التاريخ انتهى.. لم ينته

خضر سلامة

عام 1992 كتب فرانسيس فوكوياما كتابه الشهير “نهاية التاريخ والانسان الأخير” الذي نعى فيه الأيديولوجيات وأعلن أن الديمقراطية البرجوازية بصيغتيها الاشتراكية الحديثة والليبرالية، هي نهاية التاريخ، معترضا بذلك على نظرية المادية التاريخية الماركسية، التي ادعت أن نهاية الاضطهاد يكون بالغاء الفروق بين الطبقات (ما تبين أنه مستحيل بالتطبيق، اذا احتفظنا بفكرة الدولة كما هي، التي ستصبح هي نفسها طبقة عند الغاء الطبقات، كما حدث في الاتحاد السوفييتي ويوغوسلافيا و..)

بكل الحالات، نظرية فوكوياما هي الصنم الفكري الذي يتبعه ليبراليو اليوم واشتراكيوه على المذهب الأوروبي (رغم أن كتاب فوكوياما نفسه، ينقض نفسه، كونه مؤسس شبه أيديولوجيا في عصر نهاية الأيديولوجيات كما يدعون، أيديولوجيا تؤمن بنهاية الايديولوجيات والمجتمعات وتوحيد الثقافة السياسية والقيم الاقتصادية!)Image

ولكن، هل أخطأ فوكوياما؟ قراءة الكتاب بهدوء، تظهر أن فوكوياما يتحدث باسم الرجل الأبيض، أو الحضارة الغربية كما يُصطلح على تسميتها بوجه “البرابرة” كما يصف الآخرين: غرب أوروبا وأميركا الشمالية، التي احتكرت وضع القيم الانسانية والثقافية منذ حوالى خمسمئة عام إلى اليوم، وأصبحت هي reference تحديد سلوك النظام الفلاني، أو المجتمع الفلاني، حتى بنظر بعض من يدعي معاداتهم، ولكن هل انتهى التاريخ فعلياً؟ ما حدث في التسعينات مع سقوط وارسو وجدار برلين، هو نهاية التاريخ فعلاً/ التاريخ الغربي، الذي وصل إلى أقصى ما يمكن لحضارة متنوعة أن تنتجه بعد تطور مئات السنوات: أحادية القيادة والقطب الواحد، مثلت الولايات المتحدة (أو مجموعة المصارف والشركات)، بآل بوش وكلينتون بينهما، قمة ما يمكن لعالم ما بعد الحرب العالمية الأولى أن يصل إليه، قيادة واحدة مطلقة للعالم.

ولكن، رهان فوكوياما ونظريته، لم تأخذ بعين الاعتبار أن هناك مجتمعات مستقلة، بمعايير تاريخية وثقافية صلبة لا يؤذيها فعليا سلاح العولمة، لم يكن فوكوياما، بغروره الثقافي، قادرا على فهم الحسابات المحلية لكل مجتمع، فعاد الاسلام الجهادي ليصبح اليوم عاملا أساسيا في صناعة الأنظمة السياسية حول العالم، رغم أنه كان سابقا أداة من أدوات صناعة “نهاية التاريخ” نفسه، في أفغانستان، وعادت اشتراكية من نوع جديد في جنوب أميركا، تمزج الروح العسكرية بالسيرورة الديمقراطية بالكاثوليكية المتحررة بتنمية علمية اجتماعية واسعة، وخدم تطور أسعار النفط والغاز، خروج مارد روسي جديد بمزيج من رأسمالية قومية وجنوح يميني وطني، وخبث صيني في امتلاك مخزون العملة الصعبة كله، وشد المصانع إلى بلد متحرر من الضوابط الحقوقية العمالية، وتوسع اقتصادي في أفريقيا.

طبعا لا روسيا ولا الصين مؤهلة لحكم العالم كما يتوهم البعض، ولكننا ولا شك أمام عالم بصيغ سياسية جديدة، ينتهي فيها احتكار القطبية العالمية التي شنت حروبا لمصالح خاصة في العراق وفي يوغوسلافيا وفي افريقيا و.. دون أي ضابط عالمي، التاريخ لم ينته إذاً، وهذه حقيقة، يجب على الفوكوياميين أن يقتنعوا بها بعد عشرين عامٍ من رهانهم على كتاب..

الولايات المتحدة ستبقى قوة عظمى طبعا، لا شك في ذلك، فمخزونها من الامبراطوريات الاعلامية والبنكية والصناعية (بالإضافة إلى قوتها العسكرية المهولة) تؤمن لها قرناً كاملاً من الهيبة، ولكن لن (لم) تبق قطباً. بل أن نظرية القطبية العالمية مهددة كلها.. التاريخ لم ينته، والمعارك مفتوحة، ولكن بفوضى أكبر قليلاً.. فوضى تعدد الأقطاب داخل الإقليم الواحد… 

طبعا هذا الكلام مجرد نظريات (وفهم شخصي أعرضه على مدونة شخصية)، ولكنه رسالة مفتوحة، للتوقف قليلاً عن التمسك بفكرة أن الديمقراطية (الأميركية تحديداً) هي نهاية التاريخ ومستقبل العالم ككل، العالم اليوم يمر في شماله وجنوبه وشرقه وغربه، بتغيرات كبيرة على المستويات الدينية والاجتماعية والطبقية والحركية، و”أثر الفراشة” الاقتصادي قادر على قلب كل مسلّمات، تسوّق لها ماكنات الاعلام والمال والصحف والمواقع في كل مكان.. قليل من التريّث، في النسخ واللصق.

مدونة جوعان على الفيسبوك

الأوسمة: , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: