، النظام نفسه، ومع تعطل النقد، تعطلت الرقابة، فعم الفساد في كل مكان، في الصحافة والثقافة والادارة، ثم وصل إلى العسكر نفسه. وحين وصل إلى العسكر، وولدت ظاهرة عبد الحكيم عامر، لم تعد الميكروفونات تكفي.

– الهزيمة أيضاً، كانت نتاج احاطة الزعيم لنفسه في كل البلاد، برؤساء الفساد السابق، وزير دفاع ووزير اعلام ووزير ثقافة، إلخ، وأصبحت مخابرات الزعيم موجهة ضد أهله وناسه وشعبه، وغفلت عن مخابرات العدو التي تفلح في جسم الدولة، أحاط نفسه برموز ورؤساء هذه المافيات، لماذا؟ لأن الزعيم كان يريد أن يحمي ظهره بأن يضع كل الوسخ خلفه، ولم يحسب حساباً أن هذا الوسخ سيكبر، ويقع على مسيرته كلها، وقعة هزيمة.

هكذا إذاً، تجلى الحكم العربي على مدى عقدين، في حرب من ست أيام فقط، ولكن، ماذا تتحمل إذاً من آثام لاحقة؟

– أنور السادات والسلام مع اسرائيل، هو نتيجة حرب ال1967، أي أن نظام الاستسلام لاسرائيل، كانت نتيجة نظام الحرب على اسرائيل، للأسف، لأن نظام الحرب دمر كل البدائل الصالحة الخيرة (التي تشبهه، فتنافسه) فلم يعد من وريث يشبهه، ولأن نظام الحرب، أحاط نفسه بالفاسدين، فقفزوا على جثته.

– صحافة النفط في بلادنا، وتلاميذ اليو آس ايد، والمطبلون لأنظمة الذل الخليجي والأقلام الهاتفة بالمجد لأهل البداوة في السياسة والباحثة عن أي حجة لتقتل المقاومة، هم نتيجة 1967 أيضاً، فهم الجيل اللاحق لجيل انهزمت شعاراته حينها، فكفر بالشعارات لا بالنظام فقط، وارتكب الخطيئة، لم يميز بين عداء اسرائيل وبين النظام الذي يتاجر به، فتخلى عنه، لم يميز بين الحرب على الرجعية العربية، وبين الأنظمة التي ادعتها، فصادقها. فأتى المال إليه، فتحول كفره بالإله الوطني إلى إيمان بالشيطان الآخر، فقفز إلينا بئر البترول، ليشتري الخنادق.

– الانحطاط الفني والثقافي، هو نتيجة هزيمة 1967، فأهل الهزيمة كانوا قد جعلوا الفن فن نظام، والثقافة ثقافة نظام، والتلفزيون الوطني تلفزيون نظام، وحين انهزم النظام، وانهزم معه أهله من فنانين وموسيقيين واعلاميين، جُن الجمهور وصار يعادي كل ما يأتيه من كل ذلك، فأتى الفن الهابط، والثقافة الرخيصة، لتعطيه بديلاً آخراً، صار وحيداً بعد أن توفي الفن الملتزم بجلطة في القلب.

– أسلمة المنطقة وارتخائها في يد يمين الدين، كانت لأن النظام حارب كما قلنا البدائل المنافسة، خصوصا بعد هزيمة 1967 حين شعر بالتهديد والضعف، وحين أتى الورثة الخائنون، قضوا عليها تماما، لم يعد هناك من أحزاب علمانية وتقدمية ووطنية لتنافسه، فأهلها في السجون وأبطالها في المقابر، وحاكموها في قصر الملك، الذي مول ورعى قيام الاسلاميين كي يضعهم حجة على الغرب: لا بديل عني إلا الارهابيين الملتحين، فتأسلمت وتطرفت الشوارع، لأن الاسلاميين كانوا السلعة الوحيدة في سوق الأفكار.

هذا غيض من فيض ما يمكنني أن أتحجج به لحقدي على هذه الهزيمة، وعلى من لم يجرؤ على تسميتها هزيمة، فصار يسميها نكسة، وحين أتت النكسات الأخرى، صار يتهم الآخرين بها: لم تكن الاجراءات التي أعرف أنها صادقة، بعد 1967، كافية، ولا صائبة في بعض الأحيان، فولدت هزائم أخرى، سياسيا ونفسيا ومعنويا، ولم يتحمل الجميع مسؤولياته جيداً ويذهب للمشاركة في النقد وبناء بديل.

هزيمة 1967 أبشع ما فعلنا في تاريخنا: هي إعادة تمثيل لحرق مكتبة بغداد على يد هولاكو، واعادة تمثيل لسقوط الشام في يد الفرنجة، وهي إعادة تمثيل لحرب البسوس بين القبيلة والقبيلة، وهي إعادة تمثيل لتقديس مجرم بالشعب متفاوض مع العدو كصلاح الدين، وهي إعادة تمثيل لتحويل أي صحابي جيد، إلى نبي جديد.

مدونة جوعان

الأوسمة:

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: