من يتذكّر العراق؟

خضر سلامة

الأمر عادي جداً: جلسة صحفية مع السيد باتريك يوسف، المبعوث الدولي للصليب الأحمر في العراق، وعادي جداً أن يسلمنا السيد يوسف، تقارير عن الوضع الانساني والصحي في العراق، تحت عنوان: العراق، حقائق وأرقام.

حقائق وأرقام فعلاً، ففيما يقوم الصليب الأحمر الدولي بمهامه للتعويض عن النقص في الدولة في مناطق النزاع والتأزم الأمني وتاليا الانساني، والبلاد التي أنهكتها الحروب المنسية والكذبات الدولية الفاضحة، والتي نسيها العالم والتهى بقصة أخرى في التلفاز، تخرج القصص اليومية عن القتل والتفجير والارهاب والفوضى المرعية والانقسام الدمي المشتد، تكون القصص حقائق، حقائق تدين كل شيء في النظام العالمي الجديد: أين قضيتي التي عُرضت يوماً على الصفحات الأولى للجرائد في كوكب النفط هذا؟

يأتي الجواب: الحقائق أصبحت أرقام، ثمة حقائق وثمة أرقام، ثمة حقائق ثابتة، معروفة، متفق عليها، وثمة ثقافة أرقام، قد تكمل الحقائق، وقد، في حالتنا، تمحوها وتجعلها أرقاما فقط، يُعرض الرقم على الشاشة في نشرات الأخبار: خمسون قتيلا هنا، مقبرة جماعية لمئة هناك، تفجير بخمس هناك، الخ، تفيد في تعبئة الشريImageط المستعجل صوب أخبار الرياضة أو البورصة..

بكل الحالات، يُنسى العراق، كم يبدو حزينا وشاحباً وجه النهرين منذ أتاها هولاكو قبل ألف عام، لم يبتسم مذّاك أبو الخير، ولم يذكره أحدٌ إلا بقذيفة، وظلّ على جانب العالم، يذكره كلما أراد برميل نفط، ليسكر الآخرون على شط الخليج، يموت مليون من أطفاله في حصار الديمقراطية في التسعينات، ولا من يتذكّر، تُقصف ملاجئه خلال السلم، ولا من يسأل، تُركب له التهمة على الفضائيات مباشرة، ويحاصر بالكذب، ويُدمر مدينةً مدينةً، كتيبةً كتيبةً، شرطياً شرطياً، ويُغتال علماؤه ودكاترة جامعاته ومخترعيه، على مدى سنتين، ولا من يبكي وينوح، يلاحق شيوخ عشائره، تُفجر آثاره، تلغّم مدنه لعشر سنوات، ولا من ينتبه، لماذا يصلب العراق دائماً بالصمت؟ وكم مرةّ سنعيد قصة الحلاج على حجم خريطة؟

القضايا التي ينبه إليها التقارير، على الأقل، التي يعمل عليها الصليب الأحمر الدولي في العراق، قضايا تكاد تجمع كل القصص في زوايا العالم في واحدة تمتد من ثمانينات حرب الخليج الأولى ثم عاصفة الصحراء وصولا إلى المعارك المحتدمة في غرب العراق بين الحكومة وتنظيم داعش، من المفقودين إلى المحتجزين إلى الأرياف والصحة والنساء المعيلات والنازحين والألغام ومياه الشرب، كم تجمع هذه القضايا من أخبار، في خبر واحد: العراق.

كيف نسينا العراق اليوم؟ بل كيف تذكرناه عام 2003 فجأة، لأنهم سيقصفونه! ثم عدنا ونسيناه حين اصبحت أخباره مكررة: مجزرة واشتباك وانفجار واغتيال، أخبار عادية، وانتظرنا خراب بلد آخر، لنكترث بشيء، ربما سننشغل عنه لاحقا بخراب آخر، وهكذا، تحركنا ماكنة الاعلام، وتحرك الشركات ماكنة الاعلام، ويحرك المصرف ماكنة الشركات.. المصرف يحركنا.

كم كنّا أطفالا يا عراق، حين صدقنا المواويل والأشعار، وقصص الخمر ومعارك الفداء وخرير النهر، أوقفوا كتابة التاريخ عند ابتسامتك، كي لا نفتش عنك لنطمئن عن وجهك اليوم، تُنسى كأنك لست في الخريطة، يريد جيلنا أن يمسحك من الذاكرة لأنك عاره الأول في وعيه السياسي، هكذا تحطم بلدٌ، وُضع في عصّارة المال والثقافة والصحف لأشهر، قبل أن يُرمى.

عراق الخير، هل يعرف من يحمل جرحك اليوم، أنه يحمل الدليل الأول في محكمة القرن الجديد، ضد الانسان؟

 

مدونة مواطن جوعان

الأوسمة: , , , ,

رد واحد to “من يتذكّر العراق؟”

  1. b. Says:

    أوقفوا كتابة التاريخ عند ابتسامتك…
    صمت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: