جورج عبد الله: مواطن من هذا الكوكب

خضر سلامة

قبل أشهر، ضج البلد بخبر حصول الوزير السابق وبطل فضائح ويكيليكس، الياس المر، على منصب رئاسة الانتربول – من أجل عالم أكثر أماناً، التي تبين أنها مؤسسة وهمية شكلية، ورغم ذلك، ضج البلد بالخبر، نفس البلد الذي سبق واستقبل كارلوس سليم، الملياردير اللبناني العالمي، الذي رفع رأس لبنان.. كيف؟ بعصر الفقراء المكسيكيين واستغلالهم… قبل أن يصرح أنه لا يرغب بالاستثمار في لبنان بل.. في اسرائيل!

البلد الذي ينشغل بمعركة وطنية كمعركة أكبر صحن حمّص، وينتدب الشيف رمزي شخصيا لتحمل أوزارها، ثم ينتصر في معركة الليموناضة، إلخ، معروف بأنه من البلاد "الضعيفة" أمام أي خبر أو منصب عالمي، يكفي أن يكون ثمة "عالمية" أو "دولية" في أي شيء، ليصبح الشعب منكباً على متابعة تفاصيل الحدث، كما معركة العجائب السبعة الجديدة، التي تبين لاحقا أنها خدعة كبيرة، ومحاولة نصب "عالمية" أيضاً.. هذا البلد بالذات، لم يسمع طبعاً، بجائزة فرانز فانون، ولا بفرانز فانون، وربما، بعضه لم يسمع بصاحب الجائزة هذا العام: البطل اللبناني ال"عالمي" جورج ابراهيم عبد الله.29597_556029957747071_373273749_n

فرانز فانون، ابن جزر المارتينيك ولادة، بالنسب الأفريقي الأصيل، وبالأوراق الجزائرية عند وفاته، الطبيب النفسي الذي انتقل إلى "معسكر الارهاب" في الخمسينات والستينات، وانتمى للثورة الجزائرية، وصار منبرها وصحيفتها: وحده، توكّل بالرد على الترف الثقافي الفرنسي، وحجج اليسار قبل اليمين، في رفض مطالب الشعب الجزائري، كان فانون مقتنعا أن المعركة هي معركة مصطلحات: نزع حصرية الحضارة والثقافة ومعايير الحرية والارهاب، من يد المستعمر، ولنصنع عالمنا الثالث كما نريد! أصبحت أفكار فانون مصدر وحي للثوار في فلسطين، في التاميل، في الفهود السود بالولايات المتحدة وفي جنوب أفريقيا.

مات فرانز فانون بعمر السادسة والثالثين، تاركاً ورائه كماً كبيراً من الغضب ضد كل عنصرية، سياسية أو ثقافية أو عرقية أو طبقية، وقبل سنوات، اطلقت جائزته، التي ذهبت بادئ ذي بدء لستيفان هيسل، المناضل العتيق ضد النازية، والتائب عن اسرائيل والمناصر للشعب الفلسطيني، الذي لوحق وحورب بتهم متنوعة آخرها كان "الخرَف"، قبل أن تذهب لاحقا لموميا أبو جمال، أو ويسلي كوك، الأميركي الأفريقي الجذري في إيمانه بحقوق شعبه وبالعنصرية الظاهرة والباطنة في النظام الأميركي، الذي حُكم في الثمانينات بالإعدام بتهمة قتل شرطي، شاب التهمة وأدلتها والمحاكمة ككل، حملات عالمية ضد التآمر على المتهم للتخلص منه، ولا زال معتقلاً إلى اليوم.

بعد موميا وهيسل، جورج عبد الله بطل "فرانز فانون" الجديد، الرجل الذي ترك طوائف لبنان وحروبه الداخلية وضياع بوصله، وخرج ليلاحق العدو في كل مكان ثأراً لكرامة لا يكترث لها أحد، يكاد يطرق جدار العقد الرابع من اعتقاله في فرنسا، لا قانونيا ولا دستورياً ولا انسانياً، دون أي تحرك سياسي أو حزبي حقيقي، ينال جائزة ثقافية لا تقدر بصيتها، بل بقيمتها الانسانية الثورية: هذا الاتصال بين من ثار في الجزائر ضد الكذب الفرنسي وعنصرية الديمقراطيات، ومن ثار ضد العنصرية النازية، وضد عنصرية رأسالمال بواشنطن، وضد عنصرية الصهيونية في كل مكان.

جورج عبد الله ينال جائزة انسانية بحتة، لن يدبّل مارسيل غانم بعينيه وقهقهته الشهيرة كلما استقبل مليونيراً، لن يطبل طوني خليفة للمكرّم، لن يهنئ الرئيس اللبناني شعبه بإنجاز لا جميل له ولا لشعبه فيه، لن يطلق أحد المهيّجين النار ابتهاجاً، لأن جورج عبد الله ليس من هذه المزرعة، لم يكن يوماً، هو من وطن كان ولا زال فكرة، لأن جورج عبد الله، ملعونٌ كما كل من يقرر يوماً، الخروج عن السائد، والغضب لنفسه وشعبه، قبل الغضب لسفيرٍ أو شيك أو فتوى.

جورج عبد الله.. كل الحب.

Advertisements

الأوسمة:

2 تعليقان to “جورج عبد الله: مواطن من هذا الكوكب”

  1. Rabih AMHAZ Says:

    Reblogged this on BiKaffe and commented:
    مبروك للمناضل الحر جورج ابراهيم عبدالله !!
    ألف تحية !!

  2. a Says:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: