في أن تكون مزعجاً لحزب الكنبة

خضر سلامة

كنت قد اتخذت عهداً منذ زمن بعدم الرد على الهجوم الشخصي، والتشهير، ببساطة، لأني أستمتع بها، وأعرب دائما لمن يرسل لي صور ما ينشره أحيانا بعض يسار السكرة لا الفكرة، أو بعض ناشطي الست بهية، أو بعض أهل مستوعبات سوكلين، عن سروري بكونهم يروني مزعجا لهم، في وقت يكون معظم من أعرف أنهم يكيلون لي الشتائم، مجرد شخصيات فيسبوكية كاريكاتورية لا أكثر، يعني لا وجود لهم خارج الحانة الليلة على أرض الواقع في ما يتعلق بالسياسة، أعيش متعة العمل خارج الشاشة، ولكني سأنشر هذا اليوم، لمرة استثنائية، وهي أن الهجوم بدأ يتسع ليطال أصدقاء ورفاق لي، من قبل هؤلاء الكارتونيين.. كارتونيون يتكلمون عن الأطراف، لكنهم لم يحملوا يوما شنطهم ويغادروا العاصمة، للعمل على محو أمية الكترونية تطوعا في قرى نائية بعكار والجنوب والبقاع، كما فعلنا كمجموعة، لا يعرفون أن ثمة عالم، مجتمع، أفكار، خارج شارع الحمرا أو الجميزة في أفضل الأحوال، لأنهم قرروا أنهم متفوقون ثقافيا وأكبر من أن يناقشوا الآخرين.

فلنأخذ مثالا الموضوع السوري، عندما تحمست للثورة السورية في بداية عمرها، كان ثمة خمسة – عشرة أشخاص لا أكثر، يعملون لتنظيم حركات مناصرة على الأرض، سواء باعتصامات أو أعمال فنية أو مسرحية، بينما مئات المتحمسين الثوريين، كانوا مجرد “غبرة” فيسبوكية، يتلخص تعاطفهم مع الشعب السوري في مجموعة ستاتوسات يومية، توزع الاتهامات والتخوين وغيرها.
مش مشكلة، تغيرت الأحداث في سورية، وكان التسليح نقطة تراجعي، بقيت واعيا لمسؤولية النظام الديكتاتوري عن وصول سورية إلى ما هي عليه اليوم، ولكن، مسؤولية بعض المعارضين أيضا في عدم تقديم مثال ديمقراطي مؤسساتي، يؤمن ما هو مطلوب: ضمان احتواء جمهور الخندق الآخر، وضمان خيارات سورية الجيواستراتيجية سياسيا واقتصاديا في ما يتعلق بالصراع مع اسرائيل، اعادة الاعمار خارج سياسة البنك الدولي، شكل المرحلة الانتقالية.
بكل الحالات، هذه بنود لكل منا وجهة نظره فيها، البعض رأى أن الوقت ليس لنقاش هذه الاحتمالات، وأكمل في مشروعه، فيما فضلت أن أقف على مسافة من الصراع، متخوفا من مثال أفغاني مجدداً: قضية محقة، استثمار رجعي، انتاج مشروع فاشل على ظهر قضية النظام القمعي والالغائي.
حسنا، في هذا الوقت، من الصراع السياسي العبثي فيسبوكيا والاتهامات المتبادلة، من الآخرين للآخرين، ومنا للآخرين، ومن الآخرين لنا، الخ، (بعثيون، دواعش، سعوديون، ايرانيون) كان هناك أزمة أكبر وأقرب، هي مشكلة انسانية بحتة تعني قرابة مليون نازح سوري وفلسطيني تحت ضغط الدم، كان يمكن أن تخفف الأزمة كثيرا، لو أن الآلاف المؤلفة من الفسابكة، موجودون خارج الشاشة، قامت مجموعات من الشباب اللبناني (وبعض السوري) بمبادرات فردية وجماعية، خلال عام 2013، استطعنا تأمين أدوية أمراض مستديمة لقرابة مئتي نازح في البقاع، بمبادرة نسقناها بين لبنان – الامارات – تونس – فرنسا، واستطاع آخرون تأمين ألبسة شتوية لمئات أخرى، ووسائل تدفئة، وأجارات منازل، لعشرات من العائلات، بقرارات فردية فقط.. كان يمكن أن تكون أضخم، لو أن البعض كان صادقا مع ما يقول.
والحق أقول لكم، لا أرد على هجوم المتساقطين هنا وهناك، وبعض الأصدقاء السابقين، لأني أعرفهم جيداً، أعرف أن فلانا متضامن فيسبوكي ثوري متطرف جداً، صحيح، ولكنه يبث مواقف مجانية، من سهرات ليل تكلف المئات من الدولارات، وأخرى، جل ما تريده من الموضوع السوري، شهرة شخصية بعد أن وجدت نفسها خارج قمقمها من خلال هذه الشاشة، وآخر، يشتم السوريين والفلسطينيين في مجالسه الخاصة، ويتباكى على اليرموك فيسبوكيا، أعرفهم جيداً، ولم أهتم يوماً بالرد عليهم حين يتطرأون للشخصنة والهجوم والاتهام، لأني أعرف جيدا حقيقة أخرى: وجود هؤلاء، من اللامنتمين لشيء، والمستقين لمواقفهم الشخصية من خلال نكاوات طائفية وحزبية تعيش في داخلهم بعد فشلهم السياسي، وجود ينتهي لحظة اطفائهم للكمبيوتر، لا أكثر.. وما غيظهم من غيرهم إلا إما غيرة، وإما ارتهانا، وإما ادعاء لعفة تكشفها حقيقة وظائفهم وأين يستكتبون.
في هذا الوقت، استطعنا، مع مجموعة من الأصدقاء، لا أخفي سرا إن قلت أن أخي وصديقي علي فخري أحدهم، وهو يتعرض لنفس حملات التشهير اليوم، أن نقوم بمبادرات صغيرة، صغيرة جداً، لتثبت أننا موجودون خارج الفيسبوك مع من ندعي أننا معهم، على أمل أن نكمل بزخم لعام 2014، دون الحاجة لمعلقات فيسبوكية يومية “تربّح” الأمة، جميل عمل هو واجب انساني.
هي معادلة سهلة: نحن قلة قليلة، قليلة جدا، لا يمكن اتهامها بشيء، لم نعمل في المنار، ولا في الجزيرة، لا في ناو ليبانون ولا في العهد نيوز، لم نفتح جمعية بتمويل أميركي، ولا رابطة بتمويل ايراني، وكل الأفلاطونيين الفاضلين، يعرفون جيدا، تاريخهم، وكيف تكون الثورة، مربحة جداً، ان استثمروا فيها بعض انسانيتهم الطارئة.
إذاً، كأسكم يا أصدقائي، بعد التعب: الشيء الجيد في الحياة اليومية، أنها قضية واحدة: أن ننام ليلاً مطمئني البال، أننا لم نقبض يوما مالا سياسيا سعر موقف، أننا صادقون بتأييدنا للانسان السوري كقيمة، للقضية الفلسطينية كقضية بشرية، للمقاومة كميزان ردع بوجه اسرائيل، وضد حزب المقاومة إن تجرأ على استثمار سلاحه في كي وعينا وقمعنا، بوجه أميركا التي ان صالحت ايران وان خالفتها، ستبقى قوة امبريالية عالمية معادية… شعارات كثيرة، نختلف أو نتفق عليها، ولكن الأكيد أن السؤال الحقيقي يجب أن يكون ليس “ماذا كتبت على الفيسبوك اليوم” بل ماذا فعلت لأجل ما كتبت عنه منذ سنتين لليوم؟Image
الآن، قولوا لي، بعد أن حققت نجاحا صغيرا متواضعا في مساعدة مئات من اللاجئين، وفي استمرار وصول المال لأهل الحاجة في غزة، وعلى المستوى الشخصي نجاح باهر لكتابي الأول في شهره الأول بنفاذ طبعته، مثلا، وتعميق علاقاتي الشخصية مع الرفاق في بلاد المغرب في ظل عملنا، وهو سر مفترض لمشروع ينبغي أن يبصر النور قريباً، على انشاء مركز تعاون شبابي بمبادرات وتمويل خاص ومستقل من بضعة رفاق، لانشاء رابطة عولمة بديلة هي الأولى في بلادنا من المغرب إلى لبنان، ومركز اعلامي بديل تابع لنفس الفكرة، مع أنشطة ثقافية تبدأ في الرباط وتونس والقاهرة وتخترق انقسامات لبنان وفلسطين والخليج أيضاً. في ظل هذه الورشة الضخمى من قبل بضعة أفراد في ظل شبح المارد المالي الكبير حولنا، هل يتسع الوقت، للرد على هؤلاء الطارئين؟ النجاح يغيظ المهمشين، هذه حقيقة تاريخية.

هناك حياة خارج الفيسبوك أيها الكارتونيين، صدقوني، لستم بالضرورة موجودون فيها، لكنها موجودة.

 

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: