لماذا تكرهنا المدينة؟

خضر سلامة

كيف تصبح مدينةٌ ربّيتها أنتَ منذ طفولة شوارعها، عدوة؟ كيف تصبح المدينة التي ربيتها منذ وحل أزقتها وثقوب الرصاص في أبنيتها، حتى كبرَت بين يديك وعادت من صحراء الحرب إلى شاطئ البحر، ترقُص عاريةً على كف الرمل، تبيع الذرة على الصخور، تبدل وجوهها كممثلة في مسرحية يابانية قديمة، لتُسعد كل زائر، عدوة؟ تمشي في شوارعها وتحاذر أن ينفجر شيءٌ منها في وجهك.

مدينةٌ كانت تفجّر قافيةً في يد نزار، صارت تنفجر بعاشقين يعرفان قصائده جيداً، فتختم القصيدة.

مدينةٌ كانت تفخّخ قصائد درويش، ليفتح في جدار الحصار فجوة للخبز والأغنيات، صارت تفخّخ البنادق التي كانت موجهةً إلى صدر الفاشستي يوماً، وصارت تجرّح صدور الأطفال القادمين.

مدينةٌ كانت تلغّم الأرض بصور قديمة، لساحة البرج القديمة، لتشتل القراءة والكتابة رغم أنف التصحّر الكبير بالمال، صار ثمة من يلغّم ترابها بالخوف من أيّ شيء، من كل شيء، من كل وجه.

لماذا كرهتنا بيروت فجأة؟ نمشي في شوارعها، ونترقب التقاط صورة سريعة لموت سريع، ماذا يريد هؤلاء، من مدينة لم تُبقِ ديناً لم تدفعه، قاتلت اسرائيل حين كان الجميع يسجد لريغان سلاماً سلاماً… قاتلت العالم بمارينزه ومظلييه، حين كان العرب يتعلمون الانكليزية ليفهم العدو صلاتهم، قاتلت جنون الطائرات، بالمدفع، انتزعت الجنوب من فك آلة الموت، دفعت ثمن الحرب دماً، وثمن السلام مالاً، ماذا يريد هؤلاء، من فتح ثقباً أسوداً، ليخرجوا إلينا من قرونٍ بائدة، ويحرضوا المدينة ضد أهلها.

لا يخيفني الموت، فالموت ليس مشكلة الضحية، بل مأساة الأحياء، الموتى لا يفكرون بما تركوا خلفهم، لا وقت لديهم، فالحزام الناسف يكون في عجلة من أمره لانتزاع النفس من زبون النار، لأن لديه عمل آخر يكمله في بغداد وفي دمشق وفي سيناء وفي صنعاء، لا وقت لدى الموتى لكتابة وصية، أو لابداء رأي في أسباب موتهم، أما الأحياء، فمأساتهم أكبر، يدفعون ثمن الموت هم: سأخسر أباً، أماً، أختاً أو صديقاً، يصنعون لي حجة كي لا أترك المدينة، أو يداً ربما، تعينني على قضاء نصٍ أو قصيدةٍ، أفرغ فيها عتبي على الاسفلت.

حسناً، صارت المدينة فجأة، عدوة، زحمة السير سببٌ كافٍ لقراءة الوجوه في سيارات الجيران، حاجز الجيش مخدّر ضروري كي تطمئن الصغيرة في حضن أمها، أن ثمة دولة في مكان ما، لا شيء خطأ في ذلك، أخبرها أبوها سابقاً أن ثمة بابا نويل أيضاً، وصدّقت، فلتخبرها البذة العسكرية أيضاً قصة الدولة، الطفلة طريفة، تصدّق أي شيء.

هذا ليس خوفاً، لا خوف في التنبؤ بالموت، هذه دهشة مطلقة: لماذا كرهتني المدينة فجأة، وصارت تتوعدني بأشكالٍ من القتل، أعطيناها شعراً، فأعطتنا لحى مثقوبة من أعلاها، كمدخنة سوداء، أعطيناها القصص الجميلة عن جنة الأرض، فأعطتنا أوراق النعي الجاهزة بحجة جنة في السماء، لم يعد يوما منها ميتاً ليخبرنا عنها، أعطيناها الصوت والأغنية، وقهوة الصباح والصبر على ثقافة الباطون، وذكريات القبضة المزغردة لأرنون، والصادحة للعراق، والغاضبة لغزة، فأعطتنا يداً لا تكتب، لا تزغرد، لا تهتف، لا تقاتل قتال الأقوياء، يداً جل ما تعرفه، أن تضغط على زر تفجير، لتدفع المدينة أكثر وأكثر، للفّ نفسها بالسواد، كي تخرج إلينا في نومنا كشبحٍ في قصص الأطفال، فتفسد لذة النوم في مدينة، كنا نريد يوماً، أن نعيدها إلى بيت طاعة الأبجدية.

خفّي قليلاً يا بيروت، لا تصرخي، لا تنفجري، لا تموتي، ولا تتسرعي في اغتيال أبنائك، هذا المرض الذي يُنهك يومك، طارئ، أعيدي زحمة السير، وأعيدي الباعة المتجولين واكتظاظ الأسواق وقرع الفناجين في القهاوى وسمفونيات التبغ وشتائم السائقين لبعضهم، واحملي قليلاً من الورد بيديك، وانتظري… ثمة عالم آخر ممكن، لا تحكمه فاتورة المطعم، ولا حزام الارهابي.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة:

رد واحد to “لماذا تكرهنا المدينة؟”

  1. Kifaya Al-Mufatesh Says:

    لا تستطع بيروت ان تكره عشاقها

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: