دردشة مع صفية

خضر سلامة

اسمعيني يا صفيّة

قبل خمسٍ وأربعين عاماً، كتبك غسّان على الورق، وهمس في خدّك باللغة الفصحى: “أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو أن لا يحدث ذلك كله”

كان وطنه أن لا يحدث ما حدث، هزيمة فتقسيم وانقسام ودم في الداخل بين الأخوة، فماذا تقولين، لو أخبرتك سراً: صار بعضنا أعجز حتى من أن يُهزم، والتقسيم أعجبنا، فكررناه، والانقسام أقنعنا أننا فريدون، فجرّمنا من يُصلحه، أما دم الأخوة، فصار مسبحاً ومطعماً للسوّاح، وعرضنا أسهم استثماره في البورصة، ماذا كنتِ لتقولين لو أحرجك أحدهم، وسألك أي وطن تريدين؟

“الوطن الكوكب”؟ أجّرناه منذ البرميل الأول لشركة نفط، ونزعنا طبقة الأوزون وثبّتنا مكانها قضباناً، فصار جدار برلين سلوكاً يومياً بين كل اثنين.

“الوطن العربي؟” اكتشفنا أنه مزحةٌ سمجة. لم تُضحكنا يوماً، لم نفهمها حين رواها لنا أيتام اجتياح بيروت، وغزو بغداد، وحبس حيفا، لأنها لم تكتب يوماً بالعربية.

“الوطن الفلسطيني؟” وجدناه كبيراً علينا، فتنازلنا عن نصف، وساومنا على ربع، وعقدنا حلقة الدبكة في الربع المتبقي فرحين بالهوية، أمّا المخيمات، فوزعناها على الضباط والشيوخ.Image

يا صفيّة، لقد رفضنا قبل ذلك أن يهيننا أحدٌ خارج الوطن، ثم قبلنا بحجة الشرعية الدولية، ثم رفضنا أن يهيننا أحدٌ داخل الوطن، ثم قبلنا بحجة مشاعر القبائل، ولكن أن يصبح الوطن نفسه إهانةً لنا، فهذا ما لم نحسب له يا صفيّة…

قبل نصف قرن، كان الشعراء، في كل زاوية، يحكون عن قضية بحجم العالم، اسمها الانسان، لم نتقدم إلا في العمر، وتراجعنا في كل شيء، وحين أصبح ظهرنا للحائط، نزعنا عامودنا الفقري وجعلناه عامود إنارة، لشارع الأمم كلها، علها تجد حلاً لمعادلة لم نستطع حلها: إذا كان الشعب اثنان، والعدو اثنان، والإله اثنان، والحرية والبندقية والشهداء والجامعة والفقر، اثنان اثنان، فهل يبقى الوطن واحداً؟

لا أريد أن أخدش وجه القصة، ولا أن أجرح قلب الزيتون، بحزن الشرق العادي جداً، ولكني أريد تاريخاً واحداً يخجل حين يسجّل يومياتنا، ويأتي لخيم العزاء، أريد تاريخاً بقليل من الحياء، يحترم الأسماء في انفجار ببغداد، ولا يتركهم رقماً يرتفع كل ساعة، يعطي الأطفال في حلب، ساعة إجازة من الحرب، ليرتبوا القذائف الفارغة على شكل قلعة، تعوّضهم عن ركام المنزل، تاريخاً يأتي بالبحر ليطفئ قاتلاً انفجر جهلاً في بيروت بأهله، ليخلّص المدينة من خطر انطفاء الأغنية.

الوطن هو أن لا يحدث هذا كله..

الوطن هو حقك في يومٍ ممل، كاحتمالات باقي البشر، الوطن هو حقك في يوم تتفرغ فيه لقراءة الأبراج، وحل الكلمات المتقاطعة، وقراءة صفحة الرياضة، يومٌ تعود الصحيفة فيه عشرون صفحة، لا صفحة وفيات فقط، الوطن هو حقنا في الملل، في أن لا ننشغل بحدثٍ أو خبر، وأن لا نهرع لمستشفى أو هاتف قريب، لنرضي فطرة الخوف على ما تبقى لنا، الوطن هو أن يحدث غير ذلك: أن نشرب فنجان قهوتنا على مهل، ونعصر الوقت في إعادة أغنية نحبها، أن يكون العدو عدواً، لا صديقاً قيد الدرس، ويكون الفقر فقراً، لا سلاحاً للإيجار، ويكون الشرطي شرطياً، لا قاطع طرق، وتكون الدولة دولة، لا ثقباً أسود يبلع الأحلام جيلاً بعد جيل.

أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟

الوطن هو حيث لا يقتل الناس ناجي العلي، وحيث لا ينسون غسان كنفاني، وحيث لا يتاجرون بشهيد، ولا ينسون ذكرى اجتياحٍ ولا مجزرة، وحيث لا يستح الناس من المطالبة بمسروقاتهم الوطنية، ولا يختلفون على البديهي من الكرامة، الوطن، هو حيث لا نقرأ أخبار شعبنا، في صحف عدونا.

 مدونة جوعان

الأوسمة: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: