Archive for 31 يناير, 2014

التاريخ انتهى.. لم ينته

31/01/2014

خضر سلامة

عام 1992 كتب فرانسيس فوكوياما كتابه الشهير “نهاية التاريخ والانسان الأخير” الذي نعى فيه الأيديولوجيات وأعلن أن الديمقراطية البرجوازية بصيغتيها الاشتراكية الحديثة والليبرالية، هي نهاية التاريخ، معترضا بذلك على نظرية المادية التاريخية الماركسية، التي ادعت أن نهاية الاضطهاد يكون بالغاء الفروق بين الطبقات (ما تبين أنه مستحيل بالتطبيق، اذا احتفظنا بفكرة الدولة كما هي، التي ستصبح هي نفسها طبقة عند الغاء الطبقات، كما حدث في الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا و..)

بكل الحالات، نظرية فوكوياما هي الصنم الفكري الذي يتبعه ليبراليو اليوم واشتراكيوه على المذهب الأوروبي (رغم أن كتاب فوكوياما نفسه، ينقض نفسه، كونه مؤسس شبه أيديولوجيا في عصر نهاية الأيديولوجيات كما يدعون، أيديولوجيا تؤمن بنهاية الايديولوجيات والمجتمعات وتوحيد الثقافة السياسية والقيم الاقتصادية!)Image

ولكن، هل أخطأ فوكوياما؟ قراءة الكتاب بهدوء، تظهر أن فوكوياما يتحدث باسم الرجل الأبيض، أو الحضارة الغربية كما يُصطلح على تسميتها بوجه “البرابرة” كما يصف الآخرين: غرب أوروبا وأميركا الشمالية، التي احتكرت وضع القيم الانسانية والثقافية منذ حوالى خمسمئة عام إلى اليوم، وأصبحت هي reference تحديد سلوك النظام الفلاني، أو المجتمع الفلاني، حتى بنظر بعض من يدعي معاداتهم، ولكن هل انتهى التاريخ فعلياً؟ ما حدث في التسعينات مع سقوط وارسو وجدار برلين، هو نهاية التاريخ فعلاً/ التاريخ الغربي، الذي وصل إلى أقصى ما يمكن لحضارة متنوعة أن تنتجه بعد تطور مئات السنوات: أحادية القيادة والقطب الواحد، مثلت الولايات المتحدة (أو مجموعة المصارف والشركات)، بآل بوش وكلينتون بينهما، قمة ما يمكن لعالم ما بعد الحرب العالمية الأولى أن يصل إليه، قيادة واحدة مطلقة للعالم.

ولكن، رهان فوكوياما ونظريته، لم تأخذ بعين الاعتبار أن هناك مجتمعات مستقلة، بمعايير تاريخية وثقافية صلبة لا يؤذيها فعليا سلاح العولمة، لم يكن فوكوياما، بغروره الثقافي، قادرا على فهم الحسابات المحلية لكل مجتمع، فعاد الاسلام الجهادي ليصبح اليوم عاملا أساسيا في صناعة الأنظمة السياسية حول العالم، رغم أنه كان سابقا أداة من أدوات صناعة “نهاية التاريخ” نفسه، في أفغانستان، وعادت اشتراكية من نوع جديد في جنوب أميركا، تمزج الروح العسكرية بالسيرورة الديمقراطية بالكاثوليكية المتحررة بتنمية علمية اجتماعية واسعة، وخدم تطور أسعار النفط والغاز، خروج مارد روسي جديد بمزيج من رأسمالية قومية وجنوح يميني وطني، وخبث صيني في امتلاك مخزون العملة الصعبة كله، وشد المصانع إلى بلد متحرر من الضوابط الحقوقية العمالية، وتوسع اقتصادي في أفريقيا.

طبعا لا روسيا ولا الصين مؤهلة لحكم العالم كما يتوهم البعض، ولكننا ولا شك أمام عالم بصيغ سياسية جديدة، ينتهي فيها احتكار القطبية العالمية التي شنت حروبا لمصالح خاصة في العراق وفي يوغوسلافيا وفي افريقيا و.. دون أي ضابط عالمي، التاريخ لم ينته إذاً، وهذه حقيقة، يجب على الفوكوياميين أن يقتنعوا بها بعد عشرين عامٍ من رهانهم على كتاب..

الولايات المتحدة ستبقى قوة عظمى طبعا، لا شك في ذلك، فمخزونها من الامبراطوريات الاعلامية والبنكية والصناعية (بالإضافة إلى قوتها العسكرية المهولة) تؤمن لها قرناً كاملاً من الهيبة، ولكن لن (لم) تبق قطباً. بل أن نظرية القطبية العالمية مهددة كلها.. التاريخ لم ينته، والمعارك مفتوحة، ولكن بفوضى أكبر قليلاً.. فوضى تعدد الأقطاب داخل الإقليم الواحد… 

طبعا هذا الكلام مجرد نظريات (وفهم شخصي أعرضه على مدونة شخصية)، ولكنه رسالة مفتوحة، للتوقف قليلاً عن التمسك بفكرة أن الديمقراطية (الأميركية تحديداً) هي نهاية التاريخ ومستقبل العالم ككل، العالم اليوم يمر في شماله وجنوبه وشرقه وغربه، بتغيرات كبيرة على المستويات الدينية والاجتماعية والطبقية والحركية، و”أثر الفراشة” الاقتصادي قادر على قلب كل مسلّمات، تسوّق لها ماكنات الاعلام والمال والصحف والمواقع في كل مكان.. قليل من التريّث، في النسخ واللصق.

مدونة جوعان على الفيسبوك

وزارة السياحة الطزستانية

29/01/2014

خضر سلامة
عزيزي السائح، أهلا وسهلا بك في طزستان، نظراً للأوضاع الأمنية الضاغطة، نعتذر عن تعطل القطاع السياحي الجنسي، ونظراً لأوضاع الثقافة الوطنية البائدة، تعتذر عن تعطل القطاع السياحي الأثري، لذا، سنعتمد على سياحة من نوع جديد.. معالم كونفدرالية الفوضى الطزستانية الوطنية.
هنا، تستطيع أن ترى رئيس الجمهورية، وهو “تحفة”، من العصر “السوري القطري” أعيد اكتشافه قبل أشهر في العصر السعودي، وهو أعلى مرحلة في مراحل التطور البشري: البشري الطائر، إذ أنه يقضي وقتاً في الطيارة، أكثر مما يقضيه في القصر.
نصل إلى التحفة الثانية، وهي من أقدم تحف نظام ما بعد الحرب العالمية الثالثة التي جرت مبارياتها ضمن فعاليات أولمبياد الميليشيات قبل عقدين ونيف، يترأس منصب رئيس مجلس النواب منذ العهد الفينيقي، وهو إله المحبة عند طبقة التجار الفينيقيين، إذ أن انتقاده لا يكلفك سوى ليلتين في المستشفى.
التحفة الثالثة، تمثال طويل قليلاً، كانت الهيئات الاقتصادية المغولية في عهد هولاكو، تعبده وتتقرب إليه بالذبائح، فتارة يذبحون له حقوق العمال، وتارة يذبحون حقوق الأساتذة، وتارة يذبحون تبييض الأموال وصفقات السيلولير المشبوهة وفوضى القروض، وبكل الحالات، يظن بعض علماء الآثار أن هذا التمثال كان السلفيون في العصور الوسطى يستخدمونه كATM، يمولهم بالسلاح والعتاد.
التحفة الرابعة، طنجرة قديمة، صدئة، من العهد الاقطاعي، لا يعرف عنها العلماء الكثير، إلا أنهم وجدوا كتابة تشبخ خربشة ملك سعودي تقول: “المشاورات لتأليف الحكومة مستمرة”.
نصل إلى واحدة من أثمن ممتلكات متحف طزستان، بيك ابن بيك، قتل حين كان زمن القتل، سرق حين أصبح زمن السرقة، تعامل مع اسرائيل حين كان زمن التعامل، سلم للسوريين حين أتى الزمن السوري، يتكلم الفرنسية بلكنة فارسية، والعربية الفصحى مطعّمة بقليل من التركية، يمثل هذا الرأس خلاصة التراث السياسي منذ أيام حرب البسوس إلى أيام الحرب الباردة، ويحتفظ المختصون به عادة في حساب مصرفي بسويسرا، يعود ريعه لسماسرة الأراضي في الجبل، ومافيات النفط.
هنا، مجموعة تحف موزعة، وجد عليها الباحثون كتابات عن كيف تواجه المؤامرة، عن مخاطر الشرق الأوسط الجديد، اسقاط الصهيونية، ولكن، تعذر عليهم إيجاد خطاب واحد لبرنامج اقتصادي تنموي حقيقImageي، باسم الدولة وبمؤسساتها، لمصلحة من نحتهم.
التحفة التالية، مائلة إلى اللون البرتقالي بسبب “ضربة شمس”، يُعتقد أنها تمثّل أحد تلاميذ المسيح، لكثرة كلمة مسيحي مسيحي مسيحي، عليها، والتمثال كان سابقاً شفيع الحرب عند الشعوب القديمة، إلا أنه “فوّتها بالحيط”، ويعتقد البعض أن ثمة نسخة مقلدة للتحفة، يسمونها تمثال النبيّ “صهري”.
الرسمة هنا، تمثل تمثال الإله “إيييييه” وهي كلمة تعني بالكنعانية القديمة: “إييييييه”، أما التمثال نفسه فيحتفظ به في الرياض، ويُعار كل فترة إلى باريس، ويعتقد أن هذا الإله كان يملك مغارة مجوهرات كبيرة، نهبها من غزوات والده في الدول المجاورة، وأهمها جوهرة “so clean” وألماسة “لوليدير”..
التحفة الأخيرة، هي مقاتلَين، وجدا محنّطين منذ الأيام العثمانية، يختلف العلماء على هويتهما، البعض يعتقد أنهما يمثلان معركة “مسلمين مسيحيين”، البعض يعتقد أنهما يمثلا “درزية مارونية”، آخرون يعتقدون أنها “شيعي فلسطيني” أو “مسيحي فلسطيني”، وثمة من يقول “سني علوي”، ولو أن النظريات الحديثة تعتقد أنهما “شيعة سنة”، ولو أن العلماء يختلفون على هوية المقاتلين الاثنين، إلا أنهم يتفقون على أنهم كانوا فقراء، متعبين، وجدت في جيابهم، ذخائر بمئات الدولارات، وديون مصارف بآلاف الدولارات، بأيديهم سلاح، وفي أعينهم أحلام، وفي قلوبهم تحريض وتعبئة واعلام مأجور.
سيدي السائح، أهلا وسهلا بك في هذا الخراب الكبير، أرجو أن يسعفك الوقت لزيارة مصارفنا الكبيرة الغنية، وأحيائنا العشوائية الفقيرة، والسفارات الأجنبية المحمية جيداً، والأطراف المتروكة للصواريخ والغارات، وأن تزور جثثاً متفحمة بمباركات وطنية، وجمعيات مدنية وصحف ومواقع معروضة للإيجار، ودولة عدوة تحتفظ بثأرها منا، ونختلف على موقفنا منها، وأن تزور تاريخاً وطنياً مهترئاً في المتحف، نقتل أبطاله خجلاً..

مقاطعة اسرائيل بين هاوكينغ وصاغية

27/01/2014

خضر سلامة

ستيفن هاوكينغ: أهم عالم فيزياء نظرية في العالم اليوم، صاحب دكتوراه في علم الكون، درس الديناميكية الحركية والثقوب السوداء وحصل خلال رحلته على عشرات الجوائز العالمية، التي أهلته ليكون بامتياز أحد أهم علماء البشرية في القرن العشرين، لم يمنعه مرض التصلب الجانبي الذي أقعده بعمر ال21 سنة، وشل حركته تماماً، إلا أنه اعتمد على الحسابات الذهنية، ليتبوأ رغم أنف الشلل التام، كرسي الأستاذية في الفيزياء، كوريث نيوتن، بعد ميدالية أينشتاين.

حازم صاغية: كاتب برتبة موظف في البلاط الملكي السعودي، في جريدة الصحراء الرسمية: الحياة، يعيش على سعر القطعة الواحدة، قومي سوري سابق، بعثي سابق، شيوعي سابق، قومي عربي سابق، ثوري اسلامي ايراني سابق، ليبرالي حالي، أهم انجازاته الشخصية: “جوزف سماحة مات عندي بالبيت”.

ما الذي يجمع صاغية بهاوكنغ؟ وما الذي يجعل كاتب هذه الأسطر، يضع مؤسسات الفيزياء النظرية وتاريخ علم الكون الحديث وخلاصة الانجازات العلمية النظرية الحديثة في فهم التوازنات الضابطة للكوكب، في مقابل مؤسسة صحفية لمملكة من العصور الوسطى السياسية، مسماة على اسم عائلة، وتصنع أحد أبشع أنواع التخلف الفكري في وجه التطور العلمي (الوهابية)، وما الذي يضع كاتباً يعتاش على بيع الموقف، في وجه عالم لم يعد يملك من سبل حياته منذ خمسين عاماً، إلا فكره المستنير ودماغه المدهش؟  وما الذي يضع متقلباً سياسياً كان يشتم السادات في السبعينات ويمجده اليوم، ويهلل للخميني في الثمانينات ويشتمه اليوم، وجل ما يفهمه من الصراع في المنطقة، خطاب التحريض السني الشيعي، بوجه عالمٍ فجر جدلاً حين أعلن بداية نهاية الفلسفة وأن العلم يملك الأجوبة على كل شيء.. ما الذي يجمع هذه التناقضات بين أعلى السلم الحضاري البشري، وأسفل سلم التطور الأخلاقي؟ ببساطة، اسرائيل!Image

ستيفن هاوكنغ، المنظر الفيزيائي الشهير، والدماغ العلمي العبقري المدهش، قرر عام 2013 ، في شهر أيار مايو، في تطور تاريخي مهم على المستوى الأكاديمي العالمي، مقاطعة اسرائيل والانضمام لحملات المقاطعة الأكاديمية، عبر انسحابه من المشاركة في مؤتمر رئاسي اسرائيلي في القدس المحتلة بضيافة مجرم قانا، حمامة سلام صاغية وأبنائه، شيمون بيريز، ولم يتراجع عن موقفه رغم الارهاب الثقافي الكبير الذي مورس ضده لتشويه صورته ردا على قراره-الصفعة لاسرائيل.

حازم صاغية، الكاتب الموظف، يشن حملة ضد خطاب المقاطعة لاسرائيل، طبعا لا شيء جديد، فالرجل صاحب نظرية أن السلام هو الفرصة الأخيرة للعرب: كفى خشبية، كفى رجعية، فلنكن حضارياً ولنكف عن الدعوة لمقاطعة عدونا ثقافيا، الرجل ماهر، لا شك في ذلك، هو صاحب مذهب جديد في الانبطاح العربي، استطاع أن يجعل الاستسلام، ثقافة، لغة قائمة بحد ذاتها، استطاع أن يجمل فكرة التعامل مع اسرائيل وجعله قمة الحضارة والمحبة الانسانية، أصبحت لغة المقاطعة الثقافية والأكاديمية والاقتصادية (التي تتطور بسرعة في الجامعات والشركات الكبرى، الأميركية والأوروبية)، أصبحت هذه اللغة في بلادنا “ديموديه”، كيف، لماذا، ونحن أهل القضية الافتراضيين؟ لا شيء. طبعاً، موقف صاغية أكثر ضجة من موقف هاوكينغ في بلادنا، بين نخبنا، لماذا؟ ببساطة لأن عبد الله بن آل سعود، أكثر تأثيرا على الصحافة والشاشة والثقافة والانترنت وأهل ذلك كله، من رجل كهاوكينغ.

إذاً، قرر الغوبلزي (نسبة لجوزف غوبلز، وزير الدعاية النازي ايام هتلر) حازم صاغية، وزير دعاية النازية السعودية، أن ينزل حكم الاعدام الثقافي بحق مقاطعة اسرائيل، وصفق له المثقفون الجدد، المسحورون بفكرة التحرر من “ايقونة” العداء لاسرائيل، رغم أن معظمهم، حين يريد أن يبرر عداءه للحركات المسلحة المقاومة لاسرائيل، يتحجج بالبديل الثقافي: المواجهة الثقافية، وحين تقدم له مواجهة ثقافية هي حق بشري (تمارسه اسرائيل نفسها، ومعظم دول العالم) في مقاطعة من يدعم عدو الوطن، ينبرون للتصدي لهذه “الخشبية”.

هؤلاء لا نفع من الحديث معهم، فهم عبيد “الموضة”، واليوم، موضة العصر النفطي الصاغيّ، هي التخلي عن “أيقونات” الوطن، والتمسك ب”أصنام” التنميق اللغوي للخيانة.

حسناً، إنها مواجهة مفتوحة ومنطقية، ثمة من يعتبر نفسه يعيش في عصر هاوكينغ، وثمة من يعتبر نفسه يعيش في عصر آل سعود، بين عصر الكرامة، التضامن، الثبات على الحق الانساني الأول: التفكير، وبين من يعيش في عصر الاسقاطات المبهمة، للخطابات المصنعة المعلبة في مراكز كي الوعي، ولا شك، أن جمهور صاغية أكبر، فلكل عصر، همج رعاع، ينعقون مع كل ناعق.

على كل، نحن أعداء اسرائيل، نقاطعها ونقاطع من يحبها ويصفق لها، خشبيون جداً، وجميلون.. يقول صديقنا سماح، المتصدي بشجاعة دوما لصغار اسرائيل والمزعج للمستسلمين: ألف مرة خشبي، ولا مرة زئبقي.

زئبقيون غوبلزيون.

مدونة جوعان على الفيسبوك

لماذا تكرهنا المدينة؟

23/01/2014

خضر سلامة

كيف تصبح مدينةٌ ربّيتها أنتَ منذ طفولة شوارعها، عدوة؟ كيف تصبح المدينة التي ربيتها منذ وحل أزقتها وثقوب الرصاص في أبنيتها، حتى كبرَت بين يديك وعادت من صحراء الحرب إلى شاطئ البحر، ترقُص عاريةً على كف الرمل، تبيع الذرة على الصخور، تبدل وجوهها كممثلة في مسرحية يابانية قديمة، لتُسعد كل زائر، عدوة؟ تمشي في شوارعها وتحاذر أن ينفجر شيءٌ منها في وجهك.

مدينةٌ كانت تفجّر قافيةً في يد نزار، صارت تنفجر بعاشقين يعرفان قصائده جيداً، فتختم القصيدة.

مدينةٌ كانت تفخّخ قصائد درويش، ليفتح في جدار الحصار فجوة للخبز والأغنيات، صارت تفخّخ البنادق التي كانت موجهةً إلى صدر الفاشستي يوماً، وصارت تجرّح صدور الأطفال القادمين.

مدينةٌ كانت تلغّم الأرض بصور قديمة، لساحة البرج القديمة، لتشتل القراءة والكتابة رغم أنف التصحّر الكبير بالمال، صار ثمة من يلغّم ترابها بالخوف من أيّ شيء، من كل شيء، من كل وجه.

لماذا كرهتنا بيروت فجأة؟ نمشي في شوارعها، ونترقب التقاط صورة سريعة لموت سريع، ماذا يريد هؤلاء، من مدينة لم تُبقِ ديناً لم تدفعه، قاتلت اسرائيل حين كان الجميع يسجد لريغان سلاماً سلاماً… قاتلت العالم بمارينزه ومظلييه، حين كان العرب يتعلمون الانكليزية ليفهم العدو صلاتهم، قاتلت جنون الطائرات، بالمدفع، انتزعت الجنوب من فك آلة الموت، دفعت ثمن الحرب دماً، وثمن السلام مالاً، ماذا يريد هؤلاء، من فتح ثقباً أسوداً، ليخرجوا إلينا من قرونٍ بائدة، ويحرضوا المدينة ضد أهلها.

لا يخيفني الموت، فالموت ليس مشكلة الضحية، بل مأساة الأحياء، الموتى لا يفكرون بما تركوا خلفهم، لا وقت لديهم، فالحزام الناسف يكون في عجلة من أمره لانتزاع النفس من زبون النار، لأن لديه عمل آخر يكمله في بغداد وفي دمشق وفي سيناء وفي صنعاء، لا وقت لدى الموتى لكتابة وصية، أو لابداء رأي في أسباب موتهم، أما الأحياء، فمأساتهم أكبر، يدفعون ثمن الموت هم: سأخسر أباً، أماً، أختاً أو صديقاً، يصنعون لي حجة كي لا أترك المدينة، أو يداً ربما، تعينني على قضاء نصٍ أو قصيدةٍ، أفرغ فيها عتبي على الاسفلت.

حسناً، صارت المدينة فجأة، عدوة، زحمة السير سببٌ كافٍ لقراءة الوجوه في سيارات الجيران، حاجز الجيش مخدّر ضروري كي تطمئن الصغيرة في حضن أمها، أن ثمة دولة في مكان ما، لا شيء خطأ في ذلك، أخبرها أبوها سابقاً أن ثمة بابا نويل أيضاً، وصدّقت، فلتخبرها البذة العسكرية أيضاً قصة الدولة، الطفلة طريفة، تصدّق أي شيء.

هذا ليس خوفاً، لا خوف في التنبؤ بالموت، هذه دهشة مطلقة: لماذا كرهتني المدينة فجأة، وصارت تتوعدني بأشكالٍ من القتل، أعطيناها شعراً، فأعطتنا لحى مثقوبة من أعلاها، كمدخنة سوداء، أعطيناها القصص الجميلة عن جنة الأرض، فأعطتنا أوراق النعي الجاهزة بحجة جنة في السماء، لم يعد يوما منها ميتاً ليخبرنا عنها، أعطيناها الصوت والأغنية، وقهوة الصباح والصبر على ثقافة الباطون، وذكريات القبضة المزغردة لأرنون، والصادحة للعراق، والغاضبة لغزة، فأعطتنا يداً لا تكتب، لا تزغرد، لا تهتف، لا تقاتل قتال الأقوياء، يداً جل ما تعرفه، أن تضغط على زر تفجير، لتدفع المدينة أكثر وأكثر، للفّ نفسها بالسواد، كي تخرج إلينا في نومنا كشبحٍ في قصص الأطفال، فتفسد لذة النوم في مدينة، كنا نريد يوماً، أن نعيدها إلى بيت طاعة الأبجدية.

خفّي قليلاً يا بيروت، لا تصرخي، لا تنفجري، لا تموتي، ولا تتسرعي في اغتيال أبنائك، هذا المرض الذي يُنهك يومك، طارئ، أعيدي زحمة السير، وأعيدي الباعة المتجولين واكتظاظ الأسواق وقرع الفناجين في القهاوى وسمفونيات التبغ وشتائم السائقين لبعضهم، واحملي قليلاً من الورد بيديك، وانتظري… ثمة عالم آخر ممكن، لا تحكمه فاتورة المطعم، ولا حزام الارهابي.

مدونة جوعان على الفيسبوك

في أن تكون مزعجاً لحزب الكنبة

20/01/2014

خضر سلامة

كنت قد اتخذت عهداً منذ زمن بعدم الرد على الهجوم الشخصي، والتشهير، ببساطة، لأني أستمتع بها، وأعرب دائما لمن يرسل لي صور ما ينشره أحيانا بعض يسار السكرة لا الفكرة، أو بعض ناشطي الست بهية، أو بعض أهل مستوعبات سوكلين، عن سروري بكونهم يروني مزعجا لهم، في وقت يكون معظم من أعرف أنهم يكيلون لي الشتائم، مجرد شخصيات فيسبوكية كاريكاتورية لا أكثر، يعني لا وجود لهم خارج الحانة الليلة على أرض الواقع في ما يتعلق بالسياسة، أعيش متعة العمل خارج الشاشة، ولكني سأنشر هذا اليوم، لمرة استثنائية، وهي أن الهجوم بدأ يتسع ليطال أصدقاء ورفاق لي، من قبل هؤلاء الكارتونيين.. كارتونيون يتكلمون عن الأطراف، لكنهم لم يحملوا يوما شنطهم ويغادروا العاصمة، للعمل على محو أمية الكترونية تطوعا في قرى نائية بعكار والجنوب والبقاع، كما فعلنا كمجموعة، لا يعرفون أن ثمة عالم، مجتمع، أفكار، خارج شارع الحمرا أو الجميزة في أفضل الأحوال، لأنهم قرروا أنهم متفوقون ثقافيا وأكبر من أن يناقشوا الآخرين.

فلنأخذ مثالا الموضوع السوري، عندما تحمست للثورة السورية في بداية عمرها، كان ثمة خمسة – عشرة أشخاص لا أكثر، يعملون لتنظيم حركات مناصرة على الأرض، سواء باعتصامات أو أعمال فنية أو مسرحية، بينما مئات المتحمسين الثوريين، كانوا مجرد “غبرة” فيسبوكية، يتلخص تعاطفهم مع الشعب السوري في مجموعة ستاتوسات يومية، توزع الاتهامات والتخوين وغيرها.
مش مشكلة، تغيرت الأحداث في سورية، وكان التسليح نقطة تراجعي، بقيت واعيا لمسؤولية النظام الديكتاتوري عن وصول سورية إلى ما هي عليه اليوم، ولكن، مسؤولية بعض المعارضين أيضا في عدم تقديم مثال ديمقراطي مؤسساتي، يؤمن ما هو مطلوب: ضمان احتواء جمهور الخندق الآخر، وضمان خيارات سورية الجيواستراتيجية سياسيا واقتصاديا في ما يتعلق بالصراع مع اسرائيل، اعادة الاعمار خارج سياسة البنك الدولي، شكل المرحلة الانتقالية.
بكل الحالات، هذه بنود لكل منا وجهة نظره فيها، البعض رأى أن الوقت ليس لنقاش هذه الاحتمالات، وأكمل في مشروعه، فيما فضلت أن أقف على مسافة من الصراع، متخوفا من مثال أفغاني مجدداً: قضية محقة، استثمار رجعي، انتاج مشروع فاشل على ظهر قضية النظام القمعي والالغائي.
حسنا، في هذا الوقت، من الصراع السياسي العبثي فيسبوكيا والاتهامات المتبادلة، من الآخرين للآخرين، ومنا للآخرين، ومن الآخرين لنا، الخ، (بعثيون، دواعش، سعوديون، ايرانيون) كان هناك أزمة أكبر وأقرب، هي مشكلة انسانية بحتة تعني قرابة مليون نازح سوري وفلسطيني تحت ضغط الدم، كان يمكن أن تخفف الأزمة كثيرا، لو أن الآلاف المؤلفة من الفسابكة، موجودون خارج الشاشة، قامت مجموعات من الشباب اللبناني (وبعض السوري) بمبادرات فردية وجماعية، خلال عام 2013، استطعنا تأمين أدوية أمراض مستديمة لقرابة مئتي نازح في البقاع، بمبادرة نسقناها بين لبنان – الامارات – تونس – فرنسا، واستطاع آخرون تأمين ألبسة شتوية لمئات أخرى، ووسائل تدفئة، وأجارات منازل، لعشرات من العائلات، بقرارات فردية فقط.. كان يمكن أن تكون أضخم، لو أن البعض كان صادقا مع ما يقول.
والحق أقول لكم، لا أرد على هجوم المتساقطين هنا وهناك، وبعض الأصدقاء السابقين، لأني أعرفهم جيداً، أعرف أن فلانا متضامن فيسبوكي ثوري متطرف جداً، صحيح، ولكنه يبث مواقف مجانية، من سهرات ليل تكلف المئات من الدولارات، وأخرى، جل ما تريده من الموضوع السوري، شهرة شخصية بعد أن وجدت نفسها خارج قمقمها من خلال هذه الشاشة، وآخر، يشتم السوريين والفلسطينيين في مجالسه الخاصة، ويتباكى على اليرموك فيسبوكيا، أعرفهم جيداً، ولم أهتم يوماً بالرد عليهم حين يتطرأون للشخصنة والهجوم والاتهام، لأني أعرف جيدا حقيقة أخرى: وجود هؤلاء، من اللامنتمين لشيء، والمستقين لمواقفهم الشخصية من خلال نكاوات طائفية وحزبية تعيش في داخلهم بعد فشلهم السياسي، وجود ينتهي لحظة اطفائهم للكمبيوتر، لا أكثر.. وما غيظهم من غيرهم إلا إما غيرة، وإما ارتهانا، وإما ادعاء لعفة تكشفها حقيقة وظائفهم وأين يستكتبون.
في هذا الوقت، استطعنا، مع مجموعة من الأصدقاء، لا أخفي سرا إن قلت أن أخي وصديقي علي فخري أحدهم، وهو يتعرض لنفس حملات التشهير اليوم، أن نقوم بمبادرات صغيرة، صغيرة جداً، لتثبت أننا موجودون خارج الفيسبوك مع من ندعي أننا معهم، على أمل أن نكمل بزخم لعام 2014، دون الحاجة لمعلقات فيسبوكية يومية “تربّح” الأمة، جميل عمل هو واجب انساني.
هي معادلة سهلة: نحن قلة قليلة، قليلة جدا، لا يمكن اتهامها بشيء، لم نعمل في المنار، ولا في الجزيرة، لا في ناو ليبانون ولا في العهد نيوز، لم نفتح جمعية بتمويل أميركي، ولا رابطة بتمويل ايراني، وكل الأفلاطونيين الفاضلين، يعرفون جيدا، تاريخهم، وكيف تكون الثورة، مربحة جداً، ان استثمروا فيها بعض انسانيتهم الطارئة.
إذاً، كأسكم يا أصدقائي، بعد التعب: الشيء الجيد في الحياة اليومية، أنها قضية واحدة: أن ننام ليلاً مطمئني البال، أننا لم نقبض يوما مالا سياسيا سعر موقف، أننا صادقون بتأييدنا للانسان السوري كقيمة، للقضية الفلسطينية كقضية بشرية، للمقاومة كميزان ردع بوجه اسرائيل، وضد حزب المقاومة إن تجرأ على استثمار سلاحه في كي وعينا وقمعنا، بوجه أميركا التي ان صالحت ايران وان خالفتها، ستبقى قوة امبريالية عالمية معادية… شعارات كثيرة، نختلف أو نتفق عليها، ولكن الأكيد أن السؤال الحقيقي يجب أن يكون ليس “ماذا كتبت على الفيسبوك اليوم” بل ماذا فعلت لأجل ما كتبت عنه منذ سنتين لليوم؟Image
الآن، قولوا لي، بعد أن حققت نجاحا صغيرا متواضعا في مساعدة مئات من اللاجئين، وفي استمرار وصول المال لأهل الحاجة في غزة، وعلى المستوى الشخصي نجاح باهر لكتابي الأول في شهره الأول بنفاذ طبعته، مثلا، وتعميق علاقاتي الشخصية مع الرفاق في بلاد المغرب في ظل عملنا، وهو سر مفترض لمشروع ينبغي أن يبصر النور قريباً، على انشاء مركز تعاون شبابي بمبادرات وتمويل خاص ومستقل من بضعة رفاق، لانشاء رابطة عولمة بديلة هي الأولى في بلادنا من المغرب إلى لبنان، ومركز اعلامي بديل تابع لنفس الفكرة، مع أنشطة ثقافية تبدأ في الرباط وتونس والقاهرة وتخترق انقسامات لبنان وفلسطين والخليج أيضاً. في ظل هذه الورشة الضخمى من قبل بضعة أفراد في ظل شبح المارد المالي الكبير حولنا، هل يتسع الوقت، للرد على هؤلاء الطارئين؟ النجاح يغيظ المهمشين، هذه حقيقة تاريخية.

هناك حياة خارج الفيسبوك أيها الكارتونيين، صدقوني، لستم بالضرورة موجودون فيها، لكنها موجودة.

 


%d مدونون معجبون بهذه: