Archive for 27 فبراير, 2014

بوتين وعباءة القيصر

27/02/2014

خضر سلامة

لربما يكون فلاديمير بوتين، أكثر شخصية سياسية منذ سقوط جدار برلين، تحظى بهذه الكمية من الانقسام العالمي حوله لسنوات، ذهب البعض إلى تأليهه، والبعض إلى شيطنته: شرير؟ بطل؟ حليف؟ عدو؟ متهور؟ ذكي؟، برأيي.

في الحرب العالمية الثانية، كان الصراع بين ثلاث قوى موجودة: الثقافة الفاشية (هتلر وموسوليني وهيروهيتو في تلك الفترة)، التي كانت تستغل الشعوب الأخرى، وتقنع شعبها في بلدها فقط أن هذا لمصلحته، الثقافة الشمولية (الستالينية في تلك الفترة)، التي كانت تستغل الشعوب وتقنع المنتمين لها من شعوب العالم أن هذا لمصلحتهم، والثقافة الثالثة التي مثلتها قيادات بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، التي كانت تستغل كل شعوب العالم، وتقنعهم كلهم، أن هذا لمصلحته.بوتين

طبعاً، بعد الحرب العالمية ثم الباردة، خرجت الأخيرة منتصرة.. قتلت في أفغانستان والعراق والصومال ولبنان وكوريا واليمن وسورية وفلسطين وباكستان والسودان وليبيا وبنما وغيرها، بشكل مباشر أو غير مباشر، اعدادا بالملايين في السنوات الثلاثين الأخيرة فقط، بقتل نظيف اعلامياً وتاريخياً بحجج كثيرة (ارهاب، ديمقراطية، عقوبات، أمن عالمي) مسوّغ لها جيداً ضمن نخب العالم كله.

أما بوتين اليوم، فهو يمثل ظاهرة جديدة برأيي، في تاريخنا المعاصر ما بعد الحرب العالمية، الرجل يجمع الأمثلة الثلاثة في سنوات حكمه القليلة الماضية، فهو يظهر كديكتاتور ويتكلم كديمقراطي، يكاد يكون فاشياً داخل روسيا الاتحادية في التعامل مع بعض الشعوب غير الروسية، بقسوة أنيقة، جعلته زعيماً قومياً عند وسط اليمين لرفعه راية شعبه، يستعير قليلاً من الاستراتيجية الستالينية في تحاصص العالم حيث يواجه الولايات المتحدة،  مقنعاً بإعلامه متعدد اللغات حلفاءه، أن ذلك لمصلحة شعوب هذه البلاد، ويقوم على مشاريع اقتصادية واستثمارات مصرفية ونفطية روسية تطمع للعالمية، تأمل أن تتأهل يوماً للعب دور الشركات الأميركية في تقرير مصير العالم، وغازه.

روسيا اليوم، نظام مستعرض: يهابه العالم بسبب قصصه وتاريخه، لا من سلوكه، بل مظهره، ويحذر منه الجميع، لا بسبب قوة لا زالت في مراحلها الأولى، أما بوتين، فيبدو كأنه الرجل الذي يمر قرب شرطي (أميركا) يضرب مواطناً (العالم)، والجميع ينتظر ليرى ماذا سيفعل: هل يتدخل لينقذ المواطن، أو يكمل طريقه شاتماً الشرطة فقط..

شخصياً، أعتقد أن بوتين في المشهد، هو الرجل الذي يطمح أن يصبح شرطياً أيضاً..

Advertisements

جورج عبد الله: مواطن من هذا الكوكب

18/02/2014

خضر سلامة

قبل أشهر، ضج البلد بخبر حصول الوزير السابق وبطل فضائح ويكيليكس، الياس المر، على منصب رئاسة الانتربول – من أجل عالم أكثر أماناً، التي تبين أنها مؤسسة وهمية شكلية، ورغم ذلك، ضج البلد بالخبر، نفس البلد الذي سبق واستقبل كارلوس سليم، الملياردير اللبناني العالمي، الذي رفع رأس لبنان.. كيف؟ بعصر الفقراء المكسيكيين واستغلالهم… قبل أن يصرح أنه لا يرغب بالاستثمار في لبنان بل.. في اسرائيل!

البلد الذي ينشغل بمعركة وطنية كمعركة أكبر صحن حمّص، وينتدب الشيف رمزي شخصيا لتحمل أوزارها، ثم ينتصر في معركة الليموناضة، إلخ، معروف بأنه من البلاد "الضعيفة" أمام أي خبر أو منصب عالمي، يكفي أن يكون ثمة "عالمية" أو "دولية" في أي شيء، ليصبح الشعب منكباً على متابعة تفاصيل الحدث، كما معركة العجائب السبعة الجديدة، التي تبين لاحقا أنها خدعة كبيرة، ومحاولة نصب "عالمية" أيضاً.. هذا البلد بالذات، لم يسمع طبعاً، بجائزة فرانز فانون، ولا بفرانز فانون، وربما، بعضه لم يسمع بصاحب الجائزة هذا العام: البطل اللبناني ال"عالمي" جورج ابراهيم عبد الله.29597_556029957747071_373273749_n

فرانز فانون، ابن جزر المارتينيك ولادة، بالنسب الأفريقي الأصيل، وبالأوراق الجزائرية عند وفاته، الطبيب النفسي الذي انتقل إلى "معسكر الارهاب" في الخمسينات والستينات، وانتمى للثورة الجزائرية، وصار منبرها وصحيفتها: وحده، توكّل بالرد على الترف الثقافي الفرنسي، وحجج اليسار قبل اليمين، في رفض مطالب الشعب الجزائري، كان فانون مقتنعا أن المعركة هي معركة مصطلحات: نزع حصرية الحضارة والثقافة ومعايير الحرية والارهاب، من يد المستعمر، ولنصنع عالمنا الثالث كما نريد! أصبحت أفكار فانون مصدر وحي للثوار في فلسطين، في التاميل، في الفهود السود بالولايات المتحدة وفي جنوب أفريقيا.

مات فرانز فانون بعمر السادسة والثالثين، تاركاً ورائه كماً كبيراً من الغضب ضد كل عنصرية، سياسية أو ثقافية أو عرقية أو طبقية، وقبل سنوات، اطلقت جائزته، التي ذهبت بادئ ذي بدء لستيفان هيسل، المناضل العتيق ضد النازية، والتائب عن اسرائيل والمناصر للشعب الفلسطيني، الذي لوحق وحورب بتهم متنوعة آخرها كان "الخرَف"، قبل أن تذهب لاحقا لموميا أبو جمال، أو ويسلي كوك، الأميركي الأفريقي الجذري في إيمانه بحقوق شعبه وبالعنصرية الظاهرة والباطنة في النظام الأميركي، الذي حُكم في الثمانينات بالإعدام بتهمة قتل شرطي، شاب التهمة وأدلتها والمحاكمة ككل، حملات عالمية ضد التآمر على المتهم للتخلص منه، ولا زال معتقلاً إلى اليوم.

بعد موميا وهيسل، جورج عبد الله بطل "فرانز فانون" الجديد، الرجل الذي ترك طوائف لبنان وحروبه الداخلية وضياع بوصله، وخرج ليلاحق العدو في كل مكان ثأراً لكرامة لا يكترث لها أحد، يكاد يطرق جدار العقد الرابع من اعتقاله في فرنسا، لا قانونيا ولا دستورياً ولا انسانياً، دون أي تحرك سياسي أو حزبي حقيقي، ينال جائزة ثقافية لا تقدر بصيتها، بل بقيمتها الانسانية الثورية: هذا الاتصال بين من ثار في الجزائر ضد الكذب الفرنسي وعنصرية الديمقراطيات، ومن ثار ضد العنصرية النازية، وضد عنصرية رأسالمال بواشنطن، وضد عنصرية الصهيونية في كل مكان.

جورج عبد الله ينال جائزة انسانية بحتة، لن يدبّل مارسيل غانم بعينيه وقهقهته الشهيرة كلما استقبل مليونيراً، لن يطبل طوني خليفة للمكرّم، لن يهنئ الرئيس اللبناني شعبه بإنجاز لا جميل له ولا لشعبه فيه، لن يطلق أحد المهيّجين النار ابتهاجاً، لأن جورج عبد الله ليس من هذه المزرعة، لم يكن يوماً، هو من وطن كان ولا زال فكرة، لأن جورج عبد الله، ملعونٌ كما كل من يقرر يوماً، الخروج عن السائد، والغضب لنفسه وشعبه، قبل الغضب لسفيرٍ أو شيك أو فتوى.

جورج عبد الله.. كل الحب.

التحقيق مع السيّد الحب

14/02/2014

خضر سلامة

يقول عيد الحبْ
أنه لا يحيي عيدَه
ويقول بأن الربْ
عصر الحزن،
كي يجبل طينَه.

Image

يقول عيد الحبْ:

أنا إطار الخشب المنحوت،
بخفة فأس.
أَصلُح للّوحات كما التابوت،
ولرسم نبيٍّ يبلعه الحوت،
ولأنثى تقفز فوق الشمس.

يقول الحب:
أنا رقمان التقيا في حانوت،
يبيع القبلة واللمس:
الواحد قال أنا العُرس،
لا يتكرّر كالموت.
الرابع قال أنا طعنٌ في الثالوث،
أنا التشكيك أنا الهمس،
في أذن الرجل المحظوظ:
ما كان غداً حاضركَ
سيصير الأمس.

يقول الحب: أنا الشعر المغزول بحق التوت
يصير شرابا،
وأنا الحبر الكادح بيد الكاتب
في المخطوط،
أجهل الكتابة.
وأنا آدم بالضلع المكسور،
أُخيَّر بين الجنّة والجنس.
وأنا ما لم يُعطي جنيّ العود،
من موسيقى للإنس.

يقول الحب: أنا الورد المقتول،
بسيف البستانيّ:
يبتسمُ حبيبان..
وينقرضُ الجوريّ.

مدونة جوعان على الفيسبوك

من يتذكّر العراق؟

06/02/2014

خضر سلامة

الأمر عادي جداً: جلسة صحفية مع السيد باتريك يوسف، المبعوث الدولي للصليب الأحمر في العراق، وعادي جداً أن يسلمنا السيد يوسف، تقارير عن الوضع الانساني والصحي في العراق، تحت عنوان: العراق، حقائق وأرقام.

حقائق وأرقام فعلاً، ففيما يقوم الصليب الأحمر الدولي بمهامه للتعويض عن النقص في الدولة في مناطق النزاع والتأزم الأمني وتاليا الانساني، والبلاد التي أنهكتها الحروب المنسية والكذبات الدولية الفاضحة، والتي نسيها العالم والتهى بقصة أخرى في التلفاز، تخرج القصص اليومية عن القتل والتفجير والارهاب والفوضى المرعية والانقسام الدمي المشتد، تكون القصص حقائق، حقائق تدين كل شيء في النظام العالمي الجديد: أين قضيتي التي عُرضت يوماً على الصفحات الأولى للجرائد في كوكب النفط هذا؟

يأتي الجواب: الحقائق أصبحت أرقام، ثمة حقائق وثمة أرقام، ثمة حقائق ثابتة، معروفة، متفق عليها، وثمة ثقافة أرقام، قد تكمل الحقائق، وقد، في حالتنا، تمحوها وتجعلها أرقاما فقط، يُعرض الرقم على الشاشة في نشرات الأخبار: خمسون قتيلا هنا، مقبرة جماعية لمئة هناك، تفجير بخمس هناك، الخ، تفيد في تعبئة الشريImageط المستعجل صوب أخبار الرياضة أو البورصة..

بكل الحالات، يُنسى العراق، كم يبدو حزينا وشاحباً وجه النهرين منذ أتاها هولاكو قبل ألف عام، لم يبتسم مذّاك أبو الخير، ولم يذكره أحدٌ إلا بقذيفة، وظلّ على جانب العالم، يذكره كلما أراد برميل نفط، ليسكر الآخرون على شط الخليج، يموت مليون من أطفاله في حصار الديمقراطية في التسعينات، ولا من يتذكّر، تُقصف ملاجئه خلال السلم، ولا من يسأل، تُركب له التهمة على الفضائيات مباشرة، ويحاصر بالكذب، ويُدمر مدينةً مدينةً، كتيبةً كتيبةً، شرطياً شرطياً، ويُغتال علماؤه ودكاترة جامعاته ومخترعيه، على مدى سنتين، ولا من يبكي وينوح، يلاحق شيوخ عشائره، تُفجر آثاره، تلغّم مدنه لعشر سنوات، ولا من ينتبه، لماذا يصلب العراق دائماً بالصمت؟ وكم مرةّ سنعيد قصة الحلاج على حجم خريطة؟

القضايا التي ينبه إليها التقارير، على الأقل، التي يعمل عليها الصليب الأحمر الدولي في العراق، قضايا تكاد تجمع كل القصص في زوايا العالم في واحدة تمتد من ثمانينات حرب الخليج الأولى ثم عاصفة الصحراء وصولا إلى المعارك المحتدمة في غرب العراق بين الحكومة وتنظيم داعش، من المفقودين إلى المحتجزين إلى الأرياف والصحة والنساء المعيلات والنازحين والألغام ومياه الشرب، كم تجمع هذه القضايا من أخبار، في خبر واحد: العراق.

كيف نسينا العراق اليوم؟ بل كيف تذكرناه عام 2003 فجأة، لأنهم سيقصفونه! ثم عدنا ونسيناه حين اصبحت أخباره مكررة: مجزرة واشتباك وانفجار واغتيال، أخبار عادية، وانتظرنا خراب بلد آخر، لنكترث بشيء، ربما سننشغل عنه لاحقا بخراب آخر، وهكذا، تحركنا ماكنة الاعلام، وتحرك الشركات ماكنة الاعلام، ويحرك المصرف ماكنة الشركات.. المصرف يحركنا.

كم كنّا أطفالا يا عراق، حين صدقنا المواويل والأشعار، وقصص الخمر ومعارك الفداء وخرير النهر، أوقفوا كتابة التاريخ عند ابتسامتك، كي لا نفتش عنك لنطمئن عن وجهك اليوم، تُنسى كأنك لست في الخريطة، يريد جيلنا أن يمسحك من الذاكرة لأنك عاره الأول في وعيه السياسي، هكذا تحطم بلدٌ، وُضع في عصّارة المال والثقافة والصحف لأشهر، قبل أن يُرمى.

عراق الخير، هل يعرف من يحمل جرحك اليوم، أنه يحمل الدليل الأول في محكمة القرن الجديد، ضد الانسان؟

 

مدونة مواطن جوعان


%d مدونون معجبون بهذه: